|
| حتى الفول بدأت تطوله زيادة الأسعار |
يخرج الحاج أحمد من بيته في الصباح الباكر.. كعادته يقف أمام ناجي صاحب عربة الفول بميدان رمسيس وسط القاهرة طالبا وجبته اليومية المكونة من طبق فول ورغيفي خبز.. بسرعة يتناول وجبته ثم يهم بإخراج الجنيه ثمن الوجبة، مودعا زملاء العربة بابتسامته المعهودة.
هذا المشهد يتكرر يوميا على عربة ناجي، لكن منذ أسبوع، كانت حالة من الوجوم تسود كل الواقفين أمام العربة، وبدلا من أن يودع الحاج أحمد الحضور بابتسامته على وعد بلقاء يتجدد، قال لناجي: "يمكن ما اقدرشي أفطر عندك بُكرة".. ثم أخذ يتمتم: "حرام عليكم، إلا الخبز والفول".
هذا التحول في سلوك الحاج أحمد، كنت أظنه مقصورا عليه هو والكثير من المواطنين المصريين الذين فوجئوا بارتفاع سعر طبقهم المفضل من جنيه إلى جنيهين، ولكني اكتشفت أن نفس هذه المشكلة وصلت لبعض الدول العربية، لتعلن عن خطر يهدد وجبه الفقراء.
مصر الأكثر معاناة
وبحكم الفارق في الحالة الاقتصادية بين الدول العربية، كانت المعاناة أكثر وضوحا في مصر، فيكفي أن تتجول في ميادين العاصمة المصرية صباحًا لتكتشف ماذا يمثل طبق الفول عند المصريين.
وكانت بداية الأزمة هو الارتفاع في سعر الفول، حيث وصل سعر الأردب من 270 جنيها عام 2006 إلى 600 جنيه عام 2007، فأصبح ثمن الكيلو 4 جنيهات (الدولار= 5.5 جنيهات مصرية).
ولم يكد المصريون يفيقون من هذه الصدمة، حتى فوجئوا بارتفاع سعر رغيف الخبز، ليصل في بعض مناطق القاهرة إلى 25 قرشا، والسبب هو الزيادة المفاجئة في أسعار دقيق الخبز الذي قفز سعر الطن منه من 1600 إلى نحو 2600 جنيه.
ومما زاد حجم المعاناة أن هذه الزيادات جاءت في أعقاب ارتفاع أسعار العديد من السلع الغذائية، منها السكر الذي وصل سعر الكيلو منه إلى 325 قرشا، والأرز 250 قرشا، وعبوة المكرونة زنة 400 جرام 175 قرشا.
الفول بعد الكبسة
وبنفس القدر من الحزن استقبل السعوديون ارتفاع سعر طبق الفول من ريالين إلى أربعة، خاصة أن هذه الزيادة جاءت في أعقاب ارتفاع سعر وجبة "الكبسة" كنتيجة طبيعية لارتفاع أسعار الأرز، وعبر الكثير من السعوديين في تحقيق لصحيفة الحياة اللندنية يوم 24 أغسطس 2007 عن قلقهم من هذه الزيادة، وقالوا: "الغلاء كان متوقعًا في كل شيء إلا الفول".
وأضافوا: "لا يمكن أن نفطر دون أن يتوسط الفول السفرة.. الفول وجبة مهمة جدا، وهي جزء من حياتنا اليومية خاصة في شهر رمضان.. نود أن نقول للتجار (كل شيء إلا الفول)".
ونفى التجار أن يكونوا مبالغين في السعر كما يتهمهم البعض وقالوا في نفس التحقيق: "نعلم أن الفول وجبة شعبية، والناس بكل أطيافهم الصغير والكبير يحبونه، ولكن نحن نشتري الفول غاليا، فكيف نبيعه رخيصا؟!".
