English

 

السبت. سبتمبر. 1, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أفريقيا وأمريكا اللاتينية » إفريقيا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

الاستفادة من الكفاءات المهاجرة.. إفريقيا نموذجا

مشهور إبراهيم أحمد

Image
هجرة الأدمغة.. اغتراب وخسارة كفاءة
  أصبحت بلدان العالم الثالث منذ بداية القرن العشرين وخاصةً بعد الحرب العالمية الثانية، تعاني من ظاهرة هجرة الكفاءات، بسبب ما تشكله تلك الظاهرة من خطورة على المخططات التنموية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، في وقت تحتاج فيه التنمية في تلك البلدان لمثل هذه الكفاءات، خصوصًا أن أفضل العناصر البشرية هي التي تهاجر، إما لأنها قادرة على الهجرة أو لأن الطلب عليها في الخارج كبير مما يؤكد أنها عناصر جيدة إن لم تكن نادرة.

إفريقيا نموذجا

من المهم قبل عرض الإستراتجيات المقترحة لمواجهة هجرة الكفاءات الإفريقية، توضيح حجم تلك الظاهرة في إفريقيا لما تمثله من خصوصية وأهمية لتلك القارة، فمن بين 150 مليون مهاجر في العالم، تشير التقديرات إلى أن أكثر من 50 مليون منهم من الأفارقة.

وفقدت القارة الإفريقية نحو ثلث عمالتها من المهنيين المهرة خلال العقود القليلة الماضية، مما اضطرها لاستبدال وافدين من الغرب بهم بتكلفة تبلغ أربعة مليارات من الدولارات، وفقا لتقديرات البنك الدولي، وهو نفس ما أكده وزير التخطيط والتطوير الوطني في كينيا، حيث قال: "إنه من أجل سد الفراغ الذي خُلق بسبب نقص المهارات، تصرف البلدان الإفريقية حوالي 4 بلايين دولار سنويا بسبب استخدامها لـ 100000 أجنبي استعانت بهم من الخارج".

واستنادا إلى تقييم الخدمة الأمريكية بالكونجرس عام 1971/1972، فإن الولايات المتحدة كسبت 20000 دولار كل سنة عن كل مهاجر ماهر من العالم النامي، وفقدت إفريقيا وحدها، أكثر من 1.2 بليون دولار من الاستثمار على المحترفين الـ60000 الذين تركوا القارة بين 1985 و1990، وبمعنى آخر فإن المهني الإفريقي الذي يعمل في الولايات المتحدة يساهم في الاقتصاد الأمريكي بحوالي 150000 دولار سنويا.

وفي المقابل، تتكلف بعض الدول الإفريقية 100 ألف دولار لإعداد الفرد الواحد من الكفاءات المهاجرة، إذ إن المبعوث للحصول على الدكتوراه في الطب الإكلينيكي يكلف مصر مثلا 750 ألف جنيه؛ وبمعنى آخر فإن مصر خسرت 50 مليار دولار بسبب عمليات هروب الكفاءات؛ أي إن الغرب وعن طريق استقبال المهاجرين حصل من مصر على أكثر من ديونها له.

وفي جنوب إفريقيا، وصلت درجة التضرّر من الظاهرة حدا أثار مخاوف العلماء المهاجرين أنفسهم، وأدّى بهم إلى إطلاق مبادرة وطنية تسمى "شبكة مهارات جنوب إفريقيا" The South African Net Work Of Skills، وتدعو إلى جذب وتعاون المهارات الوطنية من العلماء الجنوب إفريقيين في جميع التخصصات وتجمع توقيعاتهم من أجل تبني فكرة العودة طواعية إلى البلاد.

وقد أدت الرغبة الحثيثة في مواجهة مشكلة هجرة الكفاءات وسلبياتها إلى ظهور العديد من الإستراتيجيات والخيارات المقترحة، فظهر نموذجان رئيسيان في هذا الإطار، "خيار العودة" و"خيار الشتات"، وظهر في إطار "خيار الشتات" ما بات يُعرف بإستراتيجيات "الاشتراك الافتراضي" و"الترابط الافتراضي".

خيار العودة

يقصد بـ "خيار العودة" تبني الإجراءات والإستراتيجيات التي يمكن أن تقنع المحترفين في الخارج بالعودة إلى أوطانهم كي يساهموا في التطوير هناك، ومن أبرز من تعرضوا لتلك الإستراتيجية Wisdom J.Tettey في دراسة له بعنوان "Africa's brain drain: exploring possibilities for its positive utilization through networked communities"، (وهي الدراسة التي اعتمدنا عليها بشكل رئيسي في تحليلنا)، وقد طُبقت تلك الإستراتيجية -أو ذلك الخيار كما يحلو للبعض أن يسميه- بالفعل في عدة مناطق ودول.

ومع أن هذا الخيار أخذ حيزا كبيرا من الاهتمام إلا أن الوضع الاقتصادي في الكثير من البلدان الإفريقية يجعل "خيار العودة" أمرا صعبا، فتلك الإستراتيجية تتطلب أموالاً هائلة لجذب الكفاءات المهاجرة في الخارج، ومثل هذه الأموال ليست متوفرة في بلدان القارة التي تعاني من حالة من الضيق المالي. علاوة على ذلك، فإن نفس العوامل الاقتصادية الاجتماعية التي كانت سببا في خروج الشتات (يُستخدم لفظ الشتات أحيانا للإشارة إلى المهاجرين في الخارج) من القارة ما زالت تسود في أغلب هذه البلدان.

وبالإضافة إلى أن عدم قابلية البلدان الإفريقية لدعم خيار العودة يعطي بُعدا آخر للمسألة، فإن العديد من المهاجرين الأفارقة الذين نجحوا في الخارج ليست لديهم الرغبة في العودة إلى إفريقيا.

وحتى بالنسبة لتلك الدول التي اتبعت "خيار العودة"، فمن الملاحظ أنه تم استخدامه بشكل انتقائي للمحترفين في حقول العلوم والتقنية والإدارة الاقتصادية، مع أنه من الصعب الاعتماد على هؤلاء وحدهم، لخلق التأثيرات المضاعفة للتطوير الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ولن يستطيع هؤلاء على أية حال، إنجاز الهدف المنشود بدون مساهمة من نظرائهم في العلوم الاجتماعية والإنسانية الذين يتمتعون بخبرات ضرورية لخلق بيئة التمكين التقني والتقدم الاقتصادي.

وبسبب هذه العقبات يرى فريق من الخبراء أن الترويج لعودة الإفريقيين أمر غير واقعي، خاصةً أن إفريقيا لا تملك من الوسائل والإمكانيات ما يمكّنها من احتواء العائدين.

خيار الشتات

يُقصد بهذا الخيار الاستفادة من المواطنين في الخارج بدون عودتهم بالضرورة إلى أوطانهم، ويقوم هذا الخيار على تجاوز موانع المسافات الطبيعية ودعوة الأفارقة للمساهمة في تطوير بلدانهم، بصرف النظر عن موقعهم الجغرافي.

ويعد Wisdom J.Tettey (إفريقي الأصل) من أبرز الخبراء الذين يدعون لتبني هذا الخيار أو تلك الإستراتيجية، حيث يبدأ أولا بنقد "خيار العودة" الذي يعتمد على فرضية أساسية هي أن "القارة الإفريقية ستكون أفضل حالاً لو أن كل أبنائها المهاجرين عادوا إلى القارة، للمُشاركة عمليا في تطويرها، ويرتبط ذلك أيضا بأن إفريقيا ستهتم بالآلاف من مواطنيها المتفرقين في شتى أرجاء الأرض، ولمدة طويلة". وتتجاهل تلك الفرضية أمرا قد يبدو بديهيا للكثيرين وهو أنه لا العلماء سيعودون للوطن للبقاء ولمجرد العودة، ولا الحكومات في إفريقيا، قادرة على دعوة هؤلاء العلماء للمساعدة في تطوير إفريقيا، ناهيك عن أنه لا العلماء ولا الحكومات في إفريقيا، يمكن أن يتنبئوا بالنتائج النهائية التي يمكن أن تتحقق في حالة عودة هذه الكفاءات من الخارج في ظل المناخ الحالي.

وعلى النقيض من ذلك، تتجلى جاذبية "خيار الشتات" الذي ينطلق جزئيا من مفهوم نظري يرى أن المهاجرين رأس مال بشري، وأن الهجرة إلى البلدان المتطورة ثروة محتملة لإفريقيا، على اعتبار أن هؤلاء الذين أصبحوا ثروة بشرية في الخارج لم يكن من الممكن أن يصبحوا على هذا المستوى (أي تزداد مهاراتهم وخبراتهم) لو كانوا في أوطانهم، ومن ثم فإنه ليس من الحكمة مطالبة هؤلاء بالعودة إلى أوطانهم في ظل مناخ غير مُواتٍ، ولكن من الأفضل التفكير في كيفية الاستفادة من هؤلاء وهم في الخارج، وخصوصا أن تحويلