|
| حمامة السلام والخراب |
تصدر الدعوة إلى مؤتمر سلام جديد عن الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، وهو منذ توليه رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية لم يكف عن دعم إسرائيل، مهما كانت الانتقادات والتداعيات المترتبة على ذلك، سواء بالنسبة للمصالح الأمريكية، أو بالنسبة لأمن واستقرار العالم، وفي القلب منه منطقة الشرق الأوسط. وقد سبّب أزمات وكوارث عانت منها دولٌ عديدة، منها الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، فحازت النصيب الأكبر من كراهية شعوب العالم، بعد التعاطف الكبير إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
شراكة استراتيجية
صحيح أن دعم أميركا لإسرائيل لم ينقطع، إلا أنه وصل في عهد بوش درجة غير مسبوقة، بدءا بمجلس الأمن الدولي، وصولا إلى درجة صارخة اثناء الحرب الإسرائيلية على لبنان، بتأخير وقف إطلاق النار، لإعطاء إسرائيل الفرصة الكافية للتدمير.
ويمكن تعداد المزيد من الأمثلة، كتأييد مجزرة إبريل 2002 التي سُمّيت عملية "السور الواقي"، أو وصف شارون بأنه "رجل سلام"، أو مباركة قيام اسرائيل بضمّ جزء من الأراضي المحتلة، وصولا إلى التنسيق والتأييد عند شنّ هجمات على دول الجوار، مثلما حدث مع سورية مؤخرا، فحسب رواية صحيفة التايمز البريطانية قامت إسرائيل بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية بشن هجوم مباغت على شمال سورية من أجل تدمير "المخابئ النووية السورية".
ومعروف أيضا أنّ إسرائيل حصلت بعد بدء "الحرب الأمريكية على الإرهاب" على مساعدات عسكرية لم تحصل عليها من قبل أي إدارة أمريكية سابقة، بلغت في الفترة من 2001 إلى 2005 حوالي 10.5 مليار دولار كمساعدات نقدية، و6.3 مليار ثمن شراء أسلحة من الولايات المتحدة، بما فيها 4.5 مليار دولار ثمن 102 طائرة (إف - 16) من شركة لوكهيد مارتن. وهذا -وسواه- قبل العقد الجديد لمساعدات عسكرية تزيد على 30 مليار دولار خلال السنوات العشرة القادمة، وهو ما يمثل زيادتها بنسبة 25 بالمائة عن حجم المساعدات التي تتلقاها اسرائيل من الولايات المتحدة في الوقت الراهن، حرصا على بقاء تفوقها العسكري في المنطقة بلا منافس. وبهذا الصدد صرح بوش بأن "الحفاظ على تفوق إسرائيل يعني الحفاظ على المصالح الأمريكية في المنطقة"، وأضاف نائب وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس بأن "المساعدات الأمريكية لإسرائيل تأتي انطلاقا من التزام أمريكا التام بضمان التفوق الإسرائيلي".
وحسب دراسة نشرها معهد دراسات الأمن القومي الأمريكي، تقررت زيادة المساعدات الاقتصادية والعسكرية لإسرائيل بنسبة 3% وذلك بعد أن طرأ عليها انخفاض منذ عام 1998، عندما وقع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو مذكرة مع إدارة الرئيس كلينتون يتم بموجبها تخفيض المساعدات العسكرية لإسرائيل بمعدل 120 مليون دولار سنويا؛ وذلك –أي الزيادة- من أجل الحفاظ على تفوق إسرائيل النوعي، وإقامة ترتيبات أمنية ملموسة، والحفاظ على وجود عسكري أميركي قوي في المنطقة، بالإضافة إلى العمل مع إسرائيل من أجل منع انتشار الأسلحة النووية والبيولوجية والكيماوية في المنطقة.
مشاريع ملتبسة
إذا بلغ الدعم في عهد بوش درجة الاندماج الكامل بين الطرفين، أين يمكن تصنيف الدعوة إلى مؤتمر سلام دولي جديد إذن؟..
بالإضافة إلى الدعم اللامحدود، حرصت الإدارة الأمريكية الحالية على صياغة مجموعة من المشاريع الخاصة بدمج إسرائيل في المنطقة، وللقضاء على العزلة الإسرائيلية المفروضة من قبل دول وشعوب المنطقة. ومن تلك المشاريع مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي يهدف إلى دمج الكيان الصهيوني إقليميا، وتثبيته على حساب الأرض والحقوق الفلسطينية والعربية والإسلامية وجعله المهيمن على المنطقة، والدافع لإعادة صياغتها وفق مصالح أمريكا وإسرائيل.
وسبق أن قال بعض الخبراء إن الحرب على العراق واحتلاله كانت بمثابة المدخل الحقيقي لفرض ذلك النظام على أنقاض النظام العربي الحالي، فحسب السيناتور الأمريكي أرنست هولنجر في كلمة ألقاها أمام مجلس الشيوخ الأمريكي "الحرب على العراق كانت لخدمة إسرائيل"، كما أكد الجنرال الأمريكي "انتوني زيني" القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية في الشرق الأوسط أن "احتلال العراق جاء لخدمة المصالح الإسرائيلية في المنطقة".
أما على الصعيد الفلسطيني فلم تكتف الإدارة الأمريكية الحالية بخارطة الطريق وأن تطالب الحكومة الفلسطينية بالالتزام ببنودها، مقابل الانتقادات الإسرائيلية لها، بل عمدت مؤخرا إلى ما يمكن وصفه بخطة جديدة غير رسمية أو خطة "الخطوط العريضة الأمريكية" بدعوى وضع حد للأوضاع المتدهورة في الأراضي الفلسطينية.
وتنص الخطة على أن يمتنع الجانب الفلسطيني عن المقاومة، وأن يتم التفاوض على كل الحواجز والتي يبلغ عددها530 حاجزا ثابتا بالإضافة إلى600 حاجز متنقل، ووضع جدول زمني مفصّل لصالح تسهيل انتقال وحركة الفلسطينيين وتعزيز أمن إسرائيل.
تداعيات مؤلمة
إنّ استمرار الإدارة الأمريكية في الانحياز السافر لإسرائيل لا يؤثر على السلام في منطقة الشرق الأوسط فقط، وإنما على السلم والأمن الدوليين أيضا، ومن ذلك ما أشارت إليه دراسة الباحثيْن الأمريكيين ستيفن والت وجون مريشيمر، أنّ جذور خطر الإرهاب الذي تواجهه الولايات المتحدة والعديد من دول العالم مرتبط باستمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل.
ويضيف أخرون أن دعم أمريكا غير المشروط لإسرائيل يجعل الانتصار في الحرب على الإرهاب أكثر صعوبة؛ لأنه يجعل من السهل على المنظمات المتطرفة أن تحصل على دعم شعبي كبير، خاصة وأن إسرائيل تعد الآن القوة الأولى في المنطقة بعد احتلال العراق وحصار إيران، وذلك حسب تقرير مركز جافي للدراسات الاستراتيجية بجامعة تل أبيب لعام 2005 (أي قبل الحرب ضد لبنان)، والذي أكد أن التوازن الاستراتيجي بين إسرائيل وجيرانها بات يميل للكفة الإسرائيلية، وأن الفجوة بين القدرات العسكرية والردعية لهؤلاء الجيران ضاقت أكثر فأكثر.
ويخلص هؤلاء إلى أن من شأن استمرار الدعم المطلق لإسرائيل، أن يولّد أحداثا مماثلة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، ليس فقط تجاه الولايات المتحدة، وإنما تجاه العديد من الدول التي تدخل في تحالفات مع الإدارة الأمريكية الحالية، الأمر الذي يتطلب وقفة حاسمة قبل أن تستفحل الأمور وتصل إلى طريق مسدود.
إن الشراكة بين أميركا وإسرائيل وصلت درجة يصعب معها توقع أي تقدم على مسار عملية السلام في منطقة الشرق الأوسط، وأنّ الدعوة إلى مؤتمر سلام دولي رغم ذلك، يرتبط بأن الأمور في المنطقة مقدمة على منعطف خطير، في ظل تصاعد الرغبة الأمريكية والإسرائيلية في تدمير القدرات النووية الإيرانية، ومنع أي دولة أو حركة أو جماعة معادية لإسرائيل من رفع صوتها في مواجهة الغطرسة والتجبر الإسرائيلي سواء داخل الأراضي الفلسطينية أو خارجها، فأي حديث أو مؤتمر عن السلام، مثل ذلك الذي يدعو إليه بوش في الفترة القادمة ليس أكثر من مادة للاستهلاك المحلي أو بمعنى أخر تظاهرة استعراضية إعلامية.
(*)باحث متخصص في الشأن الفلسطيني
|