|
| ليس "السلام" شارعا باتجاه واحد! |
لا شيء يجبر المرء على الركوع ذليلا مثل الجوع؛ لأن الطعام عبارة عن الحاجة الإنسانية الأولى، وإذا أراد شخص أن يذل شخصا آخر، أو أرادت جهة أن تمتطي أشخاصا أو جهات أخرى فإن التجويع يشكل وصفة جيدة. في المقابل، إذا قرر شخص أن يبقى أبيا عزيزا ذا كبرياء فلا يقبل أن تكون يده اليد السفلى، وإذا شاءت جهة أن تبقي على إرادتها صلبة متكاملة فإنها تأبى أن تترك لقمة خبزها تحت طائلة الآخرين. ولهذا تحرص الدول والشعوب التي تتمتع بالحكمة والحصافة وتتميز بالتخطيط الإستراتيجي على تطوير الزراعة بمختلف أشكالها وألوانها لكي تكفي نفسها. الزراعة هي الحقل الإستراتيجي الأول الذي تصب الدول اهتمامها عليه وفيه؛ لكي لا تبقى أمعاؤها مكشوفة أمام سطوة الغير.
قال سبحانه وتعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك:15]. هذا أمر إلهي بالسعي الذي يؤدي مباشرة إلى إطعام الذات من عرق الجبين. وأكد رسول الله صلى الله عليه وسلم علوّ شأن الاكتفاء الذاتي عندما قال للذين يُطعمون ذاك الناسك المعتكف في المسجد قائما صائما "كلكم خير منه"؛ وعندما قال: "أن يحتطب أحدكم أفضل من أن يسأل الناس".
يتذكر جميعنا الحصار الذي ضربته دول غربية على عدد من الدول العربية، ونتذكر كيف أذل الغرب العراق لأنه لم يكن ينتج ما يكفيه من الغذاء. وربما نعرف جميعا أن الوطن العربي يستورد الآن حوالي 75% من احتياجاته الغذائية على الرغم من الدخل المالي الخيالي الذي يعود علينا، ونعرف أنه إذا قررت دول حجب الغذاء عنا فإن أموالنا ومواردنا الطبيعية لن تغني عنا شيئا. وربما نحن على يقين أن مليارات الدولارات لا تعني شيئا إذا كانت غير قادرة على إيجاد لقمة الخبز. لنا جميعا الآن في فلسطين عبرة، وعلها تنفعنا أجمعين.
تبذير الأموال
لاحظت منذ عشرات السنوات أن الأموال تتدفق على الفلسطينيين، وبالتحديد منظمة التحرير الفلسطينية من جهات عديدة، ولاحظت أيضا أن طرق صرف الأموال لم تكن قويمة ولم تكن تنتهي إلى تعزيز الصمود الفلسطيني والمنعة في وجه الاحتلال. لقد قدم العرب أموالا كثيرة، وحولوا المقاومة الفلسطينية إلى أكثر حركة مقاومة ثراء في تاريخ حركات المقاومة العالمية، لكن الإنفاق لم يكن يتم وفقا للأهداف المعلنة. كانت جهات عربية عديدة بمن فيها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية تعلن بأنه يتم توظيف الأموال لتعزيز الصمود الفلسطيني من خلال تشجيع الإنتاج في الأرض المحتلة/67، وبناء المساكن للعمال والفلاحين، وتحسين البنى التحتية الخدماتية. بعض هذه الأموال تم إنفاقها بالشكل الصحيح فأعفي الطلاب الجامعيون من الأقساط، وحصلت بعض القرى على مخصصات لبناء شبكات مياه وكهرباء؛ لكن أغلب الأموال لم تنفق بوجه حق، ومنها ما كان يتم إنفاقه على نشاطات سياسية واجتماعية وبضائع استهلاكية رخيصة ألحقت أضرارا كبيرة في المجتمع الفلسطيني. بحثت عبر سنوات عن فلاح أو عامل حصل على قرض من 4000 دينار أردني ليبني منزلا بسيطا يئوي عائلته فلم أجد، لكنني ما زلت أرى المنازل الفخمة التي حصل مالكوها على قرض غير مسترد قيمته 7000 دينار أردني.
ما أعنيه أن الأموال التي حصل عليها الفلسطينيون لم تُوظف للإنتاج وإنما "للبعزقة" أو للاستهلاك. جزء يسير جدا صرف على استصلاح أراض أو مساعدة فلاحين وذلك بهدف التغطية، وكان من الواضح أن فكرة تعزيز الإنتاج الفلسطيني لم تكن واردة. هذا واضح مثلا في الصرخات الكثيرة والمتكررة التي كانت تنطلق حول ربط الناس بشبكات الكهرباء الصهيونية، ذلك تحسبا من المستقبل الذي تعمد فيه إسرائيل إلى قطع الكهرباء عن الناس عقابا لهم على مواقف سياسية. لم يكن أحد يسمع. وقد تعالت أيضا صرخات عالية مدوية بشأن مصادر المياه، وتم الطلب بتخصيص أموال لدعم حفر آبار ضخمة لجمع مياه المطر في كل بيت، وإنشاء خزانات حديدية للغرض ذاته، لكن أحدا لم يكن يسمع. كانت منظمة التحرير وأعوانها يستهزءون من كل فكرة تطرح عليهم ويُتفّهونها بالتندر والنكات الحقيرة. لقد ضحكوا كثيرا على فكرة حفر آبار مياه جمع المطر واعتبروها ساذجة، وضحكوا أكثر عندما قيل لهم إن مدينة نابلس وحدها تستطيع جمع ما مقداره 6 ملايين م3 من مياه المطر.
ثقافة التسول والكسل
أدركت منذ البداية أن هذه السياسة ليست اعتباطية ولا هي نابعة عن جهل، وإنما عبارة عن سياسة متعمدة هادفة. قد يخطئ راسم السياسة وصاحب القرار، لكن إصراره على الخطأ يشير بوضوح إلى أنه يتعمد الخطيئة. وقد كتبت كثيرا في الثمانينيات وحذرت الشعب الفلسطيني مرارا وتكرارا مما هو قادم، ولم أجد أمامي سوى الاتهامات بالخيانة والتشكيك بما سمي بالقيادات الثورية للشعب الفلسطيني، وبطعن الثورة بالظهر وما شابه ذلك.
تأكد ما تعرفت عليه عقب اتفاق أوسلو. لقد وضعت القيادة الفلسطينية لقمة خبز الناس وبصورة تامة بيد أعداء الشعب الفلسطيني. وصل الشعب الفلسطيني عام 1991 إلى درجة عالية من الإحباط بحيث أصبح جاهزا لابتلاع كل ما عفّ عن قبوله عبر السنوات الطويلة. قبل بعض شعب فلسطين الاعتراف بإسرائيل وبقرارات مجلس الأمن، ووافق أن يقف حارسا على أبواب مملكة إسرائيل، وقبل الحكم الذاتي، ولم يمانع تأجيل القضايا الحيوية التي تعتبر جوهر القضية الفلسطينية مثل القدس وحق العودة.
تخلت القيادة الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو عن مصادر دعم الفلسطينيين التقليدية وهي بالأساس الدول العربية، ووافقت على تلقي الدعم من الدول المانحة بقيادة الولايات المتحدة؛ وبهذا فتحت القيادة ثغرة كبيرة في المجتمع الفلسطيني من حيث إنها كشفته أمام الضغط المالي الذي يستهدف تحقيق أهداف سياسية. كان من المتوقع، وكما هو الواقع الآن، أن تستعمل الولايات المتحدة الأموال كوسيلة للضغط على الفلسطينيين، وألا تعطيهم إلا بالقدر المتناسب مع قدرتهم على تلبية المطالب السياسية والأمنية الإسرائيلية. هذا ما تم من حيث إن الدول المانحة كانت تقدم الأموال بالتنقيط، ولم تقدم ما يكفي من أجل إحداث تنمية حقيقية تقود إلى رفع مستوى الإنتاج الفلسطيني وتوفير فرص عمل للفلسطينيين.
لم يكن من المتوقع أبدا أن تقدم الدول المانحة أموالا بهدف الاستثمار ووفق ما كانت السلطة الفلسطينية تمني الشعب الفلسطيني به ذلك لأن الاستثمار والتنمية يعتبران عاملين أساسيين في الاعتماد على الذات. كان يجب أن يبقى الفلسطينيون أسرى للمال الغربي حتى تسهل السيطرة عليهم ومحاصرتهم. ولم يمانع أهل الغرب من تضخم الوظائف في السلطة الفلسطينية على الرغم من علمهم بأن الغالبية الساحقة من الموظفين لا يقدمون أي خدمة تذكر للشعب، ذلك من أجل زيادة أعداد العائلات الفلسطينية التي تعتمد في رواتبها على الغرب. كلما ازداد عدد المعتمدين على الرواتب الغربية، ازداد التواكل الفلسطيني والكسل، وسهل على الناس تقديم التنازلات السياسية المطلوبة.
تزاحم الفلسطينيون من أجل الحصول على وظائف حكومية، وعملت القيادة الفلسطينية على ربط أغلب عناصر حركة فتح بالوظائف وذلك ليسهل عليها توجيههم سياسيا كيفما ترى مناسبا. وقد وجدنا تضخما هائلا في الأجهزة الأمنية التي تخدم في الغالب الأمن الإسرائيلي بحيث بلغ عدد الموظفين حوالي 80 ألفا يحصلون على حوالي 45% من الميزانية الفلسطينية. ضيّق أهل الغرب مساعداتهم على قطاعات المجتمع المختلفة من خلال تقليص الدعم للمنظمات غير الحكومية تقديرا منهم بأن هذا سيدفع المزيد من الفلسطينيين نحو البحث عن الوظائف الحكومية أو الرسمية.
في المقابل، أخذ الفلاح الفلسطيني يسأم الزراعة بسبب الخسائر المتتالية التي كان يمنى بها نتيجة سياسات السلطة التي سمحت باستيراد المنتجات الإسرائيلية، وتقلصت فرص العمل أمام العمال، وبدأ الصناع يغلقون مصانعهم ومعاملهم بسبب اتساع نطاق الاستيراد من الخارج، وارتفعت قيمة فواتير الجمرك التي تجنيها إسرائيل على البضائع المستوردة من قبل الفلسطينيين. انهار الإنتاج الفلسطيني وازداد الاستيراد الذي كان أكبر بكثير من قدرة الفلسطينيين المالية والاقتصادية، وأخذت أموال كثيرة تتسرب خارج البلاد عن طريق المصارف الموجودة بكثرة في الضفة والقطاع. نتيجة لذلك فاق الاستهلاك الإنتاج الفلسطيني، وكان من المطلوب تكريس المزيد من الجهود التسولية من أجل تغطية العجز، وكذلك الاقتراض من عدد من الدول إلى درجة أن المديونية الفلسطينية بلغت حوالي ملياري دولار أمريكي.
السيف في الوقت المناسب
فازت حماس في الانتخابات التشريعية فاستل الغرب سيف المال. فُرض الحصار المالي على الشعب الفلسطيني، وتحولت قضية الرواتب إلى قضية سياسية تضغط على حماس من أجل إزاحتها عن السلطة أو قبولها بالشروط الغربية. كان على الشعب الفلسطيني أن يدفع ثمن اعتماده على الغير وأن يجاهر علنا وصراحة وصراخا بأنه لا يستطيع أن يستمر بدون المال الذي يأتيه من أعدائه الذين أقاموا إسرائيل وشردوا الشعب. وهكذا كانت النتيجة التي تقول إن الذي يعتمد على غيره في تحصيل رزقه لن يشبع إلا ذلا وقهرا. وقد تأكدت بذلك نظريتي التي طرحتها على الشعب الفلسطيني قبل أكثر من 25 عاما بأن القيادة الفلسطينية ليست بريئة من صناعة بطون خاوية من أجل استلاب تنازلات عن الحقوق الفلسطينية. لقد ساهمت الرئاسة الفلسطينية ومن لفّ لفّها، وما زالت تساهم في حصار الشعب الفلسطيني، وتعمل جاهدة على تركيعه أمام قوة المال الغربي.
شعب فلسطين مهدد بقطع الماء والكهرباء ورغيف الخبز والهاتف وشبكة الإنترنت، وبعضهم يقف على شاشات التلفاز يتفاخر بالانتصارات التي تم تحقيقها. وربما إذا رأت إسرائيل وأهل الغرب أن الإنجاب الفلسطيني يشكل خطرا فقد يتم استصدار قرار بربط الدعم بمستوى الإنجاب.
الحل
حتى يخرج الشعب الفلسطيني من هذا الإذلال لا بد من تبني عدد من السياسات الاقتصادية:
بداية لا بد من إعادة تثقيف المجتمع الفلسطيني حول أهمية الاعتماد على الذات، وحول أهمية ثقافة الإنتاج في مواجهة ثقافة الاستهلاك. اكتسب الشعب عبر عشرات السنين ثقافة الاستهلاك والتسول حتى أصبح مد اليد الاستعطائية عبارة عن عادة لا تثير المشاعر ولا تستفز الكبرياء، وأصبح لدى العديد من الناس قناعة بأن الشعب لا يستطيع أن يتدبر أموره ولو جزئيا بدون المعونات الخارجية، بل عليه ألا يحاول الاعتماد على الذات. طبعا لا بد لمن يعتاد التسول أن يتثاقل عن العمل والعطاء.
من المهم أن يتخلى الشعب الفلسطيني عن عادات استهلاكية وعلى رأسها استهلاك منتجات العدو التي إما لا ضرورة لها وإما تتوفر بدائل فلسطينية وعربية له. الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع هو ثاني مستورد من إسرائيل بعد الولايات المتحدة، وهذا عبارة عن عار بحق شعب يدعم اقتصاد القوة التي تحتله. طبعا هناك سلع لا يمكن للشعب الفلسطيني أن ينتجها أو أن يتخلى عنها مثل الإسمنت والحديد، لكن هناك مئات السلع الإسرائيلية التي يمكن التخلي عنها بسهولة. وفي المقابل، يجب تبني سياسة إنتاجية بخاصة في المجال الزراعي. مساحات واسعة من الأراضي الزراعية تم التخلي عنها لصالح بناء المساكن، ومساحات واسعة لا تتم زراعتها لأن الفلاح يخسر. دعم الفلاح والعامل والصانع أهم بكثير من تبذير الأموال على شراء الذمم وتلبية الشهوات.
بالإضافة إلى ذلك، لا بد من الحد من الاستيراد وتشجيع استهلاك المنتج الفلسطيني المحلي وذلك من أجل خلق فرص عمل وتنمية رأس المال نحو مزيد من الاستثمار.
إذا قرأ مسئول فلسطيني هذا المقال فسيأتي بحجج وتبريرات كثيرة لماذا لا يمكن تطبيق هذه الأفكار.
قيادة فلسطين علمت الناس كيف يفشلون قبل أن يحاولوا، وهذا سبب مرعب في استمرار الهزيمة الفلسطينية سواء في مواجهة العدو أو في تصحيح الأوضاع الداخلية.
أستاذ العلوم السياسية بجامعة النجاح في غزة
|