وبعد ثلاثين عاما تواجه إسرائيل ثانية قائدا عربيا آخر تعجز عن فهمه بشكل كامل، فالرئيس السوري بشار الأسد ومنذ حرب لبنان الثانية يرسل لإسرائيل رسائل متفاوتة المضمون، ففي إحدى المرات تحدّث الأسد عن استعادة مرتفعات الجولان بالقوة في حال فشل الطرق الأخرى، وبعد شهر قال إنه مستعد لمفاوضات السلام، وبعد ذلك رفع الجاهزية العالية للجيش وباشر بشراء أضخم كمية أسلحة في تاريخ سوريا، ولكنه في الوقت نفسه قال إن إسرائيل هي من يخطّط لشنّ هجوم على بلاده.
وتشير التخمينات الحالية في هيئات الدفاع الإسرائيلية إلى أن الأسد يتمتع اليوم بموقف يمكّنه من خوض السبيل الذي يريد، سواء إلى مائدة التفاوض أو إلى ساحة الحرب. بينما يقول وزير الدفاع الإسرائيلي باراك إن إسرائيل غير مهتمة أبدا بشن الحرب ولا سوريا أيضا، وبالتالي ليس هناك من سبب يدعو لنشوب هذه الحرب، ولكن ما هو مطروح على أرض الواقع يُظهر أن الطرفين ينفّذان مناورات عسكرية مكثفة، وهذا بحدّ ذاته كافٍ لإثارة التوتر على طول مرتفعات الجولان.
التمهيد لأجواء الحرب
والمتابع للشأن الإسرائيلي خلال الأشهر القليلة الماضية يرصد أن الآلة الإعلامية الإسرائيلية بدأت بسلسلة من الأكاذيب في تهيئة الأجواء العالمية للحرب القادمة مع سوريا، فالاستخبارات العسكرية الإسرائيلية تثير الشكوك تحت دعاوى قيام سوريا ببناء مستودع أسلحة ذات رؤوس بيولوجية وكيميائية وصواريخ سكود وكاتيوشا بإمكانها الوصول إلى تل أبيب وإصابة الآلاف من الإسرائيليين حسب زعمها.
وصحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية تجزم في أعدادها الأخيرة بكل يقين أن دمشق دخلت في سباق تسلح غير مسبوق وتقوم بشراء صواريخ أرض جو روسية الصنع، كما أن دمشق باتت تمتلك أكثر أنظمة الدفاع المضادة للطيران كثافة في العالم.
وعلى الصعيد السياسي تحاول كونداليزا رايس جاهدة العمل على ترسيخ وتكريس فكرة وجود شقاق وفراق بين دمشق وطهران، في محاولة منها لتحريض بعض الحكومات العربية الحليفة لواشنطن ضدّ سوريا دون الخوف من ردود فعل إيرانية، ودفعها بالمقابل إلى التنسيق والتعاون المباشرين سياسياً وأمنياً مع إسرائيل.
وحقيقة الأمر أن الاسرائيليين يحاولون إخفاء أنّ الهاجس الأساسي لديهم هو الرعب من تكرار تجربة حزب الله معهم، وهو ما دفعهم إلى ابتكار رسائل ردع كثيرة، موجّهة إلى سوريا وحزب الله عبر الاجتماعات الوزارية العلنية أو الزيارات التي قام بها قادة إسرائيليون رفيعو المستوى إلى الشمال في الجولان، بالاضافة إلى الأبواب الدبلوماسية السرية. ولن يكون آخر تلك الرسائل اختراق الأجواء السورية، فمنذ فترة وجيزة كانت المحادثات والنقاشات الدائرة بين الوزراء الإسرائيليين تتمحور حول القلق، وارتفاع حدة التوتر على الحدود الشمالية. وكان وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك أول من تحدث عن المؤشرات الأولى لانخفاض حدة تلك التوترات مع سوريا، ولكن حادثة الاختراق فتحت الباب أمام اشتعال التوتر مرة أخرى.
واستعدادا للحرب المقبلة، التي يُعتقد بأنها ستتسم بحملة صواريخ عنيفة لم يسبق لها مثيل، وضع القادة الإسرائيليون خطة تدريبية مؤلفة من ثلاث مراحل لقوات الدفاع الجوي، التي لا تنحصر مسئوليتها في إسقاط سلاح العدو الجوي فحسب، إنما هي مسئولة أيضا عن تشغيل أنظمة باترويت وأرو لاعتراض الصواريخ المنهمرة، ولكن باراك يزعم بأن الكرة في ملعب سوريا، ويزعم أيضا أنه إذا كان الأسد يريد الدخول في محادثات سلام مع إسرائيل فهو يعرف السبيل إلى ذلك، فهل تستعد تل أبيب بمشاركة ومباركة واشنطن لإشعال المنطقة من جديد؟
يبدو أن الأمر كذلك، فرغم تطمينات أولمرت الوهمية لسوريا بأن لا حرب اليوم أو غدا، فإن سياق الأحداث واعتراف وزير البنية الأساسية في الحكومة الأمنية المصغرة ووزير الدفاع السابق بنيامين بن اليعازر بأنه لا يستبعد نشوب حرب إسرائيلية على الجبهتين اللبنانية والسورية، يؤكدان وجود خطط سرية في ملّفات العسكرية والمخابرات الإسرائيلية والأمريكية.
كاتب وباحث سياسي