|
| ساركوزي والنشيد الوطني |
هل هناك وجه خفي لنيكولا ساركوزي؟ هل للرجل توجهات يمينية محافظة تقترب من خط "المسيحية الصهيونية"؟ وبماذا يفسر ساركوزي كل هذا الحرص على حماية "أمن إسرائيل"؟ هل لجذور "ساركوزي" ووزير خارجيته "كوشنير" اليهودية تأثير في السياسة الخارجية المساندة للإسرائيليين؟ هذه أسئلة أصبحت تتردد في الساحة السياسية الفرنسية مع بروز المواقف المتشددة لساركوزي ولوزير خارجيته "برنار كوشنير" إزاء الملف الإيراني؛ الأمر الذي وصل بالخارجية الفرنسية إلى تبني خيار "احتمال الحرب".
"قصف إيران أو قنبلة نووية إيرانية"
جاء تصريح وزير الخارجية الفرنسي كوشنير بأن "على فرنسا أن تستعد لخوض الحرب ضد إيران مع المجتمع الدولي"، بعد تصريحات الرئيس "نيكولا ساركوزي" نفسه في أثناء خطابه أمام سفراء الدول الأجنبية بباريس في 27/8/2007، بوجود خيارين "قصف إيران أو القنبلة النووية الإيرانية"، وسرعان ما طُرح العديد من الأسئلة حول الخلفيات والأسباب الكامنة وراء التوجهات الفرنسية الخارجية الجديدة وإمكانات تغييرها جذريًّا.
الدبلوماسي الإيراني في السفارة الإيرانية بباريس علي سجديان قال في تصريحات خاصة لشبكة "إسلام أون لاين.نت": "إن الدبلوماسية الإيرانية تراقب المواقف الفرنسية تجاه بلادها بكل دقة، وتلاحظ أن حدّة الخطاب قد ارتفعت بشكل لافت ومثير للانتباه والتعجب"، غير أن سجديان قلل من احتمال "أن تمضي فرنسا في خوض مغامرة غير محسوبة ضد إيران مع الولايات المتحدة وإسرائيل"، وقال: "إن هناك تساؤلات عديدة حول التوجهات الفرنسية الخارجية في الأروقة الدبلوماسية الإيرانية، غير أن احتمال ذهاب فرنسا بعيدًا في تهديداتها السياسية يبقى أمرًا مستبعدًا".
الموقف تجاه الملف الإيراني بالنسبة للعديد من المحللين الفرنسيين يعكس رغبة فرنسية في "مطابقة الموقف الفرنسي مع الموقف الأمريكي - الإسرائيلي تجاه هذا الملف، وخاصة فيما يتعلق بـ"ضمان أمن إسرائيل" الذي شدد نيكولا ساركوزي أنه سيكون له الأولوية لديه، وهو لا يُخفي صداقته الحميمية مع إسرائيل، من قبل انتخابه رئيسًا لفرنسا.
على ضفاف طبرية
في مسألة مساندة نيكولا ساركوزي لإسرائيل بالذات فجّر النائب الاشتراكي "جورج فريش" والمعروف بانتصاره لإسرائيل قنبلةً صامتة أهملتها وسائل الإعلام الفرنسية، وكانت عقب انتخاب ساركوزي رئيسًا لفرنسا مباشرة؛ ففي حفل نظّمه المركز الثقافي اليهودي بمدينة مونبلييه جنوب غرب فرنسا يوم 24/6/2007، خاطب فريش الحضور قائلاً: "أنا فخور بأن فرنسا قد انتخبت بالانتخاب المباشر والعام رجلاً يهوديًّا رئيسًا للجمهورية"، وأضاف فريش: "لقد كان لنا (أي اليهود) ليون بلوم رئيس وزراء، وكان لنا منداس فرونس رئيس وزراء كذلك، ولكن لم يكن لنا أبدًا يهودي رئيسًا للجمهورية"، وختم فريش قائلاً: "والآن لكم كذلك كوشنير وزيرًا للخارجية (يهودي) فماذا تريدون أكثر؟".
وقد ولد برنار كوشنير، وزير الخارجية الفرنسي الحالي، من أب يهودي وأم بروتستانتية، وكان من مؤسسي منظمة "أطباء بلا حدود"، وهو عضو بارز في الحزب الاشتراكي، قبل أن يُفصل منه عقب تعيينه من جانب الرئيس نيكولا ساركوزي وزيرًا لخارجيته في حزيران/ يونيو 2007.
خطاب فريش الذي لم تتناقله وسائل الإعلام الفرنسية -التي تهمل تقليديًّا كل المعلومات الشخصية المتعلقة بالانتماء الديني بحكم طابع الدولة للعلمانية الفرنسية- تضمّن عبارة مثيرة للاهتمام أيضًا، وهي أنه تعرّف على نيكولا ساركوزي على ضفاف بحيرة طبرية قرب الجولان على الحدود السورية الإسرائيلية في حزيران/ يونيو 1967 بعد أيام قليلة من احتلال إسرائيل لقطاعات كبيرة من الأراضي العربية، إضافة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو "النصر" الذي اعتبره العديد من ساسة إسرائيل "نصرًا إلهيًّا لشعب الله المختار".
ماذا كان نيكولا ساركوزي يفعل على ضفاف بحيرة طبرية على تخوم الجولان المحتل حديثًا، في فترة أدان فيها العالم الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية؟ هذا سؤال لم يجب عنه جورج فريش.
المؤكد في هذه النقطة بالذات أن نيكولا ساركوزي حرص على التعريف بنفسه في أكثر من مناسبة بأنه "مسيحي كاثوليكي"، وهو لا يتحدث عن أصوله "اليهودية"، واكتفى في السابق بالإشارة إلى أنه اكتشف ذلك في وقت متأخر من حياته، ولكن هذا لم يمنعه من الزواج من "سيسيليا"، زوجته الحالية التي أشار الكثير من المصادر إلى أصولها اليهودية الأسبانية.
وراثة توني بلير
بصرف النظر عن يهودية ساركوزي من عدمها؛ الأمر المؤكد هو أن ساركوزي نفسه لا يخفي حرصه سياسيًّا وباستمرار على المجاهرة بكونه صديقًا حميمًا لإسرائيل، وقد أحاط نفسه بالعديد من المستشارين الذين لا يتوانون عن الدفاع بشراسة عن أمن إسرائيل، من أمثال النائب البرلماني بيير لالوش، والمفكر ألكسندر أدلير، وغيرهما من السياسيين الفرنسيين الذين يتبنون خط المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، ويدافعون عن أمن إسرائيل بشراسة.
أمن إسرائيل أولاً ومحاربة العداء للسامية هما البوابة التي جعلت ساركوزي أحد أبرز الشخصيات المقربة من اللوبي اليهودي المساند لإسرائيل بالولايات المتحدة؛ ففي شهر آب/ أغسطس من سنة 2004، أصدرت جريدة يهودية قريبة من اللوبي اليهودي بالولايات المتحدة تقريرًا لافتًا للانتباه تحدثت فيه عن تنامي حركة "جويش أمريكان سيونيزم" (اليهودية الأمريكية الصهيونية) في فرنسا، وكان من بين الأسماء الفرنسية المذكورة في القائمة والمساندين لهذه الحركة في فرنسا اسم الرئيس الحالي نيكولا ساركوزي.
أوليفيا زامور، منسقة منظمة "أورو فلسطين" الفرنسية المساندة لحقوق الشعب الفلسطيني، ترى أن السياسة الفرنسية الخارجية تجاه القضية الفلسطينية تغيرت منذ انتخاب ساركوزي، وتقول: "إن ساركوزي ووزير خارجيته أخذا مكان توني بلير في الولاء للولايات المتحدة".
المحلل السياسي الفرنسي براه ميكائيل، الخبير في المعهد الفرنسي للأبحاث الإستراتيجية، يقول لـ"إسلام أون لاين.نت": "بصرف النظر عن المعطيات الشخصية، من المبكر الحكم على تغييرات جذرية في سياسة نيكولا ساركوزي، وإن كانت هناك مؤشرات عديدة تقول إن سياسة فرنسا الساركوزية خارجيًّا لن تكون كسياستها في عهد شيراك وغيره".
لا شك أن آلان قريش، مدير تحرير جريدة لوموند ديبلوماتيك، كان أول من "دق ناقوس الخطر" حول تغيير سياسة فرنسا الديجولية، محذرًا من سياسة فرنسية خارجية تحاول القطع مع النهج الفرنسي المتوازن والمساند للقضايا العربية.
"كوشنير وزير خارجية مَن؟"
في الساحة السياسة الفرنسية بدأت ملامح الانتقادات تظهر إزاء التغيير الجديد في السياسة الخارجية الفرنسية، أول الانتقادات جاء من الحزب الحاكم نفسه، حيث انتقد دومينيك دوفيلبان الوزير الأول السابق ووزير الخارجية الأسبق والذي ألقى خطاب فرنسا الشهير المناهض لغزو العراق سنة 2003.. انتقد ما اعتبره "انحرافًا" في سياسة فرنسا الخارجية.
بينما انتقدت الجبهة الوطنية اليمينية سياسة وزير الخارجية وأصدرت بيانًا تعجبت فيه من حادثة غريبة وقعت في مقر الخارجية الإسرائيلية يوم 11 أيلول/ سبتمبر 2007، حينما حضر وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير ندوة صحفية جمعته مع نظيرته الإسرائيلية تسيبي ليفني؛ فيومها -يقول بيان الجبهة- وجّه صحفي إسرائيلي سؤالاً لوزير الخارجية الفرنسي حول موقف فرنسا من الاختراق الجوي الإسرائيلي للأراضي السورية، والغريب كما يقول الحضور أن وزيرة الخارجية الإسرائيلية كتبت في الوقت ذاته ورقة صغيرة وضعتها أمام برنار كوشنير الذي قرأها وقال "إن فرنسا ليس لها علم بما وقع"، وعلّق بيان حزب الجبهة الوطنية قائلاً: "برنار كوشنير وزير خارجية من؟"، أي بعبارة أخرى: هل أصبح برنار كوشنير وزير خارجية إسرائيل؟.
مراسل شبكة إسلام أون لاين. نت في فرنسا.
|