ولم تسلم الإمارات هي الأخرى من المشكلة التي ظهرت ملامحها بقوة في سلعة الخبز، حيث
رفعت المخابز فجأة سعر الرغيف بنسبة 20% دون سابق إنذار، أو انتظار موافقة وزارة الاقتصاد الإماراتية، وبدأت المخابز في بيع كيس الخبز من فئة درهمين ونصف بثلاثة دراهم (الدولار = 3.67 دراهم).
وعبر الأهالي عن غضبهم من هذه الزيادة، وطالبوا في تقرير لجريدة الاتحاد الإماراتية يوم 1 أغسطس 2007، بوقف تلك الزيادات واتخاذ إجراءات سريعة بحق المخابز التي رفعت الأسعار.
كما أبدوا تخوفهم من أن تكون هذه الزيادة بداية لزيادات أخرى في باقي السلع والخدمات الرئيسة والأساسية.
عدوى ارتفاع الأسعار
|
|
عدوى أزمة الخبز تمتد من مصر لدول الخليج
|
ويرجع الخبراء الذين استطلعت "إسلام أون لاين.نت" آراءهم هذا الوضع السيئ إلى عامل واحد فقط هو التراخي الحكومي في رقابة الأسواق.
وأوضح الكاتب الصحفي السعودي المتخصص في شئون المستهلك عبد العزيز الخضيري أن هناك ما يشبه العدوى، فما إن يرى التجار سلعة ارتفع ثمنها، حتى يقوموا هم الآخرون برفع ثمن سلعتهم، سواء كانت هناك مبررات لذلك أم لا؛ وهو ما يؤدي إلى وضع تتوه فيه الحقيقة، خاصة في ظل غياب الرقابة الحكومية.
ويتعجب الخضيري من ارتفاع أسعار بعض السلع بنسبة 30 % بحجة ارتفاع سعرها بالسوق العالمي، ويتساءل مستنكرا: "وهل تطبق معايير السوق العالمي على سلع موجودة في الأساس بالمخازن، قبل ارتفاع أسعارها عالميا؟!".
ويطالب بمزيد من إحكام القبضة الحكومية على الأسواق؛ لأنه بدون رقابة سيفعل التجار ما يشاءون؛ لأنه: "إذا غاب القط، يأخذ الفأر حريته"، وذلك على حد قوله.
حجة واهية
وتطالب سعاد الديب رئيسة الجمعية الإعلامية لحماية المستهلك بمصر عضوة الاتحاد العربي للمستهلك بنفس المطلب، مؤكدة أن حجة السعر العالمي حجة واهية، وتتساءل: "إذا كان التجار يتذرعون بارتفاع السعر العالمي، فلماذا لا تنخفض الأسعار مع انخفاضه؟!".
وقالت: "القضية ليست سعرًا عالميًّا، ولكنها تتلخص في كلمة واحدة هي (الجشع)"، وبررت ذلك بأداء التجار عقب قرار الحكومة المصرية عام 2006 برفع الجمارك عن ألف و114 سلعة، فعلى الرغم من أن الهدف من القرار هو خفض أسعار هذه السلع، فإن ما حدث هو أن التجار استفادوا من رفع الجمارك، وباعوا السلعة ليس فقط بنفس السعر، ولكن قاموا برفعه.
من يحمي المستهلكين؟
وإذا كانت القضية كما بدت من آراء الخبراء لا تخرج عن كونها حالة من الجشع امتدت بكل الدول العربية، فمن يأخذ للحاج أحمد ورفاقه من عشاق طبق الفول بالعالم العربي حقوقهم؟.. سؤال أجاب عليه الخبراء بكلمتين هما "الرقابة الحكومية".. ولكن على ما يبدو أن الحاج أحمد ورفاقه لا يثقون في أن هذا الحل سيجد طريقه للتنفيذ، وكانت عبارة "الحكومة عارفة كل شيء" التي قالوها لي هي اتهام ضمني للحكومة بالتآمر عليهم مع التجار الكبار، حتى ولو كانت النتيجة على حساب "طبق الفول".
محرر بصفحة نماء، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني للنطاق namaa@iolteam.com
|