|
أصبحت عودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين القاهرة وطهران لغزًا يستعصي على الحل، ففي كل مرة يبدو فيها أن نتائج اللقاءات أو الحوارات بين مسئولي البلدين أقرب لإعلان تدشين هذه العلاقات، يصبح الأمر فجأة بعيد المنال، وتصدر تصريحات من هنا وهناك تعيد العلاقات لثلاجة التجميد، برغم قناعة البلدين بأهمية التنسيق المشترك لمصالحهما المتشابهة في المنطقة العربية ودفاع مصر عن حق إيران في النووي السلمي وسعي طهران للتنسيق الإقليمي مع مصر!.
المصالح المتبادلة المتزايدة بين مصر وإيران في السنوات الأخيرة وخصوصًا على المستوى الإقليمي، عكست الحاجة لاختراق كبير في ملف العلاقات المجمدة، مثل ملف التنسيق في العراق بعد الغزو الأمريكي واضطراب أحوال المنطقة والخليج، وملف الطاقة النووية السلمية بعدما دخلت طهران بقوة في برنامج نووي سلمي، وتبعتها مصر بمشروع لبناء 8 محطات نووية، ودافع الطرفان كلّ عن حق الآخر في طاقة نووية سلمية، ومع هذا فقد توقف التنسيق بينهما على التصريحات الرسمية فيما يخص هذه الملفات الكبيرة دون اختراق عملي، أقله عودة السفارات.
والأكثر غرابة أنه في كل مرة تثار مخاوف أو تحفظات معينة من قبل طرف على سلوك الآخر -خصوصا تحفظات مصر- يبادر الطرف المتهم لطمأنة الآخر، فيبدو كأن إعلان عودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة قاب قوسين أو أدنى، وفجأة يفتر حديث التطبيع مرة أخرى وتعود التصريحات القلقة والمتحفظة، مع ملاحظة دخول واشنطن على الخط في عدة حالات، سواء عبر التصعيد مع إيران أو عبر الضغط على مصر في قضايا مختلفة، ما يطرح السؤال حول الدور الأمريكي غير المباشر في إفشال هذا التطبيع المصري الإيراني!.
تدخلات أمريكية
في 11 يونيه 2006 الماضي مثلا، حضر علي لاريجاني، الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني وكبير مفاوضي إيران حول الملف النووي الإيراني، في زيارة مفاجئة للقاهرة أحيطت تفاصيلها بالسرية التامة، وتردد أنه حمل في جعبته طمأنات لمصر فيما يخصّ بعض مخاوفها الأمنية والمخاوف العربية من برنامج إيران النووي، حتى قيل إنّ طهران قد تسلم عناصر أمنية مطلوبة لديها، بعدما غيرت اسم شارع الإسلامبولي الذي أغضب مصر، لشارع "الدرة" أو "الانتفاضة".
وزاد من التكهنات حول قرب عودة العلاقات زيارة علاء الدين بروجردي رئيس لجنة الأمن القومي والعلاقات الخارجية بالبرلمان الإيراني للقاهرة، لبحث العلاقات الثنائية وتوضيح المشروع النووي الإيراني في نفس التوقيت، وترددت أنباء عن سعي طهران للبحث عن دعم إقليمي عربي في مواجهة المخطط الأمريكي، بيد أن الأمر جمد تدريجيا، تارة لتسرب أنباء عن استمرار الخلافات حول كيفية تنسيق الأدوار المصرية والإيرانية في منطقة الشرق الأوسط وتحفظات مصر على التمدد الإيراني الشيعي في المنطقة، وتارة أنباء عن تدخلات أمريكية في كل مرة يبزغ فيها ضوء تطبيع العلاقات بينهما!.
فظهور تقارير غربية تؤكد وجود خطط أمريكية وإسرائيلية لضرب طهران، وتشير ضمنا لوجود تنسيق مع أطراف عربية في هذا العدوان، كان أحد عوامل الغضب والتصعيد الكلامي من قبل طهران ضد أطراف عربية، وتهديدات بضرب أهداف خليجية مثل آبار النفط، وتسريب تقارير استخبارية أمريكية عن أدوار إيرانية في العراق ودول عربية ضدّ مخطط نشر النفوذ الشيعي الإيراني، كان يتبعه فتور مصري تجاه إيران.
فعقب قول الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في مايو الماضي إنه على استعداد لاستئناف العلاقات مع مصر، وترحيب القاهرة بذلك، هاجم وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط -في يونيو- إيران، وقال إنها تهدّد أمن مصر والشرق الأوسط، واتهمها بتشجيع حركة حماس على السيطرة على قطاع غزة.
ومن أمثلة ذلك أيضا اتهام وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط لإيران يوم 24 أغسطس الماضي بالسعي إلى الإمساك بأوراق المشكلات العربية (مثل فلسطين والعراق) حتى تستطيع أن تستخدمها في مواجهتها مع العالم الغربي دفاعًا عن ملفها النووي، واعتباره أن عناصر التأثير الإيراني على المشكلات العربية تؤدي إلى عواقب سلبية على الأرض العربية داعيًا من لا يرى ذلك إلى أن يعيد النظر في تقديره ويراجع أمره.
وعن العلاقات المصرية-الإيرانية المقطوعة منذ العام 1979 ذكر أبو الغيط أن هناك تيارات في إيران "تقرر أن تتحدث في مسائل لا ينبغي الحديث فيها"، كلما اقتربت إيران من مصر مثل أن يقولوا عليكم أن تتراجعوا عن كامب دافيد، ولفت إلى أن لمصر في المقابل متطلبات –مثل الأوضاع الأمنية وشكل التفاهم في المنطقة- لتقوم العلاقة بين البلدين بشكل صحي وهو ما لم يُحسم حتى الآن.
