English

 

الأحد. سبتمبر. 2, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » شئون عربية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

الانتخابات العربية.. ضجيج بلا طحن!

محمد جمال عرفة

Image
شهدت عدة دول عربية خلال عامي 2006 و2007م انتخابات بلدية وبرلمانية ورئاسية، علا خلالها الصخب الإعلامي الحكومي والصراعات وشهدت أكبر حملة "نيولوك" سياسي وإعلامي لإيهام الجمهور العربي بحدوث تغيير، وقتل فيها أيضا العشرات وأصيب المئات نتيجة الحماس الانتخابي، بيد أنها انتهت بدون نتائج فعلية ملموسة سواء على صعيد التغيير أو الإصلاح، وبقيت السيطرة لذات الوجوه الحكومية أو حزب السلطة أو نفس الرئيس، ليكتشف الجميع أن آلة الضجيج الانتخابية لم ينتج عنها أي طحن أو تغيير حقيقي!!.

تحت التهديد.. وزوال التهديد

جرت انتخابات بلدية وبرلمانية ورئاسية في كل من الكويت والبحرين وموريتانيا والإمارات واليمن ومصر والعراق والأردن والسعودية وفلسطين وغيرها، ولأن هذه الانتخابات جاءت في أعقاب خطة الرئيس الأمريكي بوش لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط والعالم العربي تحديدا، والتي تحدث الأمريكيون (خصوصا عام 2004) عن فرضها فرضًا على الأنظمة أو قلبها؛ فقد شهدت الانتخابات في أغلب الدول العربية نوعًا من التغيير الشكلي أو "النيولوك" على صعيد طرح الأحزاب الحاكمة وحتى قادة الدول أفكارًا وبرامج جديدة، ووصل الأمر إلى حد تغيير طريقة لبس الملابس المتحررة في الانتخابات (على الطريقة الغربية).

وباستثناء التجربة الموريتانية والفلسطينية، فوجئ المواطن العربي أن النتيجة هي فوز ذات الرؤساء وذات الأحزاب الحاكمة منذ ربع أو نصف قرن مع تبديل بسيط لبعض الوجوه التي تحركها ذات الأصابع الحكومية في مسرح العرائس السياسي.

أما سبب الجمود وعدم التغيير فهو بقاء ذات القوانين الانتخابية والسياسية المقيدة للحريات كما هي، وذات القيود على القوى السياسية خصوصا الإسلامية، وتدجين القوى الحزبية مع زيادة عددها -ضمن عملية النيولوك السياسي- لإظهار أن هناك تنافسًا ديمقراطيا شكليا، إضافة إلى حالة الانسجام والتوافق -التي فرضتها ظروف صعود الإسلاميين عمومًا على الساحة السياسية الدولية- بين الأنظمة العربية والغرب بعدما أدركا معا أن مصالحهما الحقيقية هي في التعاون ضد هذا التيار الإسلامي الذي يهدد مصالحهما معا، ووضع الإصلاحات وأفكار التغيير في الثلاجة.

بعبارة أخرى حرصت الحكومات العربية على أن تأتي نتائج الانتخابات في حدود محصورة في ألا تصنع تغييرًا حقيقيا، وأن تظل ديكورًا حكوميا يوهم البسطاء من الشعوب بحدوث تغيير ما، ويقدم للغرب مبررًا زائفًا وغطاءً للتعاون مع هذه الحكومات باعتبارها "شرعية" وتستمد شرعيتها من الانتخابات، وحتى التجارب التي شهدت تغييرًا كالحالة الفلسطينية حوصرت وأجهضت وكأنها وباء، خصوصا أن الفائزين هم حركة إسلامية وفي دولة محتلة.

شواهد الانتخابات

ورغم هذا يمكن رصد شواهد وملاحظات على الانتخابات العربية التي جرت في العامين الماضيين تعطي مؤشرات ذات معانٍ مختلفة على النحو التالي:

1- كلما كانت الانتخابات حرة أو تشهد ضمانات أفضل لتصويت حر نسبيا، زادت نسبة المشاركة السياسية للقوى المختلفة وعدم مقاطعتها، وزادت نسبة إقبال الجمهور، وكمثال نلاحظ أن انتخابات موريتانيا التي أفرزت تغييرا حقيقيا في الرئاسة والبرلمان، شهدت نسبة حضور ما بين 70 و80%، وفي الانتخابات التشريعية الكويتية وصلت إلى 80%، في حين تقلصت في انتخابات الرئاسة المصرية إلى 18%، و4% في انتخابات مجلس الشورى المصرية، ويصعب بالطبع أخذ النسب الحكومية للمشاركة في بعض الانتخابات العربية التي تشهد أرقاما تصل لـ 90 أو 99%.

2- كلما كان هناك حزب ذو توجّه إسلامي أو تيارات إسلامية تشارك زادت سخونة الانتخابات وزادت عمليات القمع والتزوير والرشاوى الانتخابية التي تختلف من دولة لأخرى، وهو مؤشر في حد ذاته على مدى الشعبية التي يحظى بها مرشحو التيار الإسلامي عموما، وخشية الحكومات من منافستهم لها، بحيث يمكن القول إنه لم تجر انتخابات أكثر مصداقية إلا وفازت فيها بنسبة كبيرة التيارات الإسلامية، ووضح هذا في الخليج (الكويت والبحرين والسعودية) وفي مصر وفلسطين والجزائر وحتى انتخابات العراق. 

3- ما ميز الانتخابات العربية الأخيرة أن التزوير أو التجاوزات التي جرت من قبل مرشحين حكوميين أو جهات رسمية جرى كشفها - على عكس سنوات سابقة - بفضل الثلاثي الإعلامي الخطير (الإنترنت + كاميرا الموبيل + موقع الفيديو المجاني "يوتيوب")، ما شكّل عنصر ضغط على الحكومات أجبر بعضها على التخلي عن التزوير الشامل، وسوف يشكل مستقبلا عنصر ضغط أكبر.

4- أن بعض الانتخابات العربية جرت بصورة شبه انتقائية بين النخب السياسية أو ما يمكن تسميته أقليات تسيطر على السلطة؛ فانتخابات العراق مثلا (يناير 2006) جرت فعليا بين تيارات شيعية بعد مقاطعة السنة الذين شاركت فصائل قليلة منهم فيها، وانتخابات الإمارات التشريعية النصفية (ديسمبر 2006) شارك فيها فعليا حوالي 1% فقط من سكان الدولة، بعدما اختار حكام الإمارات المرشحين والناخبين فيما عرف بـ"الهيئة الانتخابية"؛ حيث تم اختيار 6689 شخصًا من مواطني الإمارات البالغ عددهم 800 ألف نسمة لكي يمارسوا الحق الانتخابي؛ وهو ما يعني أن الانتخابات دارت بين الصفوة الاجتماعية في الإمارات، سواء على مستوى الحق في الترشيح أو في الانتخاب.

5- العديد من القادة والرؤساء ممّن تخطوا الربع قرن في مقاعدهم اضطروا للقيام -بجانب النيولوك- بعمليات "تعطيش" لسوق الناخبين عبر شائعات عن عدم ترشيح أنفسهم ودعاية إعلامية مقابلة توحي برغبة شعبية في بقائهم، ليظهر ترشيحهم مرة أخرى على أنه رغبة شعبية ويفوزوا بنسبة كبيرة من الأصوات، كما وضح في الانتخابات الرئاسية التي جرت في اليمن وفي مصر، حيث تأخر الرئيس مبارك في إعلان ترشيحه ليفتح الباب للتكهنات، وأعلن الرئيس صالح رفضه للترشيح قبل أن يعيدا ترشيح نفسيهما ويفوزا بأغلبية.

6- ظلّت القبلية والعشائرية والطائفية هي السمة الغالبة على معظم الانتخابات العربية، سواء بين سنة وشيعة (العراق والبحرين والسعودية) أو بين عشائر وقبائل (الكويت وموريتانيا) أو طائفية (لبنان).

7- رغم فوز قوى سياسية معارضة أو إسلامية في برلمانات بعض الدول العربية، فلم يغير هذا كثيرًا في سياسات هذه الدول الداخلية أو الخارجية؛ ففوز التحالف الشيعي المعارض في انتخابات البحرين (نوفمبر 2006) بـ 40% من المقاعد لم يغير شيئا في سياسات البحرين، وفوز حماس بـ 60% من مقاعد المجلس الوطني الفلسطيني لم يغير أيضا السياسة الفلسطينية الرئاسية المتعاونة مع الاحتلال والغرب، وفوز الإخوان في مصر (ديسمبر 2005) بـ 20% من المقاعد لأول مرة لم ينعكس في صورة أي تغييرات داخلية أو خارجية، والشيء نفسه حدث في الكويت التي فاز فيها الإسلاميون والمستقلون بـ 18 مقعدا من 50 ولكنهم لم ينجحوا في تخفيف التبعية الكويتية لأمريكا كما وعد بعضهم.

يا ليبراليي العرب اتحدوا!

وما حدث مقابل هذا الفشل من جانب قوى المعارضة العربية في التأثير على السياسات الرسمية وإحداث تغيير وإصلاح شامل عبر صناديق الانتخابات، بسبب سيطرة ذات الأحزاب السلطوية، هو أن القوى الغربية ساندت هذا القمع للتيارات الإسلامية وسعت بالمقابل لتشجيع التيارات الليبرالية في العالم العربي والإسلامي وأسمتها "شبكات إسلامية معتدلة"، أما القوى الحكومية فقد انطلقت في خططها لضرب وقمع التيارات الإسلامية بعدما نجحت في إقناع الغرب بخطورتها على مصالحه لو تسلمت الحكم، وأن مصالح الغرب تضمنها أكثر الحكومات القائمة.

حيث بدأ عدد من مراكز الأبحاث والمؤسسات السياسية الأمريكية، المهتمة بشئون الشرق الأوسط، منذ يناير 2006 نشاطا يرتكز على مساندة الليبراليين العرب ودعوتهم للتحرك والتوحد على غرار الدعوة الشيوعية البائدة لشيوعي العالم بالاتحاد.

على سبيل المثال نظّم معهد "المؤسسة الأمريكية" AMERICAN INSTITUTE مؤتمرًا حول الديمقراطية في العالم العربي يناير 2006، عنوانه: "إلى المعارضين العرب: ارفعوا أصواتكم"، دعا إليه مجموعة من ممثلي التيارات الليبرالية لمناقشة دورهم في تحولات أوطانهم السياسية والإستراتيجية، والدعم الغربي لهم، وتلاه "معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى"، بعقد ورشة عمل حول مستقبل الليبرالية العربية، في ضوء نجاحات القوى الإسلامية الدينية في الانتخابات العربية التي جرت في فلسطين ومصر والعراق، وهذا غير عشرات المؤتمرات والتوصيات التي صدرت عن مؤسسات: "الوقف الوطني للديمقراطية" و"المعهد الديمقراطي الوطني" و"المعهد الجمهوري الدولي"، بحضور ممثلين عن البيت الأبيض ووزارة الخارجية، غلب عليها التوجس من الإسلاميين والقلق لضعف التيارات الليبرالية المستهدفة بالدرجة الأساسية من خطة نشر الديمقراطية الأمريكية، وآخرها تقرير مركز "راند" الذي يضع خططا لبناء شبكات من هؤلاء الليبراليين المسلمين الذين يخالفون الإسلاميين في رفضهم للشريعة الإسلامية كمنهج حكم ويأخذون بالإسلام فقط كديانة تعبدية.

