|
تختلف التفسيرات حول دوافع إصدار الولايات المتحدة تقريرا سنويا عن الحريات الدينية في العالم بين رأيين؛ الأول يربط بينه وبين رغبة القوى التبشيرية الأمريكية في خلق الأجواء المناسبة لعملها في العالم عموما والعالم الإسلامي خصوصا، والثاني يعتبر أنه يجيء في سياق المساعي الأمريكية لنشر الديمقراطية وفق الرؤية الأمريكية في العالم الإسلامي، وتناسى الفريقان أنّ التدخل الخارجي لا يستطيع النفوذ إلى الداخل سوى في حالة وجود تربة ملائمة لذلك!.
وقد أدى التقرير السنوي لعام 2007 إلى تجاذب أمريكي – مصري، حيث اتهم مصر -وهي حليف رئيسي للولايات المتحدة- بأنها قد شهدت "تدنيا" في احترام الحرية الدينية، وأن الحكومة المصرية تقيّد الحقوق الدينية بالرغم من أن الدستور المصري يضمن حرية الاعتقاد.
ورد متحدث باسم وزارة الخارجية المصرية بالقول: "إن احتياجات وأولويات المجتمع المصري تتحدد وفق الآليات التي وضعها وارتضاها... إن هذا المجتمع لا يستجيب لأولويات يحددها الـ(غير)، وبالتالي فإن غالبية محتويات التقرير الأمريكي تعد مرفوضة شكلا وموضوعا".
المواثيق الدولية
يستعرض التقرير بالتوثيق والتصنيف أعمال الحكومات التي تقمع حرية التعبير الديني أو تضطهد المؤمنين الأبرياء -كما يسميهم التقرير- أو تتغاضى عن أعمال العنف والتعسف ضد الأقليات الدينية، كما يسجل من جهة أخرى الدول التي حدثت بها خطوات إيجابية لتشجيع أو حماية الحرية الدينية، وقبل هذا كله يشير إلى الرؤية الأمريكية لموضوع الحرية الدينية في العمل الذي يصفه بأنه جزء من مهمة وزارة الخارجية الأمريكية التي تراقب الاضطهاد والتمييز الديني في سائر أنحاء العالم وتقترح وتنفذ سياسات موجهة نحو المناطق والدول وتضع برامج لتشجيع الحرية الدينية.
ويستند إلى المواثيق الدولية التي تنص -وفق المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمد عام 1948- على أن: "لكل إنسان الحق في حرية الفكر والوجدان والدين ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدين ما، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره".
وقد أقر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1966، بالحق في حرية الدين أو المعتقد فتنص المادة 18 على أن:
1- لكل إنسان الحق في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدين ما، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة.
2- لا يجوز تعريض أحد لإكراه من شأنه أن يخل بحريته في أن يدين بدين ما، أو بحريته
في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره.
3- لا يجوز إخضاع حرية الإنسان في إظهار دينه أو معتقده، إلا للقيود التي يفرضها القانون والتي تكون ضرورية لحماية السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية.
وقد تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة بدون تصويت عام 1981 إعلانا بشأن القضاء على جميع أشكال التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين وتوضح المادة رقم 4 أن على الدول بما في ذلك مؤسسات المجتمع المدني أن تتخذ ما يلزم من تدابير لمنع واستئصال أي تمييز على أساس الدين أو المعتقد، ومن ذلك:
- اتخاذ ما يلزم من تدابير في جميع مجالات الحياة المدنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية.
- سن أو إلغاء تشريعات لمنع التمييز إن لزم الأمر.
- اتخاذ جميع التدابير الملائمة لمكافحة التعصب القائم على أساس الدين أو المعتقدات الأخرى في هذا الشأن.
محتويات التقرير
وقال تقرير عام 2007 الذي جاء في 800 صفحة: إن الحكومة المصرية تتجاهل الحقوق الدينية لـ"الطائفة البهائية"، وتفرض قيودا على بناء الكنائس، وقال باضطهاد المسيحيين في مصر، مشيرا إلى أنه على الرغم من أن الإسلام هو الدين الرسمي والشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع إلا أن الممارسات الدينية التي تتعارض مع تفسير الحكومة للشريعة محظورة.
ونفى حدوث أي تغيير يذكر في وضع احترام الحرية الدينية في مصر خلال الفترة التي شملها إعداد التقرير، وقال إن الحكومة تعارض ممارسة الطائفة البهائية لطقوسها الدينية وإن هناك قيودا حكومية كثيرة ضد البهائيين، على حد قوله.
وأشار إلى أنه بالرغم من تفويض رئيس الجمهورية سلطات بناء الكنائس وإصلاحها إلى المحافظين، فإنه مازالت هناك صعوبات كثيرة في الحصول على رخص بناء الكنائس معتبرا أن المجتمع المصري يعاني من التمييز الديني والطائفي، وهو ما يفسر أحداث الشغب التي وقعت في أكتوبر 2005م في منطقة محرم بك بالإسكندرية بسبب عرض إحدى الكنائس لمسرحية تسيء إلى الإسلام وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم.
وعبّر التقرير عن القلق من القيود المفروضة على الحريات الدينية في مصر، قائلا: إن الحكومة تفرض قيودا شديدة على حرية اعتناق المسلمين للمسيحية في حين تسهل حرية اعتناق غير المسلمين للإسلام، وذلك بعد أن شهد العامان الماضيان تحول 32 مسلما إلى المسيحية رفضت الحكومة تغيير ديانتهم في بطاقاتهم الشخصية.
وذكر أن الحكومة المصرية لا تعترف بأتباع الطوائف المسيحية الأخرى مثل الأرمن الكلدانيين واليونانيين وميلكايت الروم والكاثوليك السريانيين وكذا المارونية وكذا طوائف الكنيسة البروتستانتية الإنجيلية، وكذا أتباع جماعة المورمون وشهود يهوه، على الرغم من أن عددهم يتراوح ما بين بضعة آلاف ومئات الآلاف، وطالب مجلس الشعب المصري بإصدار قانون يسهل إنشاء دور العبادة الجديدة لجميع الطوائف الدينية، متهما وزارة الداخلية المصرية بتجاهل الرد على الاستفسارات المتعلقة بعدد من الشكاوى المتعلقة بوجود انتهاكات للحريات الدينية.
وطالب الحكومة المصرية بالسماح بدخول جماعات التبشير والتنصير إلى مصر ومزاولة نشاطها على الأراضي المصرية، وانتقد حكم القضاء الإداري في 2001 بحظر إقامة احتفال اليهودي أبو حصيرة على أرض قرية دميتوه بدمنهور، معتبرا هذا الحظر منافيا لحرية الأديان والاعتقاد واعتداء على حق تاريخي ديني لليهود.
ودعا الحكومة المصرية إلى الاعتراف بما يسمى الزواج المدني لإمكانية الزواج بين المسلمين والمسيحيين مع احتفاظ كل منهما بديانته، واختتم التقرير بتأكيده أن هناك بعض الحالات في مصر تدل على التسامح الديني في المجتمع.
مساعٍ مصرية لتحسين الأوضاع
وعلى الرغم من الرد الرسمي الرافض للتقرير فإنه يمكن القول إن القاهرة كانت تسعى حثيثا في الآونة الأخيرة إلى تحسين سجلها فيما يخص الحريات الدينية وفي هذا الإطار قام المجلس القومي لحقوق الإنسان بعقد ورشتي عمل حول "حذف خانة الديانة من بطاقة الرقم القومي" خلال شهري أغسطس 2006، وسبتمبر 2007 في محاولة لمعالجة العديد من القضايا المتعلقة بالأقباط وطائفة البهائيين.
وخلال الورشتين لم يتم حسم أي من القضايا المطروحة وخصوصا قضية حذف خانة الديانة من البطاقة الشخصية حيث ظهرت ثلاثة آراء: الأول تبنته مؤسسات الدولة كوزارتي الداخلية والعدل وبعض المؤسسات الحقوقية ويرفض حذف الخانة وفق تبريرات مختلفة منها أنه لابد من انتظار الحكم النهائي للقضاء حتى يتسنى تنفيذه، والثاني: يعتبر أن حذف الخانة خطوة رمزية من أجل تكريس قيم المواطنة والحريات الدينية والمساواة في المجتمع، والثالث: يدعو إلى اتخاذ قرار مدروس من جانب المتخصصين في جميع المجالات رافضا الربط بين الخانة وبين بعض المظالم التي تتعرض لها الأقليات.
ويلاحظ أن تحرك الحكومة وقوى المجتمع المدني قد تأثرا بالأجندة الخارجية عموما والتقرير الأمريكي على وجه الخصوص؛ حيث نالت القضية اهتماما واسعا في ذات الوقت الذي جرت فيه انتهاكات كثيرة للحريات العامة في البلاد وأصبح ملف التعذيب يعاني من تخمة!.
وفيما أصرت الحكومة على موقفها برفض حصول البهائيين على أوراق ثبوتية بديانتهم فإن الفريق المطالب بحذف خانة الديانة من البطاقة تميز بمطلبين متناقضين أولهما يطالب بإثبات الديانة البهائية في خانة الدين بالبطاقة، والثاني يطالب بحذف الخانة لأنه يراها السبب الرئيس فيما يتعرض له المواطنون الأقباط من مظالم.
وبين الموقفين تم تجاهل مطالب الطرف الثالث بضرورة أن تتوافق الدولة مع المجتمع المدني بكل قواه الوطنية والإسلامية على أجندة مشتركة للإصلاح والديمقراطية، بعيدا عما يحدث من قضايا مفتعلة أو مفروضة من الخارج لن تحقق لبلادنا شيئا من النهوض الاقتصادي والاجتماعي أو الديمقراطية، وخصوصا أن الأغلبية المسلمة ليست أسعد حالا من الأقباط أو البهائيين حيث تعاني من غياب الحد الأدنى من الكفاف الإنساني والاقتصادي.
المتغير الخارجي
يمكن القول إن دور المتغير الخارجي فيما يخص قضية الحق في حرية المعتقد يظهر على مستويين:
الأول: المستوى الدولي: عقب أحداث 11/9 حدثت تحولات دراماتيكية حيث يشبه المستشرقان الهولنديان (فان كونينجسفيلد) و(واصف شديد) -من جامعة ليدن- في مقال مشترك لهما بعنوان: (زمن الإسلام المتخفي) -في مجلة إم آي الهولندية عدد يوليو 2004م- أوضاع مسلمي أوروبا بأوضاعهم في بلاد الأندلس في عهد (فرديناند وإيزابيلا) حيث عانوا من الملاحقات والمصادرة بعد قرون من التعايش والسلام، ويدعوان إلى عدم الخلط بين الإسلام والمسلمين وبين التنظيمات التي تستعمل العنف ولا تمثل بشكل حقيقي الإسلام وحقائقه السامية؛ لأن هذا أدى إلى تهميش المسلمين وإقصائهم، ثم ممارسة العنف ضدهم.
ولكن أحدا لم يستمع إلى هذه الدعوة؛ فتنتهك حقوق المسلمين في العالم وخصوصا في الغرب باسم مكافحة الإرهاب ويقوم رجال الدين والمحافظون بالمشاركة في حملة تشويه واسعة من أجل التغطية على قيم الإسلام الحقيقية؛ وبالتالي انتهاك حرية المعتقد للمسلمين أو غير المسلمين الذين يرغبون في دراسة موضوعية لهذا الدين.
الثاني: المستوى الداخلي: حيث تمزق المواطن بين استبدادين؛ أحدهما داخلي؛ حيث إن الدولة التي ظهرت بعد حقبة الاستعمار لم ترث الدولة في الغرب من جهة بنيتها الديمقراطية وعلاقاتها وإنما ورثت بنية الاستعمار التنظيمية حيث صارت العلاقة بين الحاكم والمحكومين تتسم بالفرعونية وبالتالي غابت قيم المحاسبة والرقابة وتداول السلطة وأصبح على "المواطن الصالح" ألا يفعل ما يؤمر به بل عليه كذلك أن يفكر فيما يريده الحاكم -على كل المستويات- أن يفكر، وفى أغلب الأحيان يكون من الواجب عليه استباق أفكاره استجلابا لمرضاته!.
والآخر خارجي اتجه الأخير بعد أحداث 11 سبتمبر للتدخل بكثافة لإجراء تغييرات مجتمعية معينة قيل إنها في صالح المواطنة والديمقراطية لكنها لم تؤدّ إلى شيء من ذلك حتى الآن وظهرت نخب محلية تريد إجراء تغييرات فوقية على المجتمع و"تأهيله"!.
المواطنة هي الحل
وبناء عليه: لا يكون الحل للمشكلات مستوردا من نماذج خارجية كدول أو منظمات دولية أو باتخاذ إجراءات يغيب عنها التوافق العام ولم تدرس آثارها في الواقع وإنما بعلاج الخلل الراهن في وظائف الدولة من جهة وقيام المجتمع المدني بنشر ثقافة الديمقراطية وقيم المواطنة من جهة أخرى.
إن المواطنة تعني أن تضمن الأقلية حرية الاعتقاد وتحقيق المساواة في الحقوق والواجبات، لكن التأكيد على قيمة المساواة لا بد أن يقابله تحديد لمعنى المساواة؛ حيث إن حق الأغلبية في أن تحكم –مثلا- لا يخل بقاعدة المساواة بأي حال، وهو الأساس الذي تقوم عليه الديمقراطيات في العالم التي تصوغ القضية في التعبير الشائع: حكم الأغلبية وحقوق الأقلية Majority Rule, Minority Rights.
إن حرية الاعتقاد الواردة في المواثيق الدولية تحفظ حق للأقباط والبهائيين، على أن هناك حدودا للحق تتمثل في النظام العام والشعور أو الذوق العام للأغلبية، وأي تجاوز لهذه الحدود يسمى إساءة استخدام الحق، أما المساواة في الحقوق والواجبات مع الأغلبية فهذا منصوص عليه في الدين والدستور التي تؤكد على الأصل الواحد وكرامة الإنسان وحصانته.
ومع ذلك يجب أن يُؤمَّنوا على مركزهم القانوني وحقوقهم ومستقبلهم، وهنا يظهر دوران للدولة والمجتمع المدني فالأولى مطالبة بحل المشكلة التي تسببت فيها؛ حيث إن وزارة الداخلية هي التي رفضت قيد البهائيين في البطاقة وهو قرار غير مدروس، وكان من الممكن الاستفادة من الكفاءات البحثية والقانونية والشرعية لإيجاد حل سريع لهذه المسألة، أما الثاني فعليه تجاوز الاستقطاب الأيديولوجي السائد والإقصاء المتبادل بين قواه الفكرية والمدنية من أجل أجندة إصلاحية وطنية نابعة من الموروث المشترك يتم التوافق عليها بما يخدم الديمقراطية والمواطنة.
صحفي وباحث.
|