|
| جورج بوش |
لا يمكن وصف الزيارة "الثالثة" التي قام بها الرئيس الأمريكي بوش للعراق في 4 سبتمبر الجاري 2007 إلا أنها زيارة "إنقاذ ما يمكن إنقاذه"، ومحاولة أخيرة لوقف انهيار قوات الاحتلال في العراق وضبط الصفوف في مواجهة المقاومة، خصوصا في أعقاب الصفعة البريطانية المفاجئة بالانسحاب من قصر ومدينة البصرة كخطوة ما قبل الأخيرة للانسحاب الكامل من العراق، واستعدادًا لتقييم الكونجرس -الذي يهاجم بوش ليل نهار- لتقييم "إستراتيجية العراق".
إرهاصات انسحاب عسكري
فالأمر لا يحتاج لعناء كبير لتأكيد أن زيارة بوش العاجلة للعراق جاءت لتلافي الآثار السلبية للانسحاب البريطاني المفاجئ من البصرة والذي جاء تفاديا للخسائر البشرية المتزايدة نتيجة استمرار هطول القذائف على مقر هذه القوات هناك، خصوصًا أن الآثار النفسية لهذا الانسحاب أبلغ أثرًا على القوات الأمريكية هناك؛ وهو ما أدى لسجال من تراشق اللوم بين الأمريكان والبريطانيين، كما أن الانسحاب البريطاني سوف يقوّي موقف ديمقراطيي الكونجرس المطالبين بجدول انسحاب عاجل من العراق.
بعبارة أخرى ذهب بوش للملمة ما تبعثر من هيبة القوات المحتلة هناك، والسعي لتثبيت ما يسمى إستراتيجية جديدة للعراق، التي أقرها بوش في فبراير الماضي، مع التركيز على عناصر أخرى أبرزها التعاون مع سنة العراق، من العشائر المتعاونين مع الاحتلال، على أمل أن يوقفوا هم خطر القاعدة ويرشدوا المقاومة العراقية السنية، خصوصًا أنه لم يبق سوى أسبوع تقريبًا على التقرير الرسمي الذي سيرفعه البيت الأبيض إلى الكونجرس بحلول 15 سبتمبر، لإقناعه بالاستمرار في تمويل الحرب في العراق بعد أربع سنوات ونصف السنة على اجتياح العراق.
قد يفسر هذا ضمنا حرص الرئيس بوش على الهبوط بطائرته في قاعدة الأسد بمحافظة الأنبار معقل السنة وتنظيم القاعدة ولقائه بعشائر الأنبار ووصفهم بالأبطال؛ لأنهم تصدوا للقاعدة، والاستجابة لمطالبهم والدعوة لمزيد من تسليح السنة بصرف النظر عن معارضة حكومة المالكي، وقد يفسره أيضا قول بوش -ضمن حديثه الأول عن نوع من انسحاب بعض القوات قريبا- إن "خفض قواتنا في العراق سيكون من موقع قوة ونجاح وليس بدافع الخوف أو الإخفاق"، في تعريضٍ واضح بالقوات البريطانية، ومحاولة لإثبات أن قواته لا تواجه هزيمة منكرة، برغم تأكيد "ذي إندبندنت" أنه لا البريطانيون ولا الأمريكيون سينسحبون من العراق بشرف، وأن محاولات أي من الطرفين لإلقاء اللوم على الآخر ستبوء بالفشل"!.
وقد ألمح زعماء عشائر وأحزاب سنية -مثل سليم عبد الله الناطق باسم جبهة التوافق السنية- لهذا الهدف من وراء زيارة بوش العاجلة وهو تلافي آثار الانسحاب البريطاني والحوار مع سنة العراق، عندما قالوا: "إن الوضع السياسي العراقي في مرحلة حرجة، وهناك ضغوطات تواجه القوات الأمريكية وبالخصوص بعد انسحاب القوات البريطانية من البصرة"، وإن بوش حرص على تبيان أسباب انسحاب جبهة التوافق من الحكومة وهل بالإمكان الاستجابة لمطالب السنة.
رسائل للكونجرس والبريطانيين!
أيضا كشف رئيس "مجلس إنقاذ الأنبار" ستار أبو ريشة، بعد لقاء الرئيس جورج بوش مع عدد من زعماء العشائر المنضوين في المجلس، أن بوش استجاب لمطالب العشائر بشأن إطلاق المعتقلين الأبرياء في السجون الأمريكية والعراقية، وتعويض المتضررين من الأعمال العسكرية، وأنه طلب إليه تعميم "التجربة الناجحة" لعشائر الأنبار في حفظ الأمن على المحافظات الأخرى، أما الأهم فهو تلميح بوش للمرة الأولى بإمكانية خفض القوات الأمريكية -التي رهنها بتحسن الأوضاع الأمنية كما هو الحال في محافظة الأنبار- المعقل السابق للميليشيات السنية دون تحديد الإطار الزمني.
ومن الواضح أن كل هذه "رسائل" استهدف بوش أن يبعث بها من الأنبار تحديدا –معقل المقاومة الذي دخله سرًّا بالليل- للكونجرس قبل جلسة 15 سبتمبر الجاري ليقول لهم إن الخطة الأمريكية تسير بشكل جيد وإنها ناجحة وإن موعد انسحاب القوات الأمريكية أصبح قريبا نتيجة هذا النجاح المزعوم، وإن انسحاب القوات البريطانية ليس له أي تأثير ضار، وهي رسالة أخرى سعى بوش لإرسالها للبريطانيين.
فهي زيارة دعائية -برغم نفي البيت الأبيض- قبيل التقييم الذي سيرفعه قائد القوات الأمريكية بالعراق الجنرال ديفيد بتريوس إلى الكونجرس الأسبوع المقبل حول مدى نجاح إستراتيجيته الراهنة هناك خاصة في ظل دعوات المعارضة الديمقراطية في الكونجرس لوضع جدول زمني لسحب القوات الأمريكية، وفي الوقت نفسه محاولة أخيرة لرأب الصدع في العراق (سياسيًّا): عبر إقناع السنة بالعودة لمقاعد الحكومة التي استقالوا منها، والضغط
على المالكي، و(عسكريًّا) بتعزيز التحالف مع العشائر السنية لضبط الأوضاع في المدن السنية وإعادة تقييم الوضع كي يسهل سحب القوات الأمريكية المتورطة هناك.
وربما لهذا قال جيف موريل الناطق باسم البنتاجون: إن زيارة بوش فرصة "لآخر لقاء كبير لمستشاري الرئيس العسكريين والقادة العراقيين قبل أن يقرر الرئيس الإجراءات اللاحقة" التي ستتخذ بشأن العراق، في إشارة إلى مستقبل القوات الأمريكية هناك.
وبموجب إستراتيجية بوش الجديدة تمكن الرئيس الأمريكي من تعزيز القوات الأمريكية في العراق بنحو 26 ألف جندي على أمل التمكن من تحسين الوضع الأمني خصوصا في العاصمة بغداد، وقاد عدة عمليات شرسة لمحاربة المقاومة النشطة خصوصا في المناطق السنية، فضلا عن التضييق لأول مرة على الميليشيات الشيعية التابعة لمقتدى الصدر التي تشكو منها حكومة المالكي والسنة على السواء؛ وهو ما دفع الصدر لتجميد نشاطها.
ويزعم الأمريكيون -كما يقول روبرت جيتس وزير الدفاع- أن الأمن تحسن بشكل عام ليس فقط في الأنبار بل في مناطق أخرى من العراق نتيجة زيادة عدد القوات الأمريكية، ولكنهم يعترفون "أن عملا شاقا لا يزال أمامنا في بعض المناطق"، خصوصا أن زيارة بوش جاءت بعد ساعات على انسحاب 500 جندي بريطاني من آخر قاعدة لهم (القصر الرئاسي) في مدينة البصرة إلى مطار البصرة الواقع على مسافة نحو 25 كم من وسط المدينة.
الصفعة البريطانية تعيد السجال
ولا شك أن الصفعة البريطانية وإصرار رئيس الوزراء الجديد براون على الانسحاب من العراق بوتيرة أسرع من أمريكا بعد مقتل 159 جنديا بريطانيا حتى الآن، كان هو السر الأكبر لزيارة بوش للعراق، ربما لتهدئة آثار الغبار السياسي الذي نتج عن انسحاب هذه القوات، خصوصا أن هذا الانسحاب أدى ولا يزال لتراشق أمريكي بريطاني؛ لأنه -وفق الجارديان- سلط الضوء على التوجه الإستراتيجي المتناقض بين واشنطن ولندن منذ تسلم جوردن براون رئاسة الحكومة البريطانية.
وقد حرص البريطانيون والأمريكان على تأكيد أن انسحاب 500 جندي من مقرهم بالبصرة للقاعدة الجوية كان أمرًا مقررًا منذ إعلان رئيس الحكومة السابق توني بلير في فبراير الماضي أن عدد القوات البريطانية سيخفض إلى 5000 بعد نقل السلطات الأمنية في القصر الرئاسي في البصرة إلى السلطات العراقية، كما حرص رئيس الحكومة البريطانية جوردن براون على تأكيد أن انسحاب القوات البريطانية من قصر البصرة يأتي في إطار عملية "مخطط لها ومنظمة" وليس هزيمة، ولكن لا يمنع هذا من القول إن الانسحاب أزعج الأمريكيين بشدة وسيزيد الأعباء على كاهلهم بالفعل في العراق لأنه ببساطة نسف فكرة ما يسمى "قوات التحالف".
وقد ظهر هذا الخلاف حينما كتب قائد الجيش البريطاني لدى بدء التدخل العسكري في العراق الجنرال مايك جاكسون يقول -في سيرة ذاتية بعنوان "سولدجير" (جندي) وفق ما نشرت صحيفة "ديلي تلغراف"- إن السياسة الأمريكية في العراق "في إفلاس فكري". وهو نفس ما قاله الجنرال المتقاعد تيم كروس، وآخرون؛ وهو ما أزعج الأمريكيين بشدة.
ومع أن ما يقوله البريطانيون عن فشل الاحتلال الأمريكي في العراق هو نفس ما يرصده الأمريكيون، فالتقييم يختلف بين الطرفين، ويعيب الأمريكيون الرسميون على البريطانيين أن انسحابهم "الرمزي" أظهر الأمر وكأن التحالف يواجه هزيمة في العراق.
فغداة الزيارة المفاجئة التي قام بها الرئيس الأمريكي جورج بوش إلى العراق خلص تقرير لهيئة أمريكية لمراقبة العمل الحكومي إلى أن حكومة بغداد لم تحقق 11 هدفا من 18 حددها الكونجرس الأمريكي لتقييم مدى التقدم العسكري والسياسي في هذا البلد.
وجاء في تقرير مكتب محاسبة الحكومة (جي إيه أو)، وهو هيئة مستقلة مكلفة بتدقيق الحسابات من قبل الكونجرس، "أن الحكومة العراقية حققت ثلاثة (أهداف)، وأربعة أخرى جزئيا و(لم تحقق) قطعا الأهداف الـ11 الأخرى" من أصل 18.
فقوانين أساسية لم توضع (البرلمان العراقي بدأ مناقشتها) والعنف ما زال مرتفعا، وليس من الواضح إن كانت الحكومة العراقية ستنفق عشرة مليارات دولار من الأموال المخصصة لإعادة الإعمار"، وهو ما دعا المراقب العام لـ "جي إيه أو" ديفيد ووكر للقول -في أثناء جلسة مساءلة أمام لجنة الشئون الخارجية في مجلس الشيوخ لمعرفة ما إذا كانت حكومة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي قد فشلت- "أعتقد أنه يمكن القول إنها تعمل بشكل سيئ".
وما ينبغي لفت الأنظار إليه هو أن الإدارة الأمريكية لم تهاجم البريطانيين لانسحابهم، أو يظهر بوش غضبًا متزايدًا على براون رئيس الوزراء وعلى العكس جرى التقليل من شأن الانسحاب الذي حل محله لواء أمريكي، وذلك لأن تصعيد الخلاف ليس لصالح بوش في العراق في نهاية المطاف، وسيلقي مزيدًا من الأضواء على الورطة الأمريكية هناك ويضعف موقف بوش أمام الكونجرس.
أيا كان الأمر فالثابت أن زيارة بوش العاجلة للعراق استهدفت استباق جلسة الكونجرس المقبلة التي ستبحث مصير القوات الأمريكية هناك وتمويلها، وذلك عبر سلسلة خطوات أبرزها السعي لإنهاء الخلافات الداخلية بين العراقيين السنة والشيعة داخل الحكومة، وتعزيز روابط العشائر السنية التي تخفف الضغط عن القوات الأمريكية، وترتيب أوضاع القوات هناك بعد الانسحاب البريطاني بما يسمح بسحب بعضها ترضيه للكونجرس وحملة الهجوم على بوش.
وربما لهذا قال الجنرال بترايوس في مقابلة مع شبكة التلفزة الأمريكية إيه بي سي إنه قد يوصي ببدء انسحاب للقوات الأمريكية من العراق في مارس 2008!!.
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|