English

 

الاثنين. سبتمبر. 17, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » شئون عربية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

بوش قبل الرحيل.. تهدئة إقليمية أم استعدادات حربية؟

نبيل شبيب

Image
هل يوقد بوش نار حرب
أخرى قبل رحيله؟..
يظهر وضع الرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش الابن متطابقا إلى حدّ بعيد مع ما يوصف عادة بحالة "الذئب الجريح"، وهو وضع من أخطر ما يعرفه تاريخ الحروب العدوانية عالميا، قديما وحديثا، لا سيما إذا اجتمع شرطان، كما هو الحال في وضع بوش الابن، أوّلهما أنّ الجرح من صنع تهوّر عسكري وسياسي سابق، فهذا ما يضاعف الرغبة الذاتية الملحة أو حتى المَرَضية في إثبات "عدم الوقوع في خطأ!" من قبل، مع الاستعداد للمغامرة والمخاطرة الأكبر من بعد. والشرط الثاني أن يكون "الذئب الجريح" في ذات الموقع الذي يمكّنه من تكرار المحاولة العدوانية، كما هو الحال مع بوش الابن حتى موعد نهاية ولايته في مطلع عام 2009م.

الإنجاز أمنية بعيدة

لم يبق أمام بوش الابن بعد أن تساقطت أجنحة المحافظين الجدد في إدارته السياسية سوى بضعة عشر شهرًا في منصب الرئاسة، وواضح أنّ جميع مطامحه الكبرى بسيطرة الهيمنة الأمريكية عالميًّا قد اضمحلّت وتلاشت، فلم يتمكن من تحقيق إنجاز حقيقي كبير واحد بالمنظور الأمريكي، ليُنسب إليه بعد انتهاء عهده، سواء فيما أعلنه بتبجّح كبير عن حروب استباقية وشاملة بحجة مكافحة الإرهاب، أو فيما كان يحرّكه هو ومساعدوه من أجل إحكام السيطرة على منابع النفط الخام وطرق شحنه ما بين الخليج وبحر قزوين ومرتفعات أفغانستان وتخوم البلقان، ناهيك عن تحطيمه "دوليا" لحجر الأساس الذي وضعه أبوه من قبل لنظام عالمي جديد يكون للولايات المتحدة الأمريكية فيه موقع الزعامة الانفرادية بلا منازع.

إذا كان مصير "شخص" بوش الابن وما سيؤول إليه في كتب التاريخ لا يهمّ أحدا فيما يتجاوز حدود الدراسات التاريخية، فواضح للعيان أنّه يهمّه هو وقد اقترب موعد نهاية وجوده في مفصل صناعة القرار الأمريكي والدولي. ومن العسير القول بوجود تفسير آخر لمحاولاته الأخيرة أن يصنع شيئا ما، أيّ شيء، يمكن تسويقه كإنجاز لرئيس دولة كبرى، يحكم فيها ويؤثّر من خلالها على كثير من قضايا العالم على امتداد ثمانية أعوام.

وقد أهمل بوش الابن قضايا داخلية في الولايات المتحدة الأمريكية، بدءًا بالإصلاحات الصحية والضرائبية التي كانت محور الحديث في عهد سلفه كلينتون، مرورًا بتخفيف مفعول ظاهرة الفقر الآخذة بالانتشار، كما لم تعرف الولايات المتحدة الأمريكية من قبل، انتهاء بازدياد معالم ضعف الاقتصاد الأمريكي عالميَّا.

ويدرك بوش الابن على ما يبدو أنّه لن يستطيع أن يعوّض ذلك في عامه الأخير، فيركّز بحثه عن "إنجاز ما" على ميادين السياسة الخارجية، التي سبق أن حوّلها إلى سياسة نشر "الفوضى الهدّامة"، لا سيما في المنطقة الإسلامية.

الخراب صنعة متقنة

في السؤال عن الإنجاز أو عن الخراب، لا نقف في ميدان السياسة الدولية الظاهر للعيان، والذي كان قبيل وصول بوش الابن إلى الرئاسة أقرب إلى وجود بذور زعامة انفرادية أمريكية محتملة، واقترب الآن مع اقتراب نهاية عهده من ظهور بذور تجدّد حرب باردة أو ساخنة على مستوى أقطاب الشمال بصيغ وتقاطعات جديدة!..

كذلك لا نقف بالأمثلة والشواهد والأرقام -وهي متوافرة- عند ظاهرةٍ أشبه بالموجات المتعاقبة، من علامات اهتراء قسط كبير من دعامات الاقتصاد الأمريكي والنقد الأمريكي وأسواق المال الأمريكية، لا سيما ما اعتمد حتى الآن على عناصر "الهيمنة والاستغلال" خارج نطاق الحدود الأمريكية والقدرات الذاتية"!..

إنّما السؤال هنا: هل يوجد ميدان واحد ركّز عليه بوش الابن جهوده وسياساته بصورة استعراضية متبجّحة، وحقّق فيه بالفعل -بمقياس منظوره والمنظور الأمريكي أو الغربي عموما- "نجاحا" يستحقّ الذكر، ليغطّي على حجم "الخراب" الذي سبّبه؟!..

دعمه المطلق للدولة الإسرائيلية المزروعة بفلسطين والمنطقة، حتى بات الاندماج "الصهيو - أمريكي" في عهده في منتهى ما يمكن أن يصل إليه "عقديا وسياسيا وعسكريا"، أوصل في حصيلته المشروع الصهيوني نفسه إلى مرحلة مفصلية تنذر بنهايته بعد مرحلة ترنّحه خلال العقدين الماضيين.

وقضية فلسطين التي أراد بوش الابن أن تشهد في عهده استكمال السيطرة الصهيونية على فلسطين بكاملها تحت عناوين أوسلو وخارطة الطريق أسفرت عن تبدّل الأوضاع الفلسطينية في الاتجاه المعاكس لسائر أهدافه والأهداف الصهيونية.

حربه على الإرهاب مكّنت الإرهاب الذي يعنيه (ومعروف أنّه يقصد أيضا المقاومة المشروعة للاحتلال الأجنبي) من تثبيت أقدامه وتوسيع ميادين انتشاره أضعافا مضاعفة.

احتلال أفغانستان الذي حوّل جزءًا من مهمّته إلى حلف شمال الأطلسي أوصل الحلف معه إلى أكبر أزمة داخلية ودولية في تاريخه على امتداد بضعٍ وخمسين عاما مضت.

احتلال العراق لم يسفر بعد حرب وحشية ضارية مستمرة منذ أكثر من أربعة أعوام عن استقرار الاحتلال ولا حتى عن استقرار حكومة تابعة لقوّة الاحتلال ليمكن ترك الأمور لها بعد انسحاب عسكري بات محتما آجلا أو عاجلا.

الحملة الدعائية التي جمّلتها واشنطون ونمّقتها بشعارات شرق أوسط كبير وجديد وبدعاوى الديمقراطية والإصلاح من الخارج تبخّرت نهائيا، فلم يبق منها جانب إيجابي ولا سلبي.

سياسة التبجّح في قيادة الدول الحليفة القديمة والجديدة في أوروبا وسواها، أوصلت في نهاية المطاف إلى تخلّي أوثق حلفائه عنه في الساحة العراقية نفسها.

حملاته المتتالية ضدّ إيران وملفّها النووي وضدّ سوريا ودورها الإقليمي، أوصلت البلدين -وفق المنظور الأمريكي- إلى وضع أخطر على المطامع الأمريكية في المنطقة من أي وقت مضى.