ومع هذا فقد استمرت شكاوى الليبراليين تبرّر فشلهم في الانتخابات بأن النظم السلطوية الحاكمة في الدول العربية قد همشتهم هم كتيارات سياسية، في حين سمحت للإسلاميين بالتواجد الكثيف في مجالات مجتمعية حيوية كالتعليم والإعلام والعمل الأهلي، في حين أن السبب الحقيقي لتهميشهم -إضافة لضعف تأثيرهم- هو استمرار إمساك الحكومات باللعبة السياسية وقوانين الانتخابات وغيرها التي تقصي أي فريق سياسي غير الفريق الحكومي.

وحتى دفاع أمريكا عن اضطهاد الحكومات لهؤلاء الليبراليين العرب ضمن بطشها بالمعارضة عموما وتحجيمها، ظل مقيدًا بمصالح أمريكا والغرب لدى هذه الأنظمة العربية، بعدما بدأت دول عربية -مصر تحديدا- تلوح بهذه المصالح الإقليمية لأمريكا في المنطقة علنًا وتهدد بتقليصها كلما حدثت ضغوط أمريكية حتى خرج مسئولون رسميون مصريون للمرة الأولى ليقولوا لأمريكا إنه حتى المعونة الأمريكية لمصر لا تفيد مصر بقدر ما تفيد أمريكا، وإنها عنوان لمصالح مشتركة.

بعبارة أخرى أصبحت واشنطن والغرب عموما في ورطة، فهم ساندوا الديمقراطية والتحول الديمقراطي في العالم العربي أملا في إحداث تغيير كالذي حدث في أوروبا عقب انهيار الشيوعية، وهو استئثار قوى اليمين الليبرالي والمحافظ بمقاعد السلطة في معظم دول شرق ووسط أوروبا ما مكّن أمريكا بالتبعية من تحقيق مصالح كبيرة في المنطقة، ولكن الحالة العربية هنا تختلف لأن البديل الذي ظهر لديكتاتورية الأنظمة هو التيار الإسلامي الذي استفاد من خطط نشر الديمقراطية الأمريكية وفاز على حساب الليبراليين، ما مثّل مأزقا للأمريكان.

وحتى حينما جرى التركيز على النموذج العلماني التركي كنموذج إسلامي يصلح للدول العربية ضمن فكرة شرق أوسط جديد إسلامي وديمقراطي، أخطأ الغرب مرة أخرى؛ لأن نموذج حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا العلمانية يختلف عن نموذج الأحزاب الإسلامية في الدول العربية التي يتداخل فيها الدين في الحياة السياسية بصورة وثيقة يصعب فصله عنها.

وطبيعي -والحال هكذا- أن يفشل البديل المقترح لشرق أوسط أمريكي خالٍ من المقاومة أو حتى الديمقراطية (بعدما ثبت أنها تأتي بالإسلاميين)، والمستهدف أن يلعب فيه (الحليف) الإسرائيلي دورًا رئيسيا، وأن ترفع واشنطن يدها عن الضغط من أجل شرق أوسط ديمقراطي وتركز على مصالحها الإقليمية فقط وكيفية استرضاء الأنظمة العربية كي تحافظ عليها.

لكل هذا من الطبيعي أن تستمر الانتخابات العربية مجرد مناسبة للدعاية للأنظمة، ومواسم لحشد الدعم بدعاوى الإنجازات ودون أن يكون هناك أمل في أن تلعب دورا حقيقيا في التغيير أو الإصلاح، ومن الطبيعي أن يستمر الغرب في مساندة هذه الأنظمة القائمة والتغاضي عن تجاوزاتها بشأن الحرية والديمقراطية طالما أنها الأضمن لرعاية مصالحه في المنطقة.


المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات