|
لا شك أن توقيع اتفاق المصالحة الوطنية بين الفرقاء الصوماليين في جدة برعاية المملكة العربية السعودية جاء ليعطي بصيصًا من الأمل ويخلق تفاؤلاً تجاه ذلك البلد الذي ظلت تعقيداته الداخلية والظروف الخارجية المحيطة به معوقا أمام تقدمه.
ومن المؤكد أن توقيع الاتفاق بين الفرقاء في الصومال يمكن أن يؤسس لمرحلة جديدة ومستقبل مشرق لهذا البلد الذي عانى -وما زال يعاني- منذ سنوات ليست قليلة من تداخل المصالح الإقليمية والدولية، وهو الأمر الذي زاد من حدة الاحتقانات والصدامات الداخلية.
ولهذا الاتفاق أكثر من دلالة بشأن مستقبل الصومال، منها أنه يؤكد قدرة الفرقاء الصوماليين برغم اختلاف أفكارهم ومنطلقاتهم على الحوار والوصول إلى أرضية مشتركة للتفاهم، ومنها أيضا أن الاتفاق الذي يسعى لإعادة الاستقرار جاء برعاية عربية سعودية، وهو ما يعني تزايد الاهتمام العربي بهذا البلد المهم الذي عانى كثيراً من التجاهل العربي لمشاكله ومستقبله، إلا أن هذا لا يعني أن الطريق مفروش بالورود، فهناك العديد من التحديات والمعوقات التي قد تتسبب في عودة الحال إلى ما هو عليه، وعلى رأسها وجود أطراف إقليمية قد ترى أن هذا الاتفاق معرقلاً لمصالحها، وهناك قوى دولية تتوجس من كل ما يحدث في الصومال، وقبل ذلك فإن هناك أطرافاً داخلية مهمة ورئيسية مثل المحاكم الشرعية تم تجاهل مكانتها في الاتفاق رغم شعبيتها الكبيرة في الداخل والخارج، وبرغم أنه من الصعب -إن لم يكن من المستحيل- تحقيق السلام والاستقرار في الصومال دون مشاركتها.
وهكذا، فإن من الواضح أن استقرار الصومال ومستقبله تحدده ثلاث محددات رئيسية، وهي البعد الدولي، والولايات المتحدة تحديدا وتحالفها مع إثيوبيا كدولة جوار رئيسية للصومال، والمحدد الثاني هو مدى الدعم العربي المقدم لهذا البلد للمّ شمل الفرقاء الصوماليين والمساعدة في إعادة بناء الدولة، وقبل ذلك تبرز أهمية المحدد الثالث ألا وهو مواقف القوى الصومالية ذاتها ومدى قدرتها على الحوار مع بعضها البعض والعمل من أجل وحدة وتماسك واستقرار هذا البلد.
البعد الخارجي
لا يمكن فهم حقيقة الأوضاع في الصومال دون قراءة مواقف ومصالح القوى الخارجية التي تؤثر بشكل كبير في مجريات الأحداث فيه سواء كانت أطرافاً دولية أو إقليمية، ولعل النموذجين الأبرز لتلك القوى هما الولايات المتحدة وإثيوبيا.
فلو بدأنا بالولايات المتحدة، سنجد أن هدفها الرئيسي هو منع الصومال من أن يصبح ملاذاً آمناً لتنظيم القاعدة، سواء عبر النفوذ الأمريكي المباشر أو غير المباشر، وسواء عبر دعم القوات الإثيوبية للتدخل بقواتها في الصومال أو عبر ممارسة الضغوط على دولة مثل إريتريا لمنعها من دعم المحاكم الإسلامية.
وغني عن القول إن اهتمام الولايات المتحدة بمنطقة القرن الأفريقي بشكل عام تزايد بعد أحداث 11 سبتمبر باعتبارها بيئة ملائمة وملاذا محتملا للجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة، خصوصًا مع ظهور مؤشرات على تغلغل الإرهاب في القارة، وقد تزايدت الهواجس الأمريكية مع ظهور تحليلات تؤكد أن تنظيم القاعدة قرر أن يتخذ الصومال تحديداً موطناً له بديلاً عن أفغانستان.
ومع صعود المحاكم الشرعية وسيطرتها على كافة الأراضي الصومالية في منتصف 2006، اتهمت واشنطن المحاكم، بإقامة علاقات مع تنظيمات متشددة، وبأنها تؤوي عناصر من تنظيم القاعدة يشتبه في أنهم كانوا وراء تفجيرات سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام عام 1998 وكذلك التفجيرات التي استهدفت فندقاً وطائرة مدنية إسرائيلية في ممباسا عام 2002.
أما فيما يتعلق بإثيوبيا فمن المعروف أنها حليف أساسي لواشنطن في مكافحة الإرهاب في المنطقة، كما أنها تتخوف من التوسع المستمر لنفوذ اتحاد المحاكم الإسلامية، ومن مصلحتها أن يظل الصومال ضعيفاً حتى لا يدعم الحركات المعارضة العرقية والدينية داخل إثيوبيا ذاتها، كما أن أديس أبابا تخشى من قيام الصومال والسودان بتشكيل محورٍ إسلامي ضاغط على إثيوبيا.
ولذلك لم يكن مستغربًا أن تتلاقى المصالح الأمريكية مع الإثيوبية في العمل على إقصاء المحاكم وتبديد الأمان والاستقرار الذي وفرته تلك المحاكم بعد سنوات دامية عاشها الصوماليون.
وينبغي في هذا الإطار الإشارة إلى أن هناك عددًا من العوامل التي دفعت واشنطن -رغم مصالحها وأهدافها السياسية والإستراتيجية والاقتصادية في الصومال- لعدم التدخل بصورة مباشرة والاستعانة بإثيوبيا لتخوض حربا بالوكالة نيابةً عنها ضد المحاكم أواخر عام 2006 -وهي نفسها العوامل التي ستحدد أيضا شكل التدخل الأمريكي في المستقبل- ومن هذه العوامل:
- خوف أمريكا من تكرار تجربتها وخسائرها الكبيرة في الصومال في التسعينيات وخروجها مهزومة بطريقة مهينة.
- صعوبة الدفع بقوات أمريكية في الصومال في الوقت الذي تعاني فيها واشنطن من خسائر كبيرة في العراق.
- انشغال واشنطن بقضايا قد تكون أكثر إلحاحا للمصالح الأمريكية، ومنها الملف النووي الإيراني والتطورات في دارفور.
الموقف العربي
لا شك أن استضافة السعودية التي تترأس القمة العربية لاتفاق المصالحة الوطنية الصومالية هو أمر إيجابي يعيد للدور العربي بريقه وقوته؛ وهو ما أكده وزير الداخلية الصومالي ذاته الذي اعتبر أن التدخل السعودي يعيد إلى الصوماليين ما افتقدوه من اهتمام عربي على المستويين السياسي والإعلامي.
وإذا كانت هناك تخوفات مشروعة بسبب تجاهل اتفاق جدة لبعض القوى الصومالية المهمة، فإن ما تردّد من أنباء حول قيام السعودية بتوجيه الدعوة إلى عشرة من قادة المعارضة الموجودين في أسمرة لزيارة السعودية هو أمر إيجابي وفي غاية الأهمية باعتبار تلك الدعوة تأتي مكملة للاتفاق ولجهود المصالحة الوطنية بشكل عام.
ومن الملاحظ في هذا الشأن أن هناك وعيا عربيا متزايدا بخطورة ما يحدث في الصومال، وضرورة القيام بدور فعال، وهو ما يتجلى في الموقفين المصري والسعودي، كما يتجلى في قرارات القمة العربية التي عقدت خلال مارس 2007، والتي لم تكتف بالتأكيد على ضرورة دعم عملية الحوار والوفاق الوطني الصومالي، لكنها طالبت أيضا الدول العربية بتقديم مختلف أشكال الدعم للحكومة الصومالية لتمكينها من بناء مؤسسات الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار والمصالحة الوطنية الشاملة.
كما أن هناك إدراكا عربيا بأن الجهود لا يجب أن تتوقف عند اتفاق جدة، وأن هناك ضرورة لمواصلة الجهد من أجل استكمال المصالحة الوطنية الشاملة، وبناء توافق وطني حول خريطة طريق سياسية تصل بالصومال إلى بر الأمان عقب انتهاء المرحلة الانتقالية، وفي هذا الإطار اعتبرت مصر أن المرحلة القادمة هي الأكثر أهمية وتحديا، لا سيما أنها ستتطرق إلى موضوعات تمس مستقبل الأوضاع السياسية والأمنية في الصومال خلال المرحلة الانتقالية لحين عقد الانتخابات عام 2009 وتشكيل حكومة وطنية على أساس دستور دائم.
وبشكل عام، فإن هناك عددا من العوامل التي قد تساعد على فاعلية الدور الذي يمكن أن تلعبه الدول العربية فرادى أو عبر الجامعة العربية في الصومال مستقبلاً، ومنها:
- قبول معظم الأطراف الصومالية للدور العربي، فقد طلب الرئيس الصومالي عبد الله يوسف من القادة العرب التعجيل بإرسال قوات عربية إلى الصومال تعمل تحت راية الأمم المتحدة لحفظ الأمن والسلام مما يتيح انسحاب القوات الإثيوبية.
- تأييد عدد من القوى والمنظمات الدولية للدور العربي، وفي هذا الإطار اعتبر بيلارد جون كريستوف مسئول ملف الصومال في الاتحاد الأوروبي أن النفوذ السياسي للسعودية بالإضافة إلى مكانتها الدينية والروحية سيؤثر بشكل إيجابي في مسار عملية المصالحة الوطنية، كما أن قيادة السعودية ورئاستها للدورة الحالية لمؤسسة القمة العربية تمنحها أيضا زخما إضافيا في هذا الإطار.
الداخل الصومالي
من المؤكد أن اجتماع نحو 300 شخص يمثلون مختلف العشائر والقبائل ومنظمات المجتمع المدني الصومالية في مؤتمر جدة أمر يدعو للتفاؤل، خاصةً أنه نادرًا ما يجتمع رؤساء ترويكا السلطة الانتقالية الصومالية (الرئيس الصومالي عبد الله يوسف أحمد ورئيس البرلمان آدم محمد نور ورئيس الوزراء علي محمد جيدي، فضلاً عن رئيس لجنة المصالحة الوطنية علي مهدي محمد) خارج بلادهم لأسباب تتعلق بدواعي الأمن في الغالب.
إلا أن ذلك لا يعني أن الأحوال قد استقرت أو أن الأمور قد استتبت في الصومال، فهناك العديد من العوامل التي قد تزعزع الاستقرار هناك، على رأسها وجود خلافات ليست هينة بين القوى الصومالية المختلفة، وغياب الرؤية السياسية الواضحة لدى الأطراف المتصارعة، وطغيان القبلية والمراهنة على القوة العسكرية والجهات الخارجية.
ولا شكّ أن عدم شمول الاتفاق للمحاكم الشرعية الإسلامية يهدد بنسف الاتفاق من أساسه، فالكل يعلم بمكانة المحاكم التي نجحت خلال العام الماضي في توحيد مقديشو تحت سيطرتها للمرة الأولى منذ أكثر من 15 سنة، واستطاعت فرض الأمن والاستقرار، حتى أن رجال الأعمال الصوماليين أنفسهم رأوا في المحاكم قوة قادرة على توفير الأمن لأعمالهم التجارية، ودعم من شعبية المحاكم تجاهها للعمل في ميادين أخرى بخلاف ميدان الأمن، مثل التعليم والأعمال الخيرية.
وعلى الرغم من هزيمة المحاكم بعد ذلك مع اجتياح القوات الإثيوبية للبلاد، فإن هناك احتمالا لنجاح المحاكم الإسلامية في معاودة الكرة مرة أخرى، خاصةً أن إمكانياتها تؤهلها لذلك.
من جانب آخر، فإن هناك إجراءات قد تتسبب في حدوث صدامات عنيفة، منها ما تردد عن أن الحكومة الصومالية الانتقالية التي يشكك الكثيرون في شعبيتها وينتقدون علاقتها بالولايات المتحدة وإثيوبيا، تدرس إمكانية التقدم بطلب إلى الأمم المتحدة والإنتربول لمساعدتها في توقيف معظم الأعضاء الـ191 الذين تم انتخابهم في المؤتمر الذي عقدته المعارضة الصومالية في العاصمة الإريترية، أسمرة، وعلى رأس هؤلاء كبار مسئولي المحاكم الإسلامية.
ومن هنا، فإن الأمر الذي ينبغي التأكيد عليه، أنّ على الصوماليين باختلاف انتماءاتهم أن يدركوا خطورة التدخلات الخارجية ويدركوا أن هناك دولا وجهاتٍ لا تريد لبلادهم الاستقرار بل لا تريد أن يكون لهم دولة موحدة من الأصل.
وعلى المحاكم الشرعية التي تعلن أن هدفها تحقيق العدالة الشاملة لكافة الشعب الصومالي، على هدي الشريعة الإسلامية أن تدرك أنها برغم كل إمكانياتها، فإن تحقيقها لأهدافها يتوقف على مدى تعاونها مع كافة القوى الصومالية الأخرى، وأنه دون ذلك لن يتمكن أي طرف من المتصارعين في السيطرة الكاملة على البلاد، وسيستمر الصراع آنذاك طويلا، كما أنّ على قادة المحاكم أن يتحلوا بالمرونة في تعاملهم مع ظروف البيئة الإقليمية والدولية.
وعلى أمراء الحرب وغيرهم أن يستفيدوا من تجربتهم السابقة ومن هزيمتهم خلال العام الماضي 2006، ويوقنوا أن سقوطهم كان يرجع في أحد أسبابه إلى شعورهم خطأ بأن تحالفهم مع الولايات المتحدة يكفل لهم البقاء، في حين أن الأحداث أثبتت أن الدعم الأمريكي صبّ في اتجاه تقوية المحاكم الإسلامية وزيادة شعبيتها؛ الأمر الذي يعني ضرورة الاعتماد على الداخل والانطلاق من الثوابت الوطنية.
وهناك ضرورة لقيام أي جهة تتدخل كوسيط بين الفرقاء الصوماليين بالاستماع بحيادية لمختلف وجهات النظر بدون استثناء، وبلا آراء مسبقة، وبلا تجاهل لأي طرف، وعلى الدول العربية فرادى أو عبر الجامعة العربية أن تكثف من تحركاتها لدعم الوحدة والمصالحة الصومالية، وعلى الجميع تشجيع التحرك المصري السعودي الهادف إلى القضاء على خلافات الفرقاء الصوماليين ودعم المصالحة الوطنية.
(*)- مدير وحدة الدراسات الاستراتيجية بمركز البحوث والدراسات "عرب المستقبل".
|