|
| انخفاض الدولار أحد أهم أسباب التضخم |
بعد الارتفاع المفاجئ الذي شهدته مصر في بعض السلع الرئيسية كالأرز والمكرونة والسكر، كنت أظن أن هذا الأمر كفيل بأن يرسم حالة من الوجوم على الشفاه، ولكن ما سمعته في وسائل المواصلات العامة في أعقاب هذه الارتفاعات يدعو للعجب، فقد حوَّل المصريون هذه المأساة إلى ملهاة، وبسرعة يحسدون عليها تباروا في إطلاق النكات التي تعبر عن هذا الحال، كان أشهرها: "مدرس بيسأل تلميذ الخمسة في ستة بكام، قالوا بستين.. المدرس إزاي يا ابني خلتها بستين دي بتلاتين.. التلميذ رد عليه، هو يعني اللي عملوا كيلو السكر بـ3.5 جنيهات يبقوا غلطانين".
كنت أعتقد أن هذه الروح سمة تفرد بها المصريون، ربما لكثرة ما شهدوه من معاناة تفرض عليهم التجاوب الدائم معها، ولكني اكتشفت -مؤخرًا- أن هذا الأمر امتد إلى السعودية، مع فارق بسيط هو أن النكتة المصرية كانت أكثر تركيزًا على الظاهرة، أما النكتة السعودية فقد تعاملت مع مسبباتها والتي جاء على رأسها الدولار، فخرجت بعد الانخفاض الشديد الذي حدث للدولار أمام اليورو يوم الخميس 20 سبتمبر 2007 نكت تقول "دولاركم مبارك"، "كل دولار وأنتم بخير"؛ فالمعروف أن انخفاض الدولار هو أحد الأسباب الرئيسية لظاهرة التضخم بدول الخليج؛ لارتباط العملات المحلية لتلك الدول بالدولار، وكان من تداعيات هذا الأمر موجة ارتفاع الأسعار التي لم تهبط إلى الآن.
وبقراءة سريعة لمضمون النكتة المصرية والسعودية يظهر مدى إدراك المواطن السعودي لأسباب الأزمة، وهو أمر على ما يبدو غائب عن النكتة المصرية، ويرجع الخبير الاقتصادي د. أشرف دوابة السبب للاختلاف في السياسة النقدية بين البلدين؛ فرغم أن مصر اتخذت قرارًا بتحرير سعر الصرف في يناير 2003 فإن البنك المركزي المصري لا يزال يمارس رقابة غير معلنة على سوق الصيرفة للاحتفاظ بالدولار عند مستوى محدد؛ ولذلك لا يشعر المواطن بتأثير أي تغير بالدولار على المستوى العالمي.
الانفصال ليس سهلاً
وإذا تجاوزنا هذه القراءة السريعة، فإن المقارنة تكشف -أيضًا- عن مدى ثقة السعوديين بأن رفاهيتهم واستقرارهم صارت رهنًا باستقرار الدولار، وهو وضع على ما يبدو لن يتخلصوا منه رغم أن خبراء المال كانوا يرجحون أن تكون أحداث يوم الخميس 20 سبتمبر مبررًا لاتخاذ هذا القرار.
وعبرت مصادر من البنك المركزي السعودي عن ذلك بقولها لصحيفة الوطن السعودية يوم الأحد 23 سبتمبر 2007: "قرار فك ربط الريال بالدولار ليس سهلاً، الأفضل في الوقت الحالي والمحتمل أن يتم اتخاذه هو قرار برفع سعر الريال مقابل الدولار".
وأضافت نفس المصادر: "هناك عواقب ربما يتعرض لها الاقتصاد المحلي في حال ترجيح خيار فك الارتباط بالدولار وتعويم الريال؛ وهو ما يعرضه لخطر المضاربات ومواجهة سلبيات الانخفاض في سوق العملات العالمي".
نفس هذا الأمر كان قد أشار إليه الكاتب محمد معروف الشيباني في نفس الجريدة يوم 28 إبريل 2007، حيث قال عقب انخفاضات حدثت للدولار في هذا الوقت: "فكّ ارتباط الريال بالدولار سيجعله عرضةً لتقلبات السوق واستهدافات لا يتنبأ أحدٌ بها؛ وهو ما سيضر بالمصدرين والمستوردين والمستهلكين".
وأضاف: "المنطق يوجب أن نستفيد من الدورة الاقتصادية العالمية الشاملة للدولار على مدى نصف قرن مثلاً فنرتفع وننخفض معه؛ لأن الأمور لا تُؤخذ لحظيةً فقط".
بين السياسة والإدارة
ويتفق مع الآراء السابقة د. مقبل الذكير أستاذ الاقتصاد بجامعة الملك عبد العزيز، وقال في تصريح لـ"إسلام أون لاين.نت": "خيار رفع سعر صرف الريال هو الملائم حاليًّا، خاصة بعد أن صار أقل من قيمته بما يزيد عن 20%".
ولكن د. الذكير يرى أنه لا مفر مستقبلا من اللجوء إلى الفكاك من الدولار، واللجوء إلى سلة عملات، وإن كان هذا الخيار يراه صعبًا، وليس من الممكن اتخاذه بسرعة؛ لأن تطبيقه يحتاج إلى إدارة فنية واعية تراقب العملات التي ترتبط بها العملة الوطنية بشكل يومي؛ لاتخاذ القرار المناسب، وهذا غير متاح في الوقت الحالي.
إلا أن د. دوابة يرفض هذا المبرر، مستشهدًا بدولة الكويت التي اتخذت هذا القرار فجأة وبدون مقدمات، وقال في تصريح لـ"إسلام أون لاين.نت": "فك ارتباط الريال بالدولار قرار سياسي، لا تحركه المصلحة الاقتصادية".
وسواء كانت المعوقات سياسية كما قال د. دوابة أو إدارية كما أشار د. الذكير، فإن خلاصة القول أن الزواج من الدولار سواء في مصر بشكل مستتر أو بالسعودية بشكل معلن باق إلى أجل غير مسمى، ومن ثَم فإن المصلحة تقتضي أن نتجاوز فكرة السخرية من الدولار؛ لنرفع جميعًا أكف الضراعة إلى الله في صلاة القنوت قائلين: "اللهم ثبت الدولار، حتى لا ترتفع الأسعار".. قولوا آمين.
محرر بصفحة نماء، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني للنطاق namaa@iolteam.com
|