ولأن الحديث يدور في الغرب منذ العام الماضي عن ضربة أمريكية لإيران في الخريف (سواء العام الماضي أم هذا العام)، فقد لوحظ سعي طهران لإرسال وفود لمصر بصورة مفاجئة قبل هذه التواريخ الغربية المفترضة، تستهدف بحث نقاط الخلاف مع مصر، وتنسيق المواقف فيما يخص قضايا إقليمية أخرى، ربما لتحقيق اختراق في العلاقات يمثل مكسبًا لطهران في مواجهة الضغوط والعدوان الأمريكي المرتقب، فضلاً عن سعي طهران للحصول على صوت مصر ودعمها لبرنامجها النووي السلمي؛ لأن لمصر مقعدًا وصوتًا في مجلس أمناء الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وبعد زيارة لاريجاني المفاجئة صيف العام الماضي، زار القاهرة مرة أخرى وفد إيراني وزاري جديد في سبتمبر الجاري برئاسة مساعد وزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي، وأعلنت وزارة الخارجية المصرية أن مصر وإيران ستبدآن حوارًا على المستوى الوزاري تمهيدًا لاحتمال استئناف العلاقات الدبلوماسية المقطوعة بينهما منذ عام 1980، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية حسام زكي إنه تم الاتفاق على مواصلة الحوار بين الجانبين وبالذات في ما يتعلق بالعلاقات الثنائية على مستوى كبار المسئولين ثم وزيري الخارجية.
وحتى هذا اللقاء الأخير الذي قيل إنه سيستكمل بلقاءٍ بين وزيري خارجية البلدين، نفاه وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط بعدها بساعات، حينما نفى وجود ترتيب لعقد اجتماع بينه وبين وزير خارجية إيران على هامش أعمال دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، قائلا: إن "مصر لا تستعجل استئناف العلاقات مع طهران في الوقت الذي تتفاوت فيه وجهات نظر البلدين تجاه العديد من قضايا المنطقة".
الخلافات إقليمية لا ثنائية!
ومع أن الاتفاق بين القاهرة وطهران على مباحثات من المستوى الوزاري، يشير إلى أن المباحثات هذه المرة جادّة لاستئناف العلاقات، وأن الطرفين مصممان على حلّ الخلافات العالقة بينهما، فمن الواضح أن مكمن الخلافات بين البلدين ليس هو العلاقات الثنائية؛ لأن طهران استجابت لمطالب بمصر الخاصة في هذا الصدد، كما أن القاهرة فتحت مجالات تعاون اقتصادي وسياسي مع إيران منذ فترة، ولكنّه خلاف على قضايا إقليمية، وهو ما يفسر سرّ التدخل الأمريكي لإفساد تحسّن هذه العلاقة.
فمعظم التحفظات المصرية التي صدرت على لسان مسئولين مصريين مؤخرًا ركزت على قضايا إقليمية مثل التدخلات الإيرانية في العراق وقضية فلسطين، فضلا عن المخاوف العربية والخليجية من البرنامج النووي الإيراني، ومعظم التحفظات أو الغضب الإيراني كان ينصب على مخاوف من دور عربي في الضربة الأمريكية المنتظرة لطهران!.
وقد أكد مسئول إيراني من الوفد الذي زار مصر مؤخرًا في تصريحات صحفية أن "محاولات استئناف العلاقات الدبلوماسية في الماضي بين طهران والقاهرة تعرقلت بسبب الأجواء الإقليمية، وليس بسبب وجود مشاكل ثنائية بين البلدين تمنع استئناف الحوار"، كذلك أظهر حديث المتحدث باسم الخارجية المصرية حسام زكي عن "قيام كل جانب بطرح رؤيته للأوضاع الإقليمية والدولية ومواصلة الحوار حولها" جانبًا إقليميًّا للخلاف.
وطبيعي أن يكون التدخل الأمريكي هنا واردًا وبقوة؛ لأن القضايا الإقليمية التي هي محل خلاف الطرفين المصري والإيراني -العراق تحديدًا وفلسطين والخليج- هي قضايا حيوية لأمريكا، بل إن الإستراتيجية الأمريكية تقوم هنا على السعي لخلق مساحة خلاف وشجار بين الطرفين العربي (المصري) والإيراني، والسعي لخلق تحالف عربي من "المعتدلين العرب" ضد طهران تمهيدا لتوجيه ضربة ضدها.
ونشير هنا لإصدار جديد لمؤسسة "كارنيجي" البحثية الأمريكية بعنوان "الجهود الأمريكية لنشر الديمقراطية خلال حكم بوش وبعده"، أعده توماس كوريثرس نائب رئيس دراسات سياسات الدولة والحكم في المؤسسة يشدد على أن أمريكا تخلت عن نشر الديمقراطية في مصر لتحجيم إيران ومكافحة الإرهاب.
ويقول إن سعي واشنطن إلى محاصرة نفوذ طهران جعلها تركز على علاقتها مع أصدقائها السلطويين في مصر والسعودية ودول أخرى في إطار توحيد المعتدلين في المنطقة ضد المتشددين.
العلاقات المصرية الإيرانية لا تتصادم بالتالي بخلافات ثنائية بشأن علاقتهما المباشرة بقدر ما تتعلق بخلافات في الرؤى بينهما في شأن العديد من القضايا الإقليمية والغضب المصري من التدخل الإيراني في شئون العراق وفلسطين، وهو مجال يسمح بتدخل "الشيطان" في تفاصيل هذه الخلافات الإقليمية، ما يجعل ملف العلاقة بين القاهرة وطهران يقف في طريقه طرف آخر ثالث –أمريكا- له مصلحة في منع هذا التقارب؛ لأنه سيأتي على حساب مصالحه هو، الإقليمية في نهاية المطاف!
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|