English

 

الأحد. سبتمبر. 9, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » المغرب

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

الحزب رقم 34.. الفائز الحقيقي باقتراع المغرب!

إدريس الكنبوري

Image
بعض مراكز الاقتراع بدت خاوية
شهدت تشريعيات المغرب يوم الجمعة الماضي أدنى نسبة مشاركة في الاقتراع في كل المحطات الانتخابية التي شهدتها البلاد منذ العام 1963؛ إذ لم تتجاوز هذه النسبة 37% حسب التصريحات الرسمية لوزير الداخلية شكيب بنموسى، أي ما يعادل نحو 5 ملايين ناخب من بين أزيد من 15 مليون مسجل في القوائم الانتخابية، وبما يعني أيضا أن 63% من القوة التصويتية، أي ما يقرب من الثلثين أعطوا ظهرهم لصناديق الاقتراع، فشكلوا أغلبية لم تحققها مجتمعة الأحزاب الـ33 التي تنافست في الانتخابات.

وكانت التقديرات الأولية للمراقبين والمتتبعين قد توقعت ضعف نسبة المشاركة خلال يوم الاقتراع، بل إن استطلاعا غير معلن لوزارة الداخلية تسرب للأوساط الصحفية توقع أن يصوت واحد من كل 5 مغاربة في اقتراع 7 سبتمبر، فيما اتسمت الحملة الانتخابية ببرود واضح وقلة تجاوب الناخبين مع مهرجانات وتجمعات الأحزاب السياسية.

كما كثر الحديث مسبقا عن التأثير المحتمل للدخول المدرسي ولاقتراب شهر رمضان المبارك، لكن أكثر المتفائلين لم يترددوا في الحديث عن نسبة أكبر من 37%؛ لكون الدولة هذه المرة أعلنت في أكثر من مناسبة وعلى أكثر من صعيد عن إرادة سياسية صريحة في ضمان نزاهة وشفافية الاقتراع والحيلولة دون إفساد العملية الانتخابية وضمان انتقال هادئ ومضمون في المسلسل الديمقراطي بالبلاد.

جهود بلا طائل

والمفارقة أن هذه الانتخابات التي شهدت أدنى نسبة مشاركة في تاريخ المغرب، وهي الثانية من نوعها في عهد الملك محمد السادس، أحيطت بالكثير من الاهتمام من قبل الدولة ومختلف الفاعلين السياسيين قبل فترة طويلة من إجرائها، فقد أرادت الدولة أن تجعل منها محطة أفضل بكثير من انتخابات 2002 التي كانت الأولى التي تجرى في ظل حكم الملك الحالي، وشهدت نسبة مشاركة تمثلت في 52%، وهي نسبة ضعيفة مقارنة بالتي قبلها، أي انتخابات 1997 التي بلغت 58%.

وعملت الدولة أيضا على تشجيع ودعم ظهور جمعية مدنية تطلق على نفسها "جمعية 2007 دابا" (2007 الآن) لتشجيع الشباب على المشاركة ومحاربة العزوف السياسي، وقامت تلك الجمعية التي رأسها شخص مقرب من القصر هو نور الدين عيوش بتنظيم لقاءات بين الأحزاب السياسية والمواطنين في عدد من المدن لفك الاشتباك بين الطرفين ودعم تيار المشاركة.

وصرح رئيس الجمعية قبل أشهر من الانتخابات لأسبوعية "لونوفيل أوبسرفاتور" الفرنسية أنه يسدي المشورة للملك محمد السادس بخصوص قضايا الانتخابات والعملية السياسية، وكان هدف الدولة هو أن تجعل من انتخابات 2007 أفضل من سابقاتها، أي أن تتجاوز نسبة المشاركة فيها ما تحقق في تلك الانتخابات، وهي نسبة 52%؛ لإعطاء الانطباع بأن المغرب يتغير، وأن مسلسل التحديث والانفتاح السياسي الذي انتهجته الدولة على صعيد حقوق الإنسان والحريات العامة يوازيه اهتمام شعبي كبير بالعملية السياسية.

وبحسب العديد من المراقبين فإن الدولة أرادت من هذه التجربة الانتخابية أن تؤكد أن اصطلاح "العهد الجديد" الذي أطلق على مرحلة حكم الملك محمد السادس منذ العام 1999 أصبح واقعا فعليا؛ لذا قيل إن انتخابات 2002 لم تعكس طبيعة العهد الجديد حقيقة؛ لكونها جرت ضمن الأطر القانونية والمناخ السياسي لـ"حكومة التناوب" التي أشرفت على تنظيمها، وهي نفسها كانت إحدى تركات الملك الراحل الحسن الثاني.

وقد تميز هذا "العهد الجديد" بعدة تحولات في البلاد شملت على سبيل المثال إطلاق سجناء العهد السابق وتعويضهم عن سنوات اعتقالهم التعسفي وإنشاء "هيئة الإنصاف والمصالحة" التي عهد إليها بتصفية إرث ما يسمى بـ"سنوات الرصاص" من بداية حكم الحسن الثاني حتى العام 1999، ووضع قانون جديد للأسرة والإعلان عن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وبقي أن تسجل الانتخابات أوسع التفاف ممكن حول الاختيارات السياسية للدولة لإشراك الناخبين في العملية السياسية برمتها.

المعضلة الكبرى

غير أن إعلان وزير الداخلية عن مشاركة نحو 5 ملايين ناخب فقط من أصل أكثر من 15 مليون مسجل في القوائم الانتخابية كشف عن أن داء العزوف السياسي العضال لا يزال جزءا من التركيبة السياسة في المغرب ولم يتم استئصال جذوره بعد.. وهي الجذور المعروفة للقاصي والداني وتكرر الحديث عنها، وفي مقدمتها غياب ثقة الناخبين بجدية ونزاهة القائمين على العمل العام وبفعالية النظام السياسي ككل وتمتعه بصلاحيات تنفيذية قوية.

ويعني أيضا أن 10 ملايين ناخب ظلوا خارج مكاتب التصويت يوم الجمعة 7-9-2007 ولم يكلفوا أنفسهم عناء إلقاء ورقة التصويت الفريدة في الصناديق، كما يعني أيضا أن رهانات جمعية "2007 دابا" لم تتحقق بالتمام والكمال، طالما أن نسبة المشاركة كانت أقل من تلك التي سجلت في الانتخابات الأخيرة والتي جرت من دون أي جمعية معنية بتشجيع المشاركة، على الرغم من الدعم المالي واللوجيستي الذي منح لتلك الجمعية من أجل رفع نسبة المشاركة إلى الأعلى.

وأول ملاحظة تسترعي الانتباه هي أن الناخبين الشباب كانوا الأكثر مقاطعة، علما بأن نسبة الذين تتراوح أعمارهم ما ين 25 و35 سنة من المسجلين في القوائم الانتخابية تتجاوز 45%، حسب أرقام وزارة الداخلية. وقد تلقت هذه الفئة من الجامعيين والمعطلين أقوى الضربات من الحكومة الحالية، خاصة مع الفضيحة الشهيرة التي أصبحت تسمى بـ"فضيحة النجاة"، عندما أعلنت وزارة التشغيل على عهد عباس الفاسي، زعيم حزب الاستقلال، عن توظيف عشرات الآلاف من الشاب في إحدى الشركات الإماراتية، مقابل رسوم عالية للتسجيل بلغت 3 آلاف دولار للشخص الواحد، ليتبين بعد ذلك أن الحلم لم يكن حقيقة، دون أن يسترجع هؤلاء الشباب أموالهم التي دفعوها سلفا لقاء عملهم في الشركة الإماراتية الوهمية.

وقد خلفت تلك الفضيحة زوبعة سياسية كبيرة وتشكلت جمعية للدفاع عن الضحايا، وشهدت اهتماما إعلاميا أكبر بإقدام أحد هؤلاء الضحايا على وضع حد لحياته نتيجة المشكلات العائلية والاجتماعية التي نشأت له من جرائها.. والأهم من ذلك كله أنها كرست للفعاليات السياسية المغربية تذمر فئة الشباب من فئة السياسيين وانعدام ثقتها فيهم فكانت إعلانا مبكرا عن عزم الشباب جعل يوم 7 سبتمبر يوما للعزوف وليس يوما للاقتراع.

الأمر نفسه كرسته في الأعوام الماضية مشاهد اعتصامات الشباب العاطلين المتكررة أمام مقر البرلمان بالرباط لدى الرأي العام المغربي؛ فقد أعطت انطباعا عن عدم جدية الحكومة في التعاطي مع قضية البطالة التي تعتبر الشغل الشاغل للعوائل المغربية؛ وهو ما زاد الطين بلة وعمق الشعور بعدم الثقة.

أما تدني مستوى المشاركة في مناطق الريف المعروفة تقليديا بعلاقاتها الباردة مع الدولة منذ الاستقلال؛ فهو يرجع إلى التهميش الذي طال سكانها خلال العقود الماضية، والذي يحاول الملك الحالي رفعه بشكل تدريجي، وبجانب سيطرة أباطرة تهريب المخدرات الذين يحرصون على ربح أي معركة انتخابية، وقد تزامنت الانتخابات الأخيرة مع نشر قائمة بأسماء بعض هؤلاء ممن تصدروا لوائح المرشحين، وضعتها "جمعية الريف لحقوق الإنسان" في مدينة "الناظور".

خصوصية صحراوية

وخلافا للمشهد الطاغي على موقف الناخبين من صناديق الاقتراع، شهدت المناطق والمحافظات الصحراوية، موضوع النزاع بين المغرب وجبهة البوليساريو، أوسع نسبة مشاركة.

وتعزى النسبة المرتفعة في المحافظات الصحراوية إلى اهتمام السكان بمن يسير أمورهم في هذه المرحلة الدقيقة؛ لكون ولاية البرلمان المقبل يحتمل أن تشهد الاتفاق حول الحكم الذاتي في الصحراء الذي يجري تفاوض عليه بين الرباط وجبهة البوليساريو برعاية الأمم المتحدة من أجل الشروع في تنفيذه، ومن ضمن ما يطرحه ذلك المشروع الذي اقترحه المغرب إمكانية تحول جبهة البوليساريو إلى حزب سياسي في الصحراء يمكن أن يتولى تسيير الحكم الذاتي في حال حصوله على الغالبية في الانتخابات التي تجرى لبرلمان المنطقة في إطار سيادة مغربية.

غير أن هذا الرقم الذي قدمته وزارة الداخلية يمكن النظر إليه من زاوية مختلفة أيضا؛ إذ يمكن القول بأنه يظهر درجة من الشفافية باتت الدولة تتحلى بها في التعاطي مع قضية الانتخابات، وأن عهد تزوير نسب المشاركة ونتائج الاقتراع قد ولّى إلى غير رجعة مع رحيل الوزير القوي الأسبق إدريس البصري -قبل أيام قليلة من انطلاق الاقتراع- وهو الذي كانت نسبة المشاركة في عهده تتجاوز 70%، أي أن الدولة أصبحت مستعدة للنظر في المرآة بدون أي مساحيق لمواجهة الحقيقة.

وتظل الصورة إجمالا تحمل إخفاقا للفاعلين السياسيين ومؤشرا قويا على عمق الأزمة السياسي في المغرب..

فإذا كانت هذه الانتخابات قد شهدت مشاركة 33 حزبا سياسيا، وهو عدد كبير، فإن هذه الأحزاب مجتمعة وعلى اختلاف أطيافها، لم تحصل إلا على أصوات قرابة ثلث المسجلين في القوائم الانتخابية، في حين عجزت عن استقطاب الغالبية التي ظلت خارج المربع الانتخابي، وهذا يعني أن الحزب الرابع والثلاثين، حزب الغالبية الصامتة، فرض بصمته إرادته على المسرح السياسي المغربي، فخرج فائزا من الاقتراع بدون تحضير مسبق أو مهرجانات خطابية أو توزيع منشورات سياسية أو تشكيل جمعيات مدنية تحرض على المقاطعة.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات