|
قبول الرأي العام الغربي بأساليب معاملة القوات الإسرائيلية المحتلة للفلسطينيين وإقرار حروب النهب حول الخليج العربي، هي أبرز الغايات التي يجب من أجلها - لدى بعض الدوائر "الصهيونية" في الدول الغربية - اعتماد تقنيات متطورة لدعاية تنزع الطبيعة الإنسانية عن العدو، وتختزل قضيته السياسية العامة في الظلامية الدينية لأقلية ما.
وتمثل دار النشر أيش هاتوراه Aish HaTorah التي يمولها النظام الإسرائيلي مختبرا حقيقيا في هذا المجال، إذ كان آخر إنتاجها شريطا وثائقيا موجها ضد المسلمين ومشجعا بشكل واضح على "صدام الحضارات".
حمل هذا الشريط عنوان: "الهوس.. حرب الإسلام المتطرف على الغرب" (Obsession: Radical Islam’s War Against the West).
إن هذا الشريط الوثائقي من إنتاج المدرسة التلمودية "أيش هاتوراه" الممولة بسخاء من السلطات الإسرائيلية. ولهذه المنظمة جمعية للعلاقات العامة "الهاسبارا فيلوشيب Hasbara Fellowship" التي برزت مؤخرا عندما نظمت حملات احتجاج ضد رئيس الولايات المتحدة السابق جيمي كارتر متهمة إياه بوصف معاملة الفلسطينيين بالتمييز العنصري. ولها مؤسسة أخرى للمراقبة والإنتاج تسمى Honest Reporting التي ينتسب لها 140 ألف عضو في إسرائيل. ويوجد على رأس كل المؤسسات: الحاخام إفرايم شور Ephraim Shore ومساعدة ياردن فرانكل Yarden Frankl العضو في إيباك (American Israeli Public Affaires Committee )
الكاتب والصحفي الفرنسي تيري ميسان Thierry Meyssan قام بتحليل التقنيات المعتمدة في هذا العمل الوثائقي ووضع تفييما له.
ويرى ميسان أن دار الإنتاج هذه أنتجت شريطا مخصصا لاستعداء الإسلام، يحاول خلال 78 دقيقة إثبات أن العالم الإسلامي المعاصر قد تجاوز في مرضه ألمانيا النازية، وأنه مسكون بهوس من الكراهية سيؤدي به لا محالة إلى "حرب الحضارات"، وهي نوع من الحرب الأهلية الشاملة، التي يشكل الإرهاب نذيرا لها.
ولقد تمت إلى اليوم مشاهدة الشريط ضمن دوائر خاصة، بما فيها الكونجرس الأمريكي، غير أنه لم يعرف مشاهدة واسعة إلا عندما عرضته قناة المحافظين الجدد "فوكس نيوز Fox News" في نهاية أكتوبر وبداية نوفمبر 2006، حيث شاهد العرض عشرات الملايين من الناس. ولقد تم إعداد نسخ مصحوبة بترجمة كتابية بعدة لغات، وخاصة الفرنسية. غير أنه من المستبعد أن تعرض قناة فرنسية هذا الشريط الوثائقي على الأقل ما دام الالتزام بقوانين الدعاية قائما، لكن الشريط قد يصل إلى الجمهور عن طريق الـ"دي في دي DVD " أو التحميل على مواقع الإنترنت.
تقنيات التشويه والتآمر الجهادي
ويرى ميسان أن الشريط في حقيقة الأمر ليس إلا أداة للترويج الدعائي، حيث يوظف تقنيات استثارة العواطف والتعمية والخلط والتكرار لتحدث قلقا شديدا حتى لدى المشاهد الأكثر وعيا.
ويمكن إجمال الرسالة التي يعمل على إيصالها الشريط في هذه العبارة: "يمثل التآمر الجهادي رأس حربة الإسلام الذي يمثل حضارة نازية".
وهذه المقولة تختزل أهم الحجج التي تدفع في اتجاه "صراع الحضارات"، كما تتوسع في طرحها بشكل مفرط؛ وبالتالي تقدم فرصة جيدة لتفحص وجاهة هذه الحجج والاحتياط منها.
في بداية الأمر يتحدث الشريط عن وجود حركة سرية، ويؤكد أن عدة أعمال تعبر عن هذه الحركة، التي يتم تعريفها من خلال ما ينسبه لها الشريط من أعمال. وهذا شكل من الاستدلال الدائري غاية في الإتقان، حيث يستمد قوته من جمع وتقريب صور متشابهة ومن تعليقات الخبراء. وبالتالي يتم سريعا إخراج المشاهد من عالم العقلانية للقذف به في رعب منفر.
ثم يشير الشريط إلى كون هذه الحركة السرية ليست مجرد مجموعة صغيرة لا اعتبار لها، وإنما تمثل رأس حربة لحضارة مليار شخص، ويؤكد أن أعضاء هذه الحركة هم النتاج النموذجي لتربية واسعة النطاق، وأنهم يمثلون نخبة تلك الحضارة.
ولتأكيد ما ذهب إليه يخرج الشريط الصور عن سياقها، حيث لا يأخذ في الاعتبار الظروف السياسية الخاصة ولا المعنى الثقافي لإشارات وتعابير معينة.
وفي النهاية يطرح الشريط أن هذه الحضارة نازية، ويستعيد التحالف الذي كان بين مفتي القدس الذي يجعل منه ممثلا لكل المسلمين مع الرايخ النازي، في خروج تام للقصة عن سياقها، حيث يجعله تحالفا من أجل إبادة اليهود وليس من أجل تحرير فلسطين البريطانية في هذا الوقت.
منذ الدقائق الأولى، تقذف في وجه المشاهد صور لعمليات اعتداء حصلت في مناطق مختلفة من العالم خلال العشر سنوات الأخيرة، مع تصريح للرئيس بوش بلهجة مهيبة بأن الأمر يتعلق بعمل حربي. وتعرض مواقع الاعتداءات على خريطة بشكل يوحي بأن ما حدث في 11 سبتمبر 2001 بنيويورك ليس عملا معزولا، وإنما هو معركة من المعارك التي يخوضها "التطرف الإسلامي".
وبالتالي لا يتساءل المشاهد المشدوه بهذه الصور الدامية عن صحة ما إذا كانت كل هذه الجرائم تعود إلى سبب واحد؛ ذلك السبب الذي درج علماء الاجتماع على تسميته بـ "نظرية المؤامرة".
وهنا يقول الكاتب: "أنا متردد بعض الشيء في استعمال هذه العبارة لكثرة ما أسيئ استعمالها منذ ست سنوات، عندما اعتمدت لتأنيب كل من شكك - وأنا منهم - في الأطروحة الحكومية حول أحداث الحادي عشر من سبتمبر... ومهما كان الأمر فإن الأمر هنا يتعلق بـ (نظرية المؤامرة) بكل ما في الكلمة من معنى، فمؤلفو الشريط يخلطون مثلا بين اعتداء ميترو سان ميشيل métro Saint-Michel (الذي غالبا ما ينسب إلى زمرة تابعة للحكومة الجزائرية) عام 1996، واعتداءات تايلاند التي حدثت عام 2006 (والتي تبناها انفصاليو إقليم باتاني). وينسبون كل هذه الاعتداءات إلى فاعل واحد هو (التطرف الإسلامي)".
ولإحداث مزيد من الحنق، تبين الترجمة المكتوبة، اليوم الذي حدث فيه كل اعتداء: الثلاثاء بنيويورك، الخميس بمدريد، الخميس كذلك بلندن، الجمعة ببسلان، وكأن هذه الاعتداءات حصلت في أسبوع واحد في حين أنها تمت على امتداد عقد من الزمن.
بين تقنيات الصوت والصورة
ويستخدم الشريط تعليقات بعض المحللين. حيث ترى كارولين جليك Caroline Glick خبيرة العلوم السياسية والعاملة في لجان التفكير التابعة للمحافظين الجدد، بأنه لا يجب التمييز بين كفاح الفلسطينيين والعراقيين، فكلهم بالنسبة إليها يشاركون في الجهاد الشامل.
