|
| شعارات بعض الأحزاب المغربية |
على أبواب الانتخابات التشريعية المغربية، والتي ستجرى بعد أيام قلائل في السابع من سبتمبر 2007م، تتباين مواقف الأحزاب السياسية المغربية من قضايا الإصلاح الديني في برامجها الانتخابية، فبعض الأحزاب يغيب عن برامجها الحديث عن الدين وشئونه غيابا تاما، وأحزابا أخرى تورد في برامجها قضايا الإصلاح الديني بصورة تعميمية، تميل أكثر إلى كونها "ديكورا" انتخابيا، بينما تنظر أحزابا أخرى إلى قضايا الإصلاح الديني بنفس المنظور الذي تراه الجهات الرسمية، فتظهر معالجتها لهذه القضايا في برامجها كأنها "نسخة منقحة ومزيدة" للإصلاح الرسمي للحقل الديني.
وفيما يلي سنتناول قضايا الإصلاح الديني في البرامج الانتخابية لأهم الأحزاب المغربية:
الإسلاميون والإصلاح الديني
يمثل حضور الدين لدى الأحزاب السياسية المشاركة تحت اليافطة الإسلامية حيزا مهما؛ لاعتباره مقوما أساسيا لدى أعضائها، وإن حالت القوانين المغربية من التعبير عنه بشكل صريح والاكتفاء بأنها أحزاب سياسية ذات مرجعية إسلامية. ويمكن رصد هذا الحضور فيما يلي:
حزب العدالة والتنمية:
يوضح البرنامج الانتخابي للحزب أن "النهوض بدور وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، ورفع فعالية المؤسسات الدينية" يمر عبر عدد من إجراءات يتمثل بعضها في:
* تفعيل دور الوعظ والإرشاد والخطابة، والانتقال التدريجي بالقيمين الدينيين إلى الوظيفة العمومية.
* تأهيل وإدماج 4000 خطيب وواعظ بمعدل 500 سنويا، وإحداث "ماستر" في كل قطب جامعي للوعظ والإرشاد الديني ضمن مسالك الدراسات الإسلامية.
* العمل على رفع نسبة مشاهدة قناة السادسة، وتطوير قناة محمد السادس للقرآن الكريم نحو مزيد من المهنية والجودة.
* تطوير الأوقاف وتنميتها من خلال إحداث وكالة وطنية تحت إشراف وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، تعمل على التدبير المندمج والشفاف للأملاك الوقفية، على أن يمثل المجلس الأعلى العلمي والرابطة المحمدية للعلماء في المجلس الإداري للوكالة.
* النهوض بـ"القيم والأخلاق والعقيدة" بوضع "خريطة للقيم الأخلاقية الأساسية لنهضة الأمة، والعمل على ترسيخها بكل الوسائل، مع العمل في الوقت ذاته على وضع خريطة للقيم الأخلاقية السيئة الأساسية التي تعوق نهضة الأمة، والعمل على مقاومتها بكل الوسائل، وتجديد الإيمان بالمعتقدات الصحيحة، وتصحيح المعتقدات الفاسدة.
* جعل حفظ القرآن الكريم من موجبات استحقاق العفو عن السجناء، بطريق يتناسب فيها الحفظ مع درجة الإعفاء من العقوبة.
* نشر ثقافة الوسطية والاعتدال، ومحاورة الفكر المتشدد في جميع القضايا الكلية والجزئية، وإحياء فكرة الجامعة الصيفية لمحاورة شباب الصحوة الإسلامية.
* بناء المساجد والعناية بها وبالتعليم العتيق.
* إحداث مؤسسات وطنية مستقلة للزكاة، وأخرى للوقف لتعزيز الميزانية العامة للدولة.
* العمل من أجل تنويع المنتجات المالية البديلة، إضافة إلى فتح بنوك إسلامية.
واللافت للنظر أن الشأن الديني في برنامج الحزب يحظى بحيز وافر؛ نتيجة لمشاركته البرلمانية السابقة. وهو ما يجعل كثيرا من بنوده مجرد "نسخة منقحة" للإصلاح الرسمي، مع بعض التعديلات فيما يخص تخفيف عقوبات السجناء بقدر حفظهم للقرآن، وتعزيز القيم الصالحة.
حزب البديل الحضاري:
يمثل الدين الإسلامي والمذهب السني المالكي أحد المنطلقات المؤسسة للرؤية السياسية لحزب البديل الحضاري، ويعتبرهما الحزب وسيلة للدفاع عن الهوية الحضارية وإعادة الاعتبار إلى المدخل الفكري والمعرفي للحياة السياسية وتخليقها.
ويعتبر حزب البديل الحضاري أن من أهم مهامه المساهمة في العملية الفكرية الثقافية التي تستهدف إشاعة التنوير والتجديد الفكري، وإدخال الأمة العربية والإسلامية عصر أنوار عربي- إسلامي، يكون فيه الإسلام منطلقا لإبداع حداثة مبدعة وديمقراطية مستوعبة.
ويؤكد البرنامج "النضالي" للحزب أنه: إذا كان إصلاح المجال الديني أمرا مطلوبا - خاصة في شقيه الفكري والإداري - فإن الهدف الذي يجب أن يظل رهن أعيننا من هذا الإصلاح هو تحقيق الأمن الروحي للمواطنين، وذلك من خلال:
* تحرير المجال الديني من أي توظيف سياسي.
* تطوير الاجتهاد وتحقيق التنوير والتحرير.
* قطع الطريق على الغلو والتطرف.
* التحرر من هيمنة التقليد والاستلاب.
ورغم إشارة برنامج الحزب إلى الإصلاح الديني، إلا أن الآليات المقترحة تسقط في التعميم، ولا تقترح بدائل محددة تتجاوز مواطن الضعف والقصور.
الإصلاح الديني في برامج اليساريين
على الرغم مما قد يتبادر إلى الذهن من أول وهلة بإمكانية تهميش الأحزاب اليسارية للإصلاح الديني، إلا أن كثيرا منها نصت برامجها على: "تقوية منظومة القيم الوطنية، وتعزيز الهوية الحضارية الإسلامية للمغرب، ودعم التسامح الديني مع الفكر الكوني"، باستثناء حزب التقدم والاشتراكية، الذي غيب الحديث عن الموضوع تماما؛ نظرا لمرجعيته الشيوعية.
وفيما يلي حضور الشأن الديني لدى الأحزاب الرئيسية لهذا الاتجاه السياسي:
تحالف (الطليعة الديمقراطي - المؤتمر الوطني - الاشتراكي الموحد):
ينص برنامج تحالف (الطليعة الديمقراطي - المؤتمر الوطني - الاشتراكي الموحد) على "إشاعة قيم العقلانية والتنوير، والحق في الاختلاف، كمكتسبات للمسيرة الحضارية للبشرية، وتنمية روح التسامح الديني، ومحاربة التعصب والطائفية البغيضة بكل أشكالها".
ويقترح التحالف لإصلاح الشأن الديني ثلاث توجهات كبرى:
* إصلاح الشأن الديني وجعله ينفتح على القيم الكونية.
* تنمية روح التسامح الديني، ومحاربة التعصب بكل أشكاله.
* إحياء الجانب التنويري والعقلاني في الدين الإسلامي.
ويلاحظ أن النصوص التي استخدمها برنامج التحالف مثل: الانفتاح على القيم الكونية، والتسامح والتنويرية، فيها نوع من الذكاء في إدراج عنصر الإصلاح ضمن البرنامج، مع ترك هامش لقراءتها وفق توجهه السياسي والفكري.
حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية:
ينطلق حزب الاتحاد الاشتراكي من توجه اشتراكي ديمقراطي يساير الخصوصيات المغربية؛ لذا فقد حافظ في برنامجه الانتخابي على حضور الدين، ودعا إلى تحديثه وفق منطلقات منها:
* القيم المشرقة للإسلام، التي تشكل القوة الأخلاقية المؤطرة لمفهوم المواطنة وبناء المجتمع الديمقراطي الحداثي المنفتح.
* إمارة المؤمنين، لكونها تمثل إحدى ركائز الشرعية الدينية للمغرب، بكيفية تضمن للبلاد استقلاليتها، إذ توحد بين الدين والدولة في الوقت الذي تفصل بين الدين والسياسة.
* مطالبة المؤتمر السابع للحزب بإصلاح الشأن الديني، وإعادة هيكلة الحقل الديني في سياق مقاربة مندمجة، تبعد كل التوجهات الغريبة عن تاريخنا وكل توظيف للدين لمحاربة الديمقراطية والحداثة.
* التمسك بالإسلام السني على المذهب المالكي.
* رفض إقحام الدين في التنافس السياسي؛ نظرا لما يكتنف ذلك من مخاطر، ولتناقضه مع مقتضيات الدستور وواقع البلاد كمجتمع إسلامي، وتحصين الدين من كل استغلال سياسي أو مذهبي يمس بوحدة المغرب الروحية.
ولإنجاح الإستراتيجية الوطنية لتحديث الشأن الديني، يقترح الحزب الآليات الآتية:
* تحديث وعقلنة آليات اشتغال المجالس العلمية.
* انفتاح المجلس العلمي الأعلى على المتخصصين في مختلف العلوم الإنسانية والتاريخية؛ لينتظم عمله في تاريخ البلاد ومكتسباتها السياسية والحقوقية والاجتماعية والثقافية.
* إصلاح دار الحديث الحسنية وإصلاح جامعة القرويين.
* تأهيل المدارس العتيقة، وتحديث آلياتها وبرامجها التعليمية.
* تأهيل البرامج التعليمية في المدارس الدينية، وفي مسالك التعليم والبحث بما يحميها من الفكر الإقصائي والمتطرف.
* ضبط توجيه خطباء المساجد والدعاة والأئمة والمرشدين والمرشدات، إلى جانب تطوير الوعظ والإرشاد، اعتمادا على تقنيات التواصل الحديثة المتطورة، بما يستجيب للحاجيات الداخلية في التأطير الديني السليم، ويساعد على نشر الفكر الإسلامي المستنير والعقلاني.
* المضي في تأهيل المساجد، وتكوين الموارد البشرية الضرورية لإنعاش الحياة الروحية للمواطنين، وتحصين الوحدة الروحية للمغرب.
* رد الاعتبار للقيمين على المساجد، وتحسين أوضاعهم المادية والاجتماعية.
* العمل على انخراط إدارة الأوقاف في خدمة أهداف التنمية البشرية، ومحاربة الأمية والفقر.
* الحرص على الاجتهاد الفقهي بما يتلاءم وفقه الواقع.
واللافت أن الحزب من خلال منطلقاته واقتراحاته، يواكب الإصلاح الديني بالمغرب بحيثياته الدقيقة، مما يؤشر على فرضية مفادها: هل الإصلاح الحالي للشأن الديني ينطلق من تصور الوزارة نفسها أم من الحزب؟ أو هو برنامج سياسي لتطويع المسئول الحكومي لتطبيق الإصلاح الديني، لكن وفق التوجه الاشتراكي؟.
حزب التقدم والاشتراكية:
لم يظهر في برنامج حزب التقدم والاشتراكية أي إشارات إلى الإصلاح الديني، وكان هناك تغيب تام للحديث عن الشأن الديني وإصلاحه، وكان تركيز الحزب على المتطلبات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعيش المواطن، في محاولة لتكييف التصور الشيوعي مع البيئة المغربية.
حزب الاستقلال:
تمثل معالجة حزب الاستقلال معالجة وسيطة بين المعالجات السابقة (الإسلامية والاشتراكية)، سمتها الحفاظ على الحضور الديني في البرنامج. ففي المحور السابع من البرنامج الانتخابي للحزب والمتعلق بـ: "إدماج المغرب في مجتمع المعرفة والإعلام"، دعا البند الرابع منه إلى: "التشبث بالهوية الوطنية، وبمبادئ الوسطية والاعتدال، مع الحرص على تأهيل الحقل الديني، ومن ذلك يذكر البرنامج الانتخابي للحزب:
* تشجيع العلماء للقيام بدورهم في الإرشاد والتوجيه، وانخراطهم بفعالية في تيار الإصلاح ومحاربة مظاهر الفساد والانحراف.
* تشجيع الاجتهاد، حتى يكون تأويل النصوص القرآنية والسنية مسايرا للعقل وروح الشريعة وأصولها، متجاوبا مع قضايا العصر.
* السعي لتكون الشريعة والقيم الإسلامية في مكانتها الطبيعية في المجتمع، وتوجيه القنوات والوسائط التربوية في اتجاه تبسيط المفاهيم الإسلامية وفق ما جاء في الكتاب والسنة، بعيدا عن كل غلو أو تشدد.
* إقرار برنامج إعلامي لنشر قواعد الإسلام وقيمه على لسان الضالعين في الدين واللغة والمنفتحين على التطور، وبصفة خاصة في المجتمعات الإسلامية.
* مراجعة مقررات التربية الإسلامية في المدارس بما يخدم الفكر الإسلامي، مع الحرص على قيم الوسطية والاعتدال.
* إحداث معهد للفكر الإسلامي، يضمن تكوينا علميا رفيعا للدعاة، وتفتح أبوابه أمام الطلاب من جميع التخصصات.
ويلاحظ أن هذا الحضور متسم بالعمومية، إذ لم يحدد أي موقف خاص من الإصلاحات الجارية، فهو يدعو إلى مراجعة مقررات التربية الإسلامية، ولكن لا يشير إلى محاولات التقليص من موادها.
كما يعد بإحداث معهد للدعاة، ولا يربطه بمساعي الوزارة لتخريج الأئمة والوعاظ وإعادة تكوين طلبة الشريعة في دار الحديث الحسنية.
ومن جهة ثالثة لم يعط موقفا صريحا حيال انتشار الخمور والتنصير، والتي كان للحزب باع في إثارتهما والنضال لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتوقيفهما بالمغرب باعتباره بلد إسلامي ومحافظ.
** صحفي مغربي
|