|
| أفغانستان تحت الاحتلال |
أكد حامد كرزاي رئيس نظام كابل يوم 11/9/2007م أثناء حديثه بمناسبة حوادث الحادي عشر من سبتمبر على ضرورة إجراء المحادثات مع حركة طالبان التي تعتبر الفصيل الأكبر من بين فصائل المقاومة المسلحة في أفغانستان.
لقد تكررت الدعوة من قبل حكومة كرزاي لحركة طالبان لإجراء المحادثات معها لكن الجديد في الأمر هذه المرة هو الرد الإيجابي لحركة طالبان على لسان ناطقها الرسمي القاري محمد يوسف أحمدي يوم 13/9/2007م، فهل تغير الوضع؟ وهل شعرت الأطراف المتحاربة بضرورة إنهاء المشكلة بطريقة سلمية؟ وما هي الظروف الحالية؟ وماذا تتطلب هذه الظروف وتقتضيه؟ هذه الأسئلة وأمثالها تدور في ذهن القارئ والمتابع للشأن الأفغاني، ومن هنا نحاول أن نلقي بعض الضوء عليها في السطور القادمة.
لما دخلت القوات الأمريكية إلى أفغانستان عام 2001م واستولت عليها وعلى مقاليد الحكم فيها، وانسحبت حركة طالبان وسقطت حكومتها إثر ذلك، ظن البعض أن المعركة في أفغانستان قد حسمت لصالح أمريكا وأن القبضة الأمريكية قد استحكمت على كل الأمور في المنطقة، وأن أمريكا ستتمكن في فترة وجيزة أن تقدم أفغانستان للعالم كنموذج لنجاحها، وأنها ستتبع النموذج المذكور في حل المشاكل العالقة لبعض الدول الخارجة على نظامها العالمي الجديد!
لكن المتابعين لمجريات الأمور والمدركين للأوضاع كتبوا في ذاك الوقت أيضا أن أمريكا أخطأت في قراءة تجربة الاتحاد السوفيتي السابق، فإن إدخال القوات إلى أفغانستان ليس أمرا صعبا لكن إحكام السيطرة عليها أمر شبه مستحيل، وقد قيل في ذاك الوقت أيضا إن الطريق الذي اختارته أمريكا - وهو حل المشاكل عن طريق الاستخدام الهمجي للقوة - طريق خاطئ، فإن استخدام القوة لن يؤدي إلى نتائج إيجابية، ويبدو أن الجهات الدخيلة في الأزمة الأفغانية - سوى الأمريكان - بدءوا الآن يدركون هذه الحقيقة، فالجهات الدخيلة في الأزمة الأفغانية هي الحكومة الأفغانية، والجهات المسلحة المعارضة لها، والحكومة الباكستانية الحالية التي وفرت لأمريكا كل التسهيلات اللازمة وقت هجومها على أفغانستان والمتهمة بتأييد حركة طالبان في حربها ضد الأمريكان وحكومة كابل.
موقف نظام كابل من المحادثات
يرى بعض المحللين أن دعوة كرزاي للمحادثات هذه المرة لا تختلف عن المرات السابقة، وأنها دعوة لفصائل المقاومة الحالية أن تترك المقاومة وتنزل من الجبال وتستسلم، لكن الذي يبدو للمتأمل والمتابع للشأن الأفغاني أن الدعوة للمحادثات في الظروف الحالية تختلف عن المرات السابقة، وقد تكون نابعة عن قناعة داخلية لبعض المساهمين في المشروع الأمريكي لأفغانستان بعد سقوط نظام طالبان.
فنظام كابل يشتمل على فريقين؛ فريق يحكم، وهم أفراد من عرقيات مختلفة ينتمون إلى أحزاب سياسية متنوعة؛ فمنهم النائب الأول للرئيس الأفغاني أحمد ضياء مسعود، أخو القائد الراحل أحمد شاه مسعود وزوج ابنة الأستاذ برهان الدين رباني، ومنهم النائب الثاني للرئيس الأفغاني عبد الكريم خليلي رئيس حزب الوحدة الشعبي، ومنهم أنوار الحق إحدى زعيم الحزب القومي البشتوني، وفريق آخر يعتبر نفسه في المعارضة، لكن الفريقين كانا متفقين على تواجد القوات الأمريكية في أفغانستان واستمرارها، وما زالت مجموعة كبيرة من هؤلاء مصرة على موقفها السابق، إما لعدائها الشديد لحركة طالبان أو الحزب الإسلامي التابع لحكمتيار، وإما لأنهم يرون في تواجد القوات الأمريكية حفظ مصالحهم الشخصية والحزبية.