غير أن الترجمة المكتوبة تتجنب الإشارة إلى أن هذه الخبيرة سبق أن عملت في قسم العمليات النفسية التابع للجيش الإسرائيلي، كما أنها كانت مستشارة للوزير الأول الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وهذه المعلومة كفيلة بأن تنبه المشاهد إلى الهدف من وراء حديث هذه الخبيرة، والذي هو: "إذا كان الفلسطينيون وغيرهم يشاركون في جهاد شامل، فمعنى هذا أنهم لا يكافحون من أجل استرجاع حقوقهم، وبالتالي لا شيء يمكن التفاوض حوله معهم".
أما الصحفي الفلسطيني "خالد توامة"، فيؤكد أن كل هذه الأحداث تمثل جزءا من "حملة جهادية للإطاحة بالغرب وتقويض الأسس المسيحية واليهودية". غير أن الترجمة المكتوبة تتجنب ذكر أن خالد توامة يعمل صحفيا في صحيفة المحافظين الجدد "الجيروزاليم بوست The Jerusalem Post."
ويشير الأستاذ روبرت ويسترتش Robert Wistricht رئيس مركز ساسون Sasson إلى أن جانبا من الإسلام يعترض على ركن أساسي في الحضارة الإنسانية المتمثل في "قدسية الحياة".
ثم يظهر حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله اللبناني وهو يثني على الذين قُتلوا في سبيل عقيدتهم. غير أن "توضيب" الشريط يشوه تصريح نصر الله، لأن معظم الديانات - كما هو الشأن بالنسبة للعديد من الأيديولوجيات الوضعية - تمجد الشهادة (أي التضحية بالنفس)، وهذا لا يعني أنها تحتقر الحياة، بل إنها تمنح الحياة معنى. وتنسى الترجمة المكتوبة الإشارة إلى أن مركز ساسون Sasson يهتم بالدراسات المتصلة بمعاداة السامية، وأن روبرت ويسترتش يعمل مستشارا لوزارة الخارجية الإسرائيلية.
ويحرص الراوي في الشريط على التأكيد أن هذا العمل الوثائقي ليس موجها ضد المسلمين كلهم؛ غير أن هذه الإشارة تفقد كل مصداقية عند مطالعة العبارات المستعملة من قبيل: إذا وجد إسلام متطرف فسيكون مقابل إسلام معتدل؛ وإذا كان الإسلام المتطرف يعبر عن نفسه من خلال درجة عالية من العنف، التي هي الإرهاب، فلأن الإسلام المعتدل يحمل في طياته درجة أقل من العنف، ألا وهي الكراهية.
وهكذا يتساءل الراوي، مع خلفية تظهر صورا للحج في مكة، عن نسبة المسلمين الذين سبق أن تحولوا من الكراهية إلى التطرف. ويجيب مباشرة: من 10 % إلى 15 %، وهو ما يعادل، كما قيل، ساكني الولايات المتحدة (وإن كانت أبسط عملية حسابية كفيلة بتكذيب هذه المغالطة، حيث إنه بالنسبة لـ 1,2 مليار مسلم ستتراوح النسبة بين 120 و180 مليون نسمة، في حين يقدر عدد سكان الولايات المتحدة بأكثر من 300 مليون نسمة). لكن الغاية من هذا الخلط هو إثبات أن القوة الهائلة للولايات المتحدة لا تفزع أمام مجموعات جد صغيرة، بل عليها أن تواجه خصما في حجمها؛ وهذا ما من شأنه أن يطمئننا.
الإسلام هو رأس الحربة
بعد ذلك يعرض الشريط "ثقافة الجهاد" كما يلي: "يعتقد المسلمون خطأ أن الولايات المتحدة تريد الهيمنة على العالم وفرض نموذج حياتها. وشعورا منهم بالتهديد، يرد المسلمون بالسعي بدورهم إلى السيطرة على العالم وفرض نموذج حياتهم، المتمثل في الإسلام".
هذا الاستدلال يجعل المشاهد يقيس خطأ الآخرين بحقيقته هو. وفي هذا السياق، يفكر بطريقة تمنح الامتياز الفئة التي ينتمي إليها، ويفسر كل ما يقدم له من مقولات دون اعتبار للظروف الثقافية.
وفي الحقيقة، كما يقول ميسان، يعادل الجهاد ما يسميه المسيحيون "واجب الدولة"، وهو نوع من الزهد وشيء يجب على المؤمن أن يقوم به حيثما وجد (وحسب وضعيته). وعندما يؤدي هذا الواجب يقوم بتغييره في نفس الوقت. والجهاد يشمل الصدقة على الفقراء مثلما يشمل الدفاع عن الوطن شريطة أن يكون فعل ذلك تقربا من الله. إن هذا التضليل يشعر المشاهد الذي يعيش في مجتمع استهلاكي بأن ثقافة التضحية التي تمكن الفرد من التسامي على نفسه هي ثقافة للعدمية والدمار والتدمير الذاتي.
ويعرض الفيلم الوثائقي للترجمة الألمانية لعبارة "جهادي" وهي "ماين كامف Mein Kampf" في إشارة إلى كتاب "كفاحي" لأدولف هتلر. ومباشرة يدخل إشارة إلى معاداة النازية السامية، ثم يظهر مقطعا من خطبة يدعو فيها شيخ متحمس يمسك سيفا بيده إلى قطع رءوس اليهود مع ابتهاج واضح للمصلين المتعصبين. وهكذا يصاب المشاهد بالهلع حيث يقع ضحية عملية "توضيب" مغرضة.
ويرد الشريط هذه الترجمة إلى "وليد صويبات" الذي يعتبره إرهابيا من منظمة التحرير الفلسطينية بالرغم من أن "صويبات" لم يشارك قط فيما نفذته منظمة التحرير الفلسطينية من عمليات، وقد يكون محكوما عليه بالإعدام في الولايات المتحدة حيث يعيش طليقا، هذا إضافة إلى كونه ليس بمسلم بل مسيحي صهيوني. أما الشيخ المتحمس فهو أحد العلماء، كان يخطب في مسجد ببغداد قبل الغزو البريطاني الأمريكي بشهر واحد، ولم يكن يدعو إلى قتل اليهود، بل إلى مقاومة الغزاة الصهاينة.
ويركز الشريط الوثائقي على "ثقافة الكراهية" بإظهار صور لجموع بشرية تهتف "الموت لأمريكا!". ويذهب إلى أن الولايات المتحدة لم تكن على صواب عندما تساءلت بعد عمليات 11 سبتمبر عن سبب كراهية العرب لها؛ لأن هذه الكراهية لا علاقة لها بموقف الولايات المتحدة وإنما زرعت في العرب من خلال ما تلقوه من تربية.
ومع انعدام أية قرينة تثبت هذا الادعاء، يتدخل العديد من المتكلمين ليِؤكدوا أن الدكتاتوريين العرب هم الذين يتعهدون ثقافة الكراهية هذه حتى يصرفوا غضب شعوبهم عن وجهته الحقيقية. وكدليل على ذلك يعرض شريط فيديو لحسن نصر الله يفضح فيه مسئولية الولايات المتحدة عن المصائب التي تلم بالشرق الأدنى.
وتتسلسل الصور بشكل سريع لدرجة لا تترك للمشاهد الوقت ليتعرف على الدولة التي يمكن لزعيم المعارضة اللبنانية أن يكون حاكما مستبدا لها.
وتبرز "الكراهية الإسلامية" من خلال مشاهد الابتهاج في القدس وكاراتشي عقب اعتداءات 11 سبتمبر. غير أن الفيديو الذي تم تصويره في القدس يوم 11 سبتمبر لم يكن يتعلق إلا بعشرين مستثارا تقريبا، والذين لا يمثلون إلا أنفسهم. أما تظاهرة كاراتشي فلم تكن ابتهاجا بتحطيم برجي منهاتن، وإنما للتنديد بالهجوم على أفغانستان.
وغالبا ما تظهر صور لأمريكيين قتلوا في كمائن بالعراق (2004) والصومال (1991) والذين تم سحلهم من طرف الجماهير. وهنا كذلك تعرض الصور خارج سياقها وكأن الأمر يتعلق بجرائم مجانية وليس بتدخل الولايات المتحدة في هذه الدول.
ويتناول الشريط "تسرب الإسلام المتطرف إلى الغرب". غير أن الخطاب هنا يتسم بمكر واضح كما يتضح من هذا الكلام: "إن القيم الإسلامية قد تختلف عن قيم (الغرب)؛ وإن المسلمين المعتدلين قد يكونون قادرين على الاندماج بتبنيهم تدريجيا القيم الغربية، في حين يستعصي استيعاب المسلمين المتطرفين الذين قد يحاولون إسقاط المؤسسات الغربية".
إن تقديم الأمور بهذا الشكل يتجنب اتهام كل المسلمين، إلا أنه لا يدخر جهدا لجعلهم جميعا محط شبهة، وخاصة أن المسلمين يعتمدون خطابا مزدوجا يختلف باختلاف المخاطب، فما يقولونه للجمهور الغربي غير ما يقولونه لبعضهم البعض. ولدعم هذه الازدواجية تتعاقب صور لياسر عرفات تظهره تارة يتحدث عن السلام في البيت الأبيض، وتارة ينادي بالجهاد في فلسطين. ولا اعتبار لعلمانية ياسر عرفات ما دام كلامه صالحا للاستدلال على هذه الازدواجية.
أما أشرطة فيديو أبو حمزة المصري، فتقدم كشاهد على وجود متعصبين في الغرب. فنرى خطيب فنسبوري بارك Finsbury Park الشهير والضالعين معه، وهم يحتفلون باعتداءات 11 سبتمبر، ويدعون إلى قتل غير المسلمين. والذي يتولى التعليق على هذه المشاهد هو "غلين جينفي Glenn Jenvey" الذي تم تسريبه إلى مجموعة أبو حمزة المصري، بينما لا تتم الإشارة إلى كون أبي حمزة يقضي عقوبة بالسجن بتهمة التحريض على الكراهية العرقية وأن جماعته لا تتعدى بعض البلهاء. بل على العكس يوحي "التوضيب" السينمائي بأنه جد نشط وله من الأتباع العدد الوفير، كأنه يمثل خطرا داهما.
إن هؤلاء المسلمين المتشددين منتشرون في كل مكان. والدليل يأتي على لسان "برجيت جابرييل Brigitte Gabriel" الصحفية المناهضة للاستقامة السياسية المحاصرة لحرية التعبير، والتي تؤكد أن حركة حماس قد أنشأت منظمة إرهابية كبيرة في الولايات المتحدة. والوضع أكثر خطورة في أوروبا حيث تتكاثر الأقلية المسلمة بسرعة واضحة. ولقد انتفضت هذه الأقلية بفرنسا في نوفمبر 2005 للتعبير عن رفضها للقيم الغربية.
ولا يشير الشريط طبعا إلى أن "برجيت جابرييل" كانت عميلة للقوات الإسرائيلية، وقد فرت من لبنان مسقط رأسها، عند انسحاب الإسرائيليين من جنوب لبنان.
حضارة نازية
وتُظهر صور من الأرشيف مستشار هتلر وهو يدعو إلى تنحية العنصر اليهودي من أوروبا. ويظهر المؤرخ سير مارتان جلبير Sir Martin Gilbert وهو يشجب سياسة التهدئة في مواجهة الرايخ النازي واتفاقيات ميونيخ، التي أطالت بسعيها إلى الحفاظ على السلام مدى الحرب وجعلتها أكثر فظاعة.
وعلى نفس المنوال، يقال لنا إن التقليل من الخطر الإسلامي في الوقت الذي ثبت فيه عزم الجهاديين على القضاء على اليهود، حماقة قد تؤدي إلى مواجهة شاملة. ثم يأتي العجوز ألفونس هيك Alfons Heck، وهو مواطن أمريكي من أصل ألماني، ليتحدث عن طفولته عندما كان في الشبيبة الهتلرية، ليقارن ما كان ضحية له من تجنيد بما يتعرض له الشباب المسلم الآن، وكأن التاريخ يعيد نفسه.
ولإضفاء نوع من المصداقية على هذه المقارنة، يخلط "التوضيب" بين الخطاب النازي المعادي للسامية والخطاب العربي والفارسي المناهض لإسرائيل، كما يعمل على توالي صور لشباب عرب مقاتلين وصور لشباب هتلريين، والجميع يقدم التحية الرومانية. وهكذا يربط مباشرة المشاهد غير المطلع على الثقافة المتوسطية، فكل يؤدي القسم بطقوس نازية.
ويشرح جون لوفتوس John Loftus المدعي الذي قاد حملة ملاحقة المجرمين النازيين في الولايات المتحدة، بلهجة العالم المطلع، أن الثقافة الإسلامية لا تعتبر اليهود بشرا وتعلم أبناءها أن الله يأمر بقتلهم.
ويشير إتمار ماركوس Itamar Marcus مدير أحد المراكز التي تحلل الإعلام الفلسطيني، إلى أن الدعاية الإسلامية تحل محل مقولات تافهة من القرون الوسطى تتهم اليهود بشرب دم أطفال مسيحيين. وهكذا يصور مسلسل "الشتات" أسطورة "شعيرة التضحية"، مما يوحي بأنها متصلة بالأيديولوجيا اليهودية.
ويتابع الشريط الوثائقي مشيرا إلى الحكم المسبق الذي يجعل من اليهود المتحكم الحقيقي في الولايات المتحدة، في مقارنة مع نظرية المؤامرة اليهودية العالمية التي طورها النازيون. والصدمة التي تحدثها الصور قوية لدرجة لا ينتبه معها المشاهد إلى أن الكلام يهدف منذ بداية الشريط إلى فضح مؤامرة إسلامية عالمية خيالية. ثم يعود العديد من المتدخلين للمقارنة التاريخية للتذكير بأن مفتي القدس (الذي كان وقتها زعيما للقومية الفلسطينية) قد تحالف مع أدولف هتلر سنة 1941 للقضاء على اليهود، وأنشأ فرقة عسكرية إسلامية شبيهة بوحدات النخبة النازية س س SS.
وهنا كذلك تتوالى الصور لإقناع المرتاب، حيث تتجنب الخوض في تعقيدات تلك المرحلة التاريخية لتنطلق من فرضية مغلوطة تقول بأن "القضية اليهودية" كانت رهان الحرب العالمية الثانية. والمأخذ الذي يسجله الشريط على الفلسطينيين يمكن أن ينطبق على كل الشعوب المستعمرة من طرف الإمبراطورية البريطانية التي حاولت التحالف مع الرايخ للحصول على حريتها.
وهكذا إذا كان الماهاتما غاندي، في الحالة الهندية، لم يتمكن من الذهاب إلى ألمانيا، فإنه كتب إلى أدولف هتلر طالبا منه المساعدة، في حين شكل شاندرا بوسي Chandra Bose فيلقا هنديا على غرار الوحدات النازية الخاصة. وبعد هذا تظهر صور لنازيين ينتهكون حرمة معابد يهودية وصور لتدنيس كنائس في البوسنة ونيجيريا والعراق وصور لامتهان معابد هندوسية في إندونيسيا؛ وكلها اعتداءات تنسب لمسلمين، بما فيها حرق صليب أمام الجماهير في لندن.
فماذا يريد إذن هؤلاء المسلمون؟ يأتي الجواب من جون لوفتوس بقوله: "إنهم يريدون بكل بساطة قتل اليهود وإسقاط الديمقراطية وتدمير الحضارة الغربية".
وينتهي الشريط برسالة أمل مصحوبة بموسيقى مسلية بعد هذه الصور الفظيعة. فمثلما قاد روزفلت الحرب ضد النازية، يجب على الولايات المتحدة أن تقف في وجه الفاشية الإسلامية بالاعتماد على المسلمين المعتدلين. فأخطر شيء في مواجهة الشر أن لا نفعل شيئا.
صحفي وكاتب فرنسي، مدير شبكة فولتير Voltaire الفرنسية للأخبار والبحوث والدراسات.
*دراسة نشرت على شبكة فولتير Voltaire الفرنسية، تحت عنوان: "هوس المؤامرة الإسلامية العالمية"، يوم 26 يونيو 2007. ويمكن مشاهدة الفيلم الوثائقي على هذا الرابط.
|