|
| مواطنون يحملون منشورات انتخابية بالريف المغربي |
الرباط - منذ استقلال المغرب وحتى تشريعيات 1997، كانت الأحزاب اليمينية الموالية للقصر تحتفظ بقاعدة جماهيرية ضخمة في الريف المغربي في حين يسيطر اليسار المعارض على المدن والتجمعات العمالية.
وبعد انتخابات 1997 التي أسفرت عن مشاركة اليسار الاشتراكي في الحكم لأول مرة، بدأت معالم الخريطة التصويتية التقليدية للمغرب تتغير، فأصبح اليسار يتقاسم مع اليمين السيطرة على القرى مستفيدا من توليه السلطة وإن ظل اليمين تقليديا حتى اليوم هو المفضل لدى الفلاح المغربي.
كما ظهر عام 1997 نجم حزب العدالة والتنمية كممثل للتيار الإسلامي يحظى بقاعدة شعبية قوية في المدن التي لم تعد حكرا على اليسار، وبتعاطف قوي بين صفوف طلبة الجامعات بوجه خاص.
وبدأت أيضا الأحزاب تدرك أهمية وثقل رجال الأعمال فشرعت تسعى لاستقطابهم وترشيحهم على قوائمها ليتجلى هذا التوجه بقوة في التحالف الذي أبرمه العدالة والتنمية استعدادا للانتخابات التشريعية مع حزب ليبرالي صغير من رجال الأعمال.
وبالرغم من اتفاقهم تقريبا على هذه الخريطة التصويتية، يجمع محللون وخبراء مغاربة في تصريحات لإسلام أون لاين.نت على أن النوايا التصويتية لدى فئات المجتمع المختلفة في تشريعيات الجمعة المقبلة تبقى غير مؤكدة بنسبة 100% في ظل استطلاعات الرأي الأخيرة التي تشير إلى أن حوالي 70% من المستجوبين لم يحددوا بعد لمن سيصوتون، وفي ظل وجود عوامل أخرى تؤثر في قرار الناخب.
إلا أنهم أيضا لا يرجحون في الوقت نفسه وقوع مفاجآت كبيرة تغير من معالم هذه الخريطة.
د. حسن قرنفل، خبير علم الاجتماع يرى أن "التجارب الانتخابية السابقة (منذ انطلاق الانتخابات التشريعية عام 1963 وحتى انتخابات 1997) أعطت تقسيما معينا للخريطة السوسيولوجية للانتخابات".
بين الريف والحضر
ويوضح هذا التقسيم قائلا: "أحزاب اليسار كانت مهيمنة على أصوات سكان المدن التي تشهد حركة نقابية لافتة، إلى جانب الحواضر الكبرى وطلبة الجامعات؛ في الوقت الذي كانت فيه القواعد الجماهيرية التي تطغى عليها نسبة الأمية بالقرى والمدن الصغرى تتجه نحو الأحزاب اليمينية الليبرالية الموالية للسلطة".
ودفع في حينه هذا الوضع المحلل السياسي الفرنسي الراحل ريمي لوفو لوصف الفلاح المغربي بأنه "المدافع القوي عن العرش".
وبالرغم من نجاح تيارات اليسار في العقد الأخير في كسب مقاعد جديدة بتلك المناطق، فإنه ما تزال الأحزاب الموالية للسلطة تحتفظ بامتداد مهم في المناطق الريفية، بحسب قرنفل.
متفقا مع د. قرنفل، يرى د. عبد العالي حامي الدين، أستاذ العلوم السياسية بجامعة طنجة، أن "التقسيم التاريخي الذي يتحدث عنه الباحثون بات يعرف تحولات نوعية منذ انتخابات 1997 التي شهدت دخول المعارضة (الاشتراكية) إلى الحكم لأول مرة في تاريخها".
وأبرز المتحدث أن الذي اضطلع بدور كبير في هذه التحولات التي بدت أكثر وضوحا في تشريعيات 2002، هم "الأعيان ورموز البورجوازية الفلاحية".
ويشرح حامي الدين ذلك بقوله: "مع دخول المعارضة اليسارية السابقة إلى الحكم، بدأت مباشرة في استقطاب عناصر من الأعيان وكبار الملاك الذين انتموا طوال تاريخهم إلى اليمين الليبرالي، وكان توجه الفلاحين إليه؛ مما ساعدهم على خلق قاعدة جماهيرية لأحزابهم الجديدة داخل القرى والمدن الصغرى".
توجهات الطلبة
ويتفق كل من قرنفل وحامي الدين على أن الطلبة المغاربة المتحفزين دوما للارتباط بحزب ما وبأيديولوجيته كانوا القاعدة الرئيسية التي نفذ منها إلى مناطق الحضر في السنوات الأخيرة الإسلاميون، سواء جماعة العدل والإحسان (تقاطع الانتخابات) أو حزب العدالة والتنمية، مستفيدين من "العاطفة والمشاعر الإسلامية" القوية لدى الطلبة".
وهكذا "فإن الجامعات صارت خزانا من الأصوات بات يلعب لصالح التيارات الإسلامية التي اختارت المشاركة السياسية، في الوقت الذي كانت فيه عبر مراحل التاريخ السابقة في صف اليسار الذي شهد انحسارا كبيرا في الجامعات والمدن لصالح الإسلاميين"، كما يرى المحلل مصطفى خلفي والمسئول بالعدالة والتنمية.
رقم جديد في المعادلة
أما رجال الأعمال، فيجمع المراقبون على أنهم صاروا يشكلون رقما جديدا في المعادلة السياسية المغربية ليس كقوة تصويتية وإنما كمرشحين بارزين للأحزاب.
وترشح لتشريعيات الجمعة المقبلة بضعة عشرات على قوائم مختلفة.
وخصصت برامج الأحزاب - من مختلف التوجهات - حيزا واسعا لبرامج التنمية الاقتصادية لاستقطاب هذه الفئة البازغة ولإظهار اهتمامها بالقضايا الاقتصادية الملحة كالبطالة، ومنحت التزكية في العديد من المناطق لرجال أعمال بارزين ترشحوا باسمها، بحسب المصادر نفسها.
وفي هذا السياق، برز تحالف لافت بين العدالة والتنمية وحزب القوات المواطنة، وهو حزب ليبرالي صغير أسسه رجال الأعمال بقيادة عبد الرحيم الحجوجي الرئيس الأسبق لاتحاد مقاولات المغرب.
وعن هذا التحالف، علق المحلل السياسي د.محمد ضريف قائلا: الحجوجي يسعى لتقوية موقع حزبه الانتخابي من خلال التحالف مع العدالة والتنمية ذي الجماهيرية الواسعة؛ في الوقت الذي يسعى فيه تنظيم سعد الدين العثماني إلى أن يبعث برسالة إلى مراكز القرار داخل المغرب وخارجه بأنه منفتح على جميع التيارات الفكرية والنخب، وأنه مستعد للتعاون مع رجال الأعمال لأجل دفع عجلة التنمية.
ويرى ضريف أن رجال الأعمال تاريخيا كانوا يتوجهون نحو الأحزاب اليمينية ذات العلاقة القوية مع الدولة. ويفسر ذلك بقوله: "إن السلطة كانت تشجع الاقتصاديين على الانخراط بأحزاب موالية لها حتى يسلكوا طريقهم نحو الحكومة وهم حاصلون على الشرعية الانتخابية".
غير أن الحالة الراهنة - يضيف المحلل السياسي- بدأت تشهد حراكا حقيقيا، حيث صار رجال الأعمال أكثر إقبالا على الانخراط في عدد أكبر من الأحزاب بما فيها اليسارية تماما كالطبقة المتوسطة من الموظفين والمثقفين الموزعة على مختلف التيارات.
ويوضح قائلا: "لقد أدرك رجال الأعمال جيدا أن العمل السياسي ضرورة لا مفر منها لتعزيز مجالات عملهم الاقتصادي الخاص، ولذلك لا يمكن حصرهم في توجه سياسي معين".
لا تغيرات متوقعة
ويتوقع قسم كبير من المراقبين المغاربة ألا تحمل انتخابات الجمعة تغييرا كبيرا في الخريطة التصويتية "الثانية" للمغرب.
لكن المتحدث قرنفل يشدد على أن هذا التقسيم لتوجهات الناخبين، وإن كان صحيحا فإن خصوصيات المشهد الانتخابي والسياسي المغربي كانت دوما تلقي بظلالها على الانتخابات، خصوصا ما يتعلق منها بـ "الشخصنة"، أي إعطاء الأولوية لشخص المرشح نفسه وليس برنامج حزبه.
كما أن هناك عوامل أخرى تضمن في النهاية عدم اكتساح أي حزب للانتخابات من بينها النظام الانتخابي اللائحي وفق حسابات معقدة، والذي يحفظ التوازن بين الأحزاب بحيث لا يحصل أي واحد منها على اكتساح مقاعد البرلمان.
وفي القاموس السياسي المغربي تعتبر أحزاب الحركة الشعبية والاتحاد الدستوري والتجمع الوطني للأحرار من أحزاب اليمين، في الوقت الذي يعتبر فيه الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الممثل التاريخي للعائلة اليسارية، في حين يصنف حزب الاستقلال كحزب محافظ.
وكانت إحصائيات لوزارة الداخلية المغربية قد ذكرت أن ما يقرب من 48% من المسجلين على اللوائح الانتخابية يعيشون في الريف المغربي، بينما 52% مستقرون بالمناطق الحضرية.
ويبلغ عدد الناخبين الذين يحق لهم التصويت أكثر من 15 مليونا من إجمالي 30 مليون نسمة.
|