ويصر البعض على تواجد القوات الأمريكية في أفغانستان لأنه يتخوف من عودة الفوضى والحروب الداخلية إلى الساحة الأفغانية بعد خروج القوات الأجنبية. لكن يبدو أن مجموعة أخرى من المشاركين في حكومة كابل قد تغير بعض قناعاتها للظروف التي مرت بها أفغانستان، وتمر بها الآن.
فهؤلاء لما رأوا أن استعمال القوة العسكرية يعمق المشكلة ولا يحلها، ولما رأوا أن الأمريكان قد استخدموا القوة العسكرية بكل أشكالها، وقتلوا الآلاف من النساء والأطفال والرجال، ودمروا القوى بكاملها وأبادوها، ومع ذلك بقيت المشكلة قائمة والحرب مستمرة، بل توسعت دائرتها بحيث صارت مجموعات المقاومة المسلحة تهدد أمن المدن الكبيرة، بل تهدد أمن العاصمة الأفغانية كابل نفسها، والطرق العامة الأساسية بين المدن الأفغانية الكبيرة أغلبها مهددة من قبل تلك المجموعات، فإن القوافل الأمريكية والحكومية تتورع عن السفر إلى قندهار وجارديز بعد الظهر برا، بل في الصباح أيضا تتعرض لهجمات مستمرة من المقاومة.
إلى جانب ذلك لما رأى هؤلاء أن القوات الأمريكية وقوات حلف الأطلسي (NATO) لا تتورع عن قتل الأطفال والنساء والعزل من الرجال، خاصة في المناطق الجنوبية والجنوبية الغربية حيث تدور أحداث الحرب الحالية، وأن الأمريكان يقتحمون بيوت الناس ليلا وهم نائمون، ولا يخضع وجودهم في أفغانستان لأي قانون، ولا يبالون بالاحتجاجات التي قدمها كرزاي نفسه أكثر من مرة، زادت الضغوط الشعبية على كرزاي نتيجة الأعمال الهمجية التي تقوم بها القوات الأمريكية.
وحينما تكررت هذه الممارسات من القوات الأجنبية وخاصة القوات الأمريكية تعرض كرزاي لضغوط مزدوجة؛ ضغوط من قبل المقاومة، وضغوط تمارس عليه بسبب الأعمال الوحشية الصادرة من الأمريكان، ومع ذلك تيقن أن استعمال القوة لا يحل المشكلة بل يزيدها تأزما، يبدو من تصريحاته -إن لم تكن هذه التصريحات لإلهاء الناس- أنه تغيرت قناعاته السابقة بعض الشيء، ويبدو أنه توصل إلى قناعة داخلية غير معلنة -وهي ليست قناعة عامة وكاملة- أن الحل هو المحادثات مع المقاومة. لكن الموضوع يعقّده أمران:
-
مخالفة مجموعة كبيرة من مؤيدي التواجد الأمريكي في أفغانستان من الشخصيات الحكومية والمعارضة لإجراء مثل هذه المحادثات مع فصائل المقاومة.
-
عدم قناعة الأمريكان بالمحادثات الحقيقية، فإن الأمريكان يرون أن مصالحهم في المنطقة تقتضي تواجدهم في أفغانستان، ولا يريدون الانسحاب من أفغانستان، ومن هنا يعارضون أي نوع من المحادثات التي يطالب فيها بانسحابهم منها. نعم يريدون المحادثات، ولكن التي تكون نتيجتها القضاء على مجموعات المقاومة المسلحة ضد التواجد الأمريكي في أفغانستان.
موقف حركة طالبان وفصائل المقاومة الأخرى
ويحلل بعض المحللين السياسيين موقف حركة طالبان بأنه ينمّ عن ضعف لدى الحركة، فإنها فقدت بعض قياداتها الميدانية المؤثرة؛ مثل قائدهم الشهير الملا داد الله، وهذا قد أدى إلى الشلل في الحركة، ورأى البعض سبب الموقف الأخير تخلي الحكومة الباكستانية عن مساعدتها بسبب الضغوط الأمريكية الكبيرة عليها وبسبب ما تواجهه من الظاهرة الطالبانية المستشرية في المناطق القبلية الباكستانية.
لكن الذي يتابع الأوضاع الأفغانية بدقة يدرك أن الحقائق على أرض الواقع تنقض هذه التحليلات التي تشير إلى ضعف حركة طالبان أو المقاومة في مجموعها، فإن المقاومة قد انتشرت ووصلت حركة طالبان إلى أبواب كابل، فإنها تتواجد الآن في ولايتي لوجر وولاية ميدان وردك المجاورتين لمدينة كابل بقوة، بل تحكم بعض المناطق ليلا، ومن هنا يرى أغلب المحللين أن حركة طالبان تريد بهذه المبادرة أن تستغل الظروف الحالية لحكومة كابل، وتستفيد منها سياسيا.
فطالبان قد كسبت خبرات سياسية كبيرة في الفترة الماضية، فإنهم رأوا في أزمة اختطاف المبشرين الكوريين (في شهر أغسطس 2007م) أن المحادثات قد تساعد في الوصول إلى الأهداف الكبيرة بدون خسائر بشرية ومادية، ومن هنا لما رحّب القاري يوسف أحمدي بتصريحات كرزاي يوم 12/9/2007م، ومن غير وضع شروط مسبقة للمحادثات مع حكومة كابل ظنّ البعض ذلك تغييرا في موقفهم، لكنهم عادوا واشترطوا للمحادثات مع حكومة كابل انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، وبذلك أرادوا أن يبلغوا رسالة لحكومة كرزاي، بل للعالم كله، بأن سبب الأزمة الأساسي هو تواجد القوات الأجنبية في أفغانستان، وإذا أمكن التخلص منها وإخراجها من أفغانستان بالمحادثات فهو المطلوب.
وهذا في حد ذاته يعتبر تغييرا في موقف طالبان السابق الرافض للمحادثات كليا مع حكومة كابل على الإطلاق، ويعتبر تنازلا عن موقف الإصرار على حسم كل القضايا عسكريا، وقد يكون سبب ذلك القناعة بأن استعمال القوة لا يحلّ المشكلة بل يعقدها ويزيدها تأزما، وهذا في حد ذاته تطور جيد على الساحة الأفغانية يجب استغلاله والاستفادة منه في حل الأزمة.
الحكومة الباكستانية ودورها في المحادثات
لما أعلنت أمريكا عام 2001م أن مسئولية حوادث الحادي عشر من سبتمبر تقع على عاتق تنظيم القاعدة، وعلى نظام طالبان أن يسلم قيادات التنظيم المذكور المتواجدة في أفغانستان لأمريكا أو يستعد للهجوم الأمريكي، رفض نظام طالبان الرضوخ للمطالب الأمريكية، فقررت أمريكا معاقبة نظام طالبان وإسقاطه، وطلبت في هذا الصدد من حكومة الجنرال مشرف في باكستان توفير المساعدات اللوجستية، وكل التسهيلات اللازمة للهجوم على أفغانستان
فمن جانبها قامت الحكومة الباكستانية بما طلب منها، فساعدت أمريكا بكل الوسائل في حربها على طالبان في داخل أفغانستان، وبدأت تتعقب أفراد تنظيم القاعدة من العرقيات المختلفة داخل أراضيها، فقتلت مجموعة منهم، وسلمت مجموعة أخرى كبيرة منهم للأمريكان، يبلغ عددهم -حسب التصريحات الرسمية- ما يقرب من سبعمائة شخص، وكان مسرح هذه الأحداث في الغالب المناطق القبلية الواقعة بين باكستان وأفغانستان، وفي نفس الوقت شاركت الحكومة الباكستانية في الحرب الأمريكية على المدارس الدينية وعلى مظاهر التدين بشكل عام في المجتمع الباكستاني مشاركة متطرفة.
هذه المواقف المتطرفة من حكومة الجنرال مشرف أدت إلى ظهور ردود أفعال قوية من قبل الشعب الباكستاني عموما وسكان المناطق القبلية خصوصا، وظهرت في الساحة ظاهرة ما يسمى اليوم في وسائل الإعلام الغربية والعالمية بـ "طالبان باكستان".
كانت الحكومة الباكستانية تظن أنها ستتمكن من حسم الموضوع باستعمال القوة العسكرية، وشجعتها أمريكا أيضا على اتخاذ هذا القرار، ومن هنا قررت استخدام الجيش للتغلب على ظاهرة "طالبان"، إلا أن ذلك أدى إلى نتائج عكسية، فقويت تلك الظاهرة، واليوم يواجه الجيش الباكستاني الحرب الحقيقية في المناطق القبلية المتاخمة للحدود الأفغانية، وقد فقد السيطرة على كثير من مناطقها، وذلك لأن أفراد الجيش جنودا وضباطا يعتقدون أنهم يقاتلون المسلمين من سكان باكستان، وأنهم يخوضون هذه الحرب نيابة عن أمريكا ولإرضائها، ومن هنا يفقدون البواعث على القتال.
وشعرت قيادة الجيش الباكستاني بالخطر الحقيقي، وأن الأمر لم يعد وسيلة لابتزاز الأموال الأمريكية وحصول المساعدات المالية منها بحركات استعراضية فقط، بل تجاوز ذلك فصارت كتائب الجيش الباكستاني تساق مثل قطعان الغنم ويؤسرون بالمئات، وصارت تحركات الجيش تهدد أمن المجتمع الباكستاني بكامله بانتشار ظاهرة الهجمات الانتحارية الموجهة في الغالب ضد الجيش والاستخبارات الباكستانية فيه، ورأوا أن القتال الدائر في أفغانستان ضد القوات الأجنبية يؤدي إلى مزيد من التأزيم للوضع في الأراضي الباكستانية.
إلى جانب ذلك لما رأت الحكومة الباكستانية أن بقاء العناصر المتدينة خارج دائرة صنع القرار في داخل أفغانستان يتعارض مع المصالح الإستراتيجية الباكستانية؛ لأنها تعتبر العنصر المتدين في أفغانستان الحليف الطبيعي لها ضد الهند، ورأت إلى جانب ذلك أن استعمال القوة بالصورة الإفراطية يؤدي إلى نتائج عكسية، أقدموا في البداية على إجراء محادثات مع المتمردين في المناطق القبلية، وعقدوا معهم اتفاقيات هدأت الأمور في المناطق الساخنة إلى حد كبير بعدها، وبعد ذلك بدأت تشجع الأطراف المتحاربة في أفغانستان على إجراء المحادثات لحل النزاع بطرق سلمية.
وقد أكدت على ذلك بصورة رسمية على لسان رئيسها ورئيس وزرائها في اجتماع مجلس استعادة الأمن المشترك بين البلدين المنعقد في كابل من 9-13/8/2007م، ومن الممكن أن يكون قد حصل نوع من التشجيع من قبل السلطات الباكستانية لحركة طالبان كذلك على إجراء المحادثات مع حكومة كابل، وذلك لأن باكستان ترى في ذلك مصلحتها الخاصة، لكن مع هذا يعتبر ذلك تطورا إيجابيا يجب الاستفادة منه في الوصول إلى حل الأزمة الأفغانية، فإن قناعة باكستان مهمة في هذا الصدد لأنها تعتبر من اللاعبين الأساسيين في نظر الكثيرين من المحللين.
العقبات أمام المحادثات للحل السلمي
مع أن أغلب الأطراف الداخلة في الصراع الأفغاني تدرك ضرورة فض النزاع عن طريق إجراء المحادثات السلمية، لكن هناك عقبات حقيقية تمنع التفاهم الحقيقي بين الأطراف الأفغانية المتحاربة، ومع استمرار تلك العقبات يصبح إجراء المحادثات الحقيقية التي يجب أن تتنازل فيها الأطراف المتحاربة عن مواقفها الدوغماطيقية المطلقة حلما بعيدا المنال، وهذه العقبات حسب ترتيب أهميتها كالتالي:
-
الرفض الأمريكي
إن أهم ما يعرقل المحادثات بين الأطراف الأفغانية المتحاربة هو عدم قناعة أمريكا بضرورة الحل السلمي للمشكلة، لأن المقاومة المسلحة تعتقد أن السبب الحقيقي للمشكلة هو تواجد القوات الأجنبية في أفغانستان، وأن المحادثات لن تجدي نفعا ما لم تؤدّ إلى خروج هذه القوات من أفغانستان، وأمريكا ليست مستعدة الآن للانسحاب من أفغانستان، وما لم ترض أمريكا ولم توافق على إجراء المحادثات الجادة، ولم تلتزم بنتائجها، لن تقدم موافقة الجهات الأخرى شيئا ولن تؤخر، لأن القرار الحقيقي في هذا الشأن بيد أمريكا.
-
موقف الجهة المتضررة في الجبهة الحكومية
إن مجموعة كبيرة من المشاركين في نظام كابل الحالي سواء كانوا في الحكومة أو في المعارضة ممن أيدوا المشروع الأمريكي في أفغانستان يعتقدون أن المكاسب السياسية والمادية التي حصلوا عليها في الفترة الماضية ستتضرر وستضيع بمجرد نجاح هذه المحادثات؛ لأن الجهات القوية الأخرى إذا دخلت الحلبة السياسية الأفغانية لن يتفرد هؤلاء بالفروسية فيها.
فالشيعة على سبيل المثال الذين يتمتعون بنصيب الأسد حاليا في كل شيء لا يمكن لهم أن يتخيلوا عودة طالبان ليكونوا جزءا من النظام، لأن مصالحهم الحيوية ستتعرض لمخاطر كبيرة بمجرد عودتهم ومشاركتهم في النظام بعد انسحاب القوات الأمريكية، وكذلك بعض الجهات الأخرى تخاف من عودة الحزب الإسلامي بقيادة حكمتيار نتيجة محادثات ناجحة، ويعتبرون ذلك تهديدا حقيقيا لمصالحهم التي حصلوا عليها في ظل تواجد القوات الأمريكية، ومن هنا تحاول هذه الجهات بكل حيلة إبقاء القوات الأمريكية في أفغانستان، ومن هنا تعرقل إجراء محادثات حقيقية بين الحكومة والمقاومة، وبذلك يرجحون المصالح الفردية والحزبية على مصالح البلد والشعب.
-
التجربة السابقة لحركة طالبان
وتعتبر التجربة السابقة لحركة طالبان - في نظر البعض - كذلك من العقبات أمام المحادثات الجادة؛ لأنها كانت في فترة حكمها السابقة تصرّ على حل المشاكل عن طريق استخدام القوة العسكرية، ولم تبد استعدادا أبدا لمحادثات جادة، وكلما دخلوا في المحادثات مع معارضيهم كان طلبهم منهم أن يستسلموا لهم وأن يخضعوا لإمارة أمير المؤمنين! يرى هؤلاء أن طالبان سيصرون مرة أخرى على الاستبداد بالأمر، وهذا سيؤدي إلى حروب داخلية مرة أخرى.
لكن ما نراه من تصريحاتهم على لسان الناطق الرسمي باسم حركة طالبان هو تغيير جيد وإيجابي يجب استغلاله، ثم الخوف من عودة الفوضى والحروب الداخلية يمكن دفعه بإنشاء مؤسسات وطنية محايدة، مثل جيش وطني محترف غير متنازع فيه، ومثل مؤسسة البوليس والشرطة وغيرها في فترة محددة تتولى فيها مهمة استباب الأمن قوات من الدول المسلمة غير الدول المجاورة التي لها مصالحها الخاصة في أفغانستان، تحت إشراف الأمم المتحدة أو المؤتمر الإسلامي.
عملية المحادثات وإن كانت أمامها أنواع من العقبات لكن إجراء المحادثات وحل النزاع بالطرق السلمية صوت كل عاقل في أفغانستان، لأن المشاكل وإن كانت مستعصية وطويلة يكون حلها في النهاية عن طريق المحادثات، ولا سبيل لفرض الحلول في بلد مثل أفغانستان عن طريق استعمال القوة العسكرية، ومن هنا نادت الشخصيات السياسية الأفغانية مثل الأستاذ برهان الدين رباني، وصبغة الله المجددي، والمهندس أحمد شاه أحمد زاي أكثر من مرة بضرورة إجراء المحادثات مع حركة طالبان والحزب الإسلامي التابع لحكمتيار، واقترح حكمتيار إجراء المحادثات مع نظام كرزاي حالة تقديم القوات الأجنبية مخططا زمنيا لانسحابها من أفغانستان.
ومن هنا يجب على أمريكا ومن يدور في فلكها أن ينقادوا لصوت العقل، وأن تتحرك الشعوب والدول الإسلامية سياسيا لإجبار الأمريكان على قبول هذا الصوت ليتخلص هذا الشعب المسكين من هذا الشقاء الطويل.
|