تهدئة فوق الألغام

إنّ أرضية الخراب والفوضى هي التي تنطلق منها تحرّكات السياسة الأمريكية الراهنة سواء أعطيت عنوان إنقاذ ما يمكن إنقاذه من هيبة أمريكية ضائعة، أو أعطيت عنوان تحقيق إنجاز ما يحمله بوش الابن معه إلى كتب التاريخ، على أنّ من يصنع الخراب عشوائيا لا يمكن أن يبني على الأنقاض صرحا مستقرا، وهذا في مقدّمة ما يميّز ما بدأ يظهر من معالم لمحاولات السنة الأخيرة في عهد بوش الابن.

أوّل هذه المعالم في باكستان التي جرّتها عسكرة الهيمنة الأمريكية وسياسات التبعية من جانب مشرف إلى حضيض الفوضى الهدّامة، وظهر أنّ الفوضى لن تسفر كما كانت ترغب وزيرة الخارجية الأمريكية عن إيجاد أوضاع بديلة لصالح الهيمنة الأمريكية، بما في ذلك العثور على قاسم مشترك ما بين مشرف وكرزاي في أفغانستان المجاورة، فلجأ الأول إلى أوراق أمريكية قديمة، وفتح باب التحالف مع بناظير بوتو وحزبها، أي مع الخصم السياسي الرئيسي في البلاد بعد التيار الإسلامي، على أمل دعم ما تزعزع من السيطرة على السلطة في بلده. ومن فضل القول تأكيد أنّ مشرف لا يتحرّك منذ انقلابه العسكري دون "إيعاز" أمريكي أو "موافقة" أمريكية، وقد يبدو التحالف الجديد مدخلا إلى مرحلة تهدئة، أو هذا ما يراد أن يُعطى له من صبغة سياسية، على أنّ الورقة الثانية في هذا التحالف ليست "جديدة"، بل سبق أن احترقت سياسيا وشعبيا، ولن تساهم في أكثر من تأخير خروج باكستان من محنتها السياسية والأمنية، وقد تؤدّي إلى تفاقم المحنة من جهة، وإلى ازدياد حدّة الاحتقان الشعبي والاحتقان الأمني إلى درجة الانفجار من جهة أخرى، ممّا يهدّد المصلحة الباكستانية بالخطر -ولهذا أهميته الكبرى ولكنه ليس محور الحديث هنا- إنّما لن تؤدّي خطوة التهدئة بتحالف داخلي جديد مع حزب قديم، إلى تثبيت قدم الهيمنة الأمريكية بعد ترنّحها الظاهر للعيان.

وثاني معالم التهدئة في أفغانستان نفسها، وهذا ما يدلّ عليه آخر تصريحات الرئيس الأفغاني الموالي للاحتلال الأمريكي أيضا أنّه يرغب في التفاوض مع طالبان، مع ربط رغبته هذه بشرط واهٍ أن يوجد على مستوى طالبان من يمثّلها ويتحدّث باسمها في المفاوضات، ولا يخفى أن كرزاي أيضا لا يتحرّك دون إيعاز أمريكي، ولكنّه لا يملك هو أيضا صنع ما يبدّل مسار الأحداث على أرض الواقع، وهنا تواكب محاولة التهدئة سياسيا خروجَ الأوضاع عن السيطرة العسكرية الأمريكية والأطلسية على السواء، ومن المؤكّد أن زعماء طالبان لن يضعوا لمفاوضات يقترحها كرزاي شروطا "واهية"، ففي مقدّمة ما يطالبون به إنهاء الاحتلال ليكون التفاوض بين الأفغان والأفغان خارج مظلة أعداء أفغانستان.

وثالث هذه المعالم في العراق وما شهد من محاولات جديدة لرأب الصدع بين بعض أطراف الطيف السياسي المتعدّد الألوان، ومحاولة إيجاد مدخل لفريق من الزعماء السنيين تخصيصًا بعد أن استهدفهم الاحتلال الأمريكي من اللحظة الأولى للحرب بدعوى القضاء على أنصار النظام العراقي في عهد البعث العراقي وصدام حسين، ولكنّ الاحتلال الذي اصطنع للعراق زعامات أخرى على ظهر دباباته وبدعمه الدموي في السنوات الماضية، أوجد في العراق مراكز قوى جديدة، لا سيما تلك المرتبطة بإيران، ولن يمكن كبح جماحها -في فترةٍ تشهد زعزعة أقدام الاحتلال- لانتزاع ما سبق أن حصلت عليه من خلال الارتباط بالاحتلال نفسه.

ولا يمكن لسائر ما سبق أن يساهم إسهاما حقيقيا في تهدئة المنطقة على المستوى الإقليمي لا القطري فقط، فقد أوصلتها عسكرة الهيمنة إلى حافة الانفجارات المتعدّدة في أكثر من قطر عربي وإسلامي، وإلى مستوى النزاعات العلنية والعودة إلى سياسات المحاور العتيقة، كما أوصلت قضية فلسطين إلى مرحلة "التصفية" بحل مصطنع يراد فرضه بالإكراه، بعد أن ثبت أن مسلسل الإرهاب الصهيو - أمريكي المكثف لم يوصل إلى إخضاع الإرادة الشعبية لتشارك بصورة من الصور في حل التصفية على حساب الأرض والمقدسات وحق تقرير المصير.

إنّ مسلسل بناء تحالفات ومحاور جديدة في المنطقة، ومواكبته بالإعلان عن مؤتمر سلامٍ هيولي يحيط به ضباب أشدّ كثافة ممّا أحاط بمشاريع سابقة كخارطة الطريق، لم يعد صالحا للوصول إلى مرحلة سياسية جديدة كتلك التي اصطنعها مؤتمر مدريد قبل بضعة عشرة عاما، ولم توصل إلاّ إلى مزيد من ترسيخ أسباب الاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي ومزيد من الممارسات العدوانية في أرض فلسطين ولبنان.

حرب جديدة؟..

صورة التهدئة العامة هي الغالبة وليست شاملة، ولكنها -وإن اكتملت- لا توصل إلى "إنجاز" يبحث الرئيس الأمريكي عنه قبل انتهاء ولايته، وهذا أحد أسباب انتشار التساؤلات عمّا يُحبك وراء ستار، بما في ذلك احتمال إطلاق حرب عدوانية جديدة من عقالها.

توجد مؤشرات تقليدية عامّة قياسًا على ما كان في الماضي القريب من مقدّمات سبقت اندلاع الحروب العدوانية، ومن ذلك ازدياد حدّة الحملات على التيّار الإسلامي في بلدان أقرب سياسيا إلى واشنطون، وكانت هذه على الدوام ظاهرة ثابتة ومتكرّرة في مرحلة الإعداد لحروب سابقة، وسيّان هنا هل يدلّ ما يجري على وجود اتفاقات ضمنية أو غير ضمنية من وراء ستار أم تأتي الحملات نتيجة "توافق" ما بين الاستبداد المحلي والاستبداد الدولي في مرحلة معينة. الحصيلة واحدة، ومن جوانبها ما يشمل عملية "شَغْل" التيار الإسلامي بنفسه على المستويات القطرية، دفاعا عن أصل وجوده أو عن مواقع ومكتسبات سابقة، واستغراقا في معارك جانبية تُفتح من حوله، ابتداء من ابتكار تشريعات تقنينية جديدة لتفريغ الانتخابات من مغزاها، مرورا بعمليات الاعتقال العشوائي والمحاكم الباطلة والمزيد من التضييق على الحقوق والحريات، انتهاء بإثارة ألوان الفتن المذهبية والطائفية والحزبية وغيرها، ولا حاجة هنا إلى أمثلة وشواهد فهي مشهودة ومعروفة في المرحلة الراهنة.

على أنّ الدلائل الأخرى في اتجاه حرب محتملة قد بدأت تزداد وضوحا وتواترا وكثافة بشكل ملحوظ، وليس مجهولا أنّ الجهة المستهدفة واحدة أو أكثر من حلقات ما يوصف بتحالف رباعي يجمع إيران وسوريا والمقاومة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية.

الحرب في مستوى استنزاف حماس في غزة قائمة على كلّ حال، وباتت احتمالات تصعيدها في شكل "اجتياح" أو غارات جوية واغتيالات مكثفة مطروحة علنا، ويزداد ترجيح احتمال الحرب على ضوء "علنيّة" ممارسة أطراف فلسطينية للتنسيق مع "العدوّ المشترك" والتصعيد مع "الخصم الفلسطيني"، إضافة إلى ما يمكن وصفه بجسّ نبض "الشارع" عربيا وإسلاميا ودوليا، أي استمرار الحصار فيما يشبه "حرب القتل البطيء"، دون صدور أيّ تحرّك عربي وإسلامي لإنهائه، ودون اندلاع "احتجاجات شعبية جماهيرية" أو حتى "نخبوية مشتركة ومركّزة" لمحاولة ردع المسئولين عن جريمة الحصار، وبات الأرجح أن الإعداد لحرب عدوانية جديدة على هذه الجبهة وصل مرحلة انتظار التوقيت المناسب أو تحديده، وهذا ما يؤكّده أيضا ما يوصف عادة بالخطوات التمهيدية للحرب، مثل ممارسة استفزازات يمكن تحويلها في أيّ وقت إلى ذريعة لتسويغ هجمات عسكرية، على ضوء ردود الفعل عليها.

كذلك الحرب على المقاومة اللبنانية التي يمثلها تنظيم "حزب الله" وعلى المتحالفين لبنانيا معه، لم تنقطع منذ الحرب العدوانية الإسرائيلية عام 2006م، وتتوافر هنا أيضا عناصر لا تختلف إلا في المسميات والإخراج وبعض التفاصيل عمّا يجري على الجبهة الفلسطينية.

وليس من المستبعد أن يقترن أي تحرّك منفرد أو متزامن على الجبهتين الفلسطينية واللبنانية بخطوات عسكرية عدوانية أخرى لقطع طرف الدعم الخارجي من جانب أي طرف من الأطراف، لا سيّما سوريا وإيران، ومن هنا أيضا يبدو أنّ السؤال لم يعد في صيغة "هل؟.." بل "متى وكيف؟.." بمنظور المنطق العدواني، لا سيما من حيث استهداف أيّ عمليات عسكرية حربية، أمريكية إسرائيلية، لجبهة أو أكثر في وقت واحد من الجبهات الأربع.

هنا أيضا تظهر سلسلة من الخطوات التي توصف بالتمهيدية لحرب عدوانية ضدّ سوريا أو إيران أو ضدّ البلدين معا، مثل لعبة التمويه على مستويات عليا من حيث وجود نيّة الحرب أو استبعادها، وهو ما تكرّر بصدد سوريا، جنبا إلى جنب مع اتهامات قابلة للتحويل إلى "ذريعة عملية عسكرية"، وتصدر عن جهات سياسية حينا، وإعلامية أخرى، مع تثبيتها حينا ونفيها حينا آخر، بشأن "دعم الإرهاب" في العراق (وهذا ما بات يشمل في اللغة السياسية المبتكرة أمريكيا والمتداوَلة عربيا دعم مقاومة مشروعة لاحتلال غير مشروع!!).. أو بشأن تسلّح متطوّر جديد (وهو ما بات المسئولون في بلادنا يتعاملون معه كما يريد الطرف العدو، أي كأنّه تهمة وليس حقا دوليا ثابتا ومشروعا!!).. إضافة إلى ما يوصف بجسّ النبض عسكريا، كما كان مع العملية الجوية الإسرائيلية الأخيرة في الشمال السوري والتي أحيطت بالغموض من الجانبين.

ويتوافق مع هذه المؤشرات "إطالة" أمد الأزمة السياسية السورية الحالية مع بلدان عربية رئيسية كالسعودية ومصر، على الرغم من أنّها قابلة في الأصل لحلّ سريع على ضوء حالات سابقة أكبر من الحالة الراهنة شأنا ومضمونا.

وتكتمل الحلقة بخطوات تمهيدية ومؤشرات مشابهة على الجبهة الإيرانية، فعلاوة على ما أصبح "تقليديا" وثُبّت دوليا وعلى مستوى الرأي العام، من "اتهام" إيران بالسعي لامتلاك سلاح "يملكه سواها" على المستوى الدولي والإقليمي، وعلاوة على تصعيد حجم المواجهة الإقليمية من خلال الرجوع إلى سياسات "المحاور والأحلاف" العتيقة، لا يخفى ما سبق اتخاذه من استعدادات "الحشد العسكري" البحري والجوي، والتي تسبق عادة هجوما عدوانيا كبيرا، إضافة إلى تحرّكات عسكرية داخل الحدود العراقية، بدأت تتوالى بشكل ملحوظ، وقد لا تُسلّط الأضواء عليها إلا قليلا، مثل الحديث عن انسحاب بريطاني من البصرة، وعدم التركيز على اقترانه بإنشاء قاعدة عسكرية بريطانية ضخمة على مقربة من الحدود الإيرانية، وحديث رسمي أمريكي عن انسحاب عسكري جزئي من العراق، جنبا إلى جنب مع حديث جانبي عن إقامة قواعد عسكرية أمريكية في العراق، وتخصيصا على الحدود مع إيران وسوريا.

مخطط بدأ تنفيذه؟!

ويتوافق مع هذه المؤشرات أن الإقرار بالخطأ الجسيم في الحرب العدوانية على العراق، من جانب بعض الدول الغربية، و"تجريم" تلك الحرب من جانب المعارضة داخل تلك الدول وفي الدول المشاركة مباشرة في العدوان، لا يقترن بموقف مماثل عند الحديث عن "حرب" عدوانية محتملة ضدّ إيران أو سوريا أو المقاومة الفلسطينية واللبنانية، بل على النقيض من ذلك، يكاد الموقف السياسي من جانب "المعارضين للحرب الراهنة" يغلب عليه التأييد العلني (أو التسويغ والتعليل في أهون الحالات) لاتخاذ خطوة عسكرية "وقائية أو استباقية رادعة" تجاه ما يوصف أحيانا بمحور الممانعة، أي "البقية" الباقية من مظاهر المقاومة الرسمية للهيمنة الأجنبية في المنطقة العربية والإسلامية.

وإذا صحّ التصوّر المطروح عن مخطط عدواني جديد، فالأرجح أنّه وصل إلى مرحلة تمهيدية أولى للتنفيذ، وأن يكون التوقيت في أعقاب ما سمّي "مؤتمر سلام" جديد لقضية فلسطين، بل قد يأتي بديلا عنه إذا ما أخفق مشروع المؤتمر من قبل انعقاده.

إنّما يبقى السؤال مفتوحًا ما إذا كانت أي حرب عدوانية جديدة قابلة لتحقيق أهدافها، عسكريا وسياسيا في المنطقة نفسها، أو حتى في إطار المنطق الإجرامي العدواني الذي بدأ الحديث بالتنويه به، وهو رغبة رئيس أمريكي ألاّ يرحل عن السلطة قبل تحقيق "إنجاز" عدواني، يضعه في كتب التاريخ في مكان لائق به مع من سبقوه في حروب استعمارية مباشرة في أمريكا الوسطى والجنوبية، وأسلافه الأقربين في محطات عسكرية عدوانية عديدة ما بين الحرب الإجرامية في فيتنام والحرب الإجرامية في أفغانستان والعراق.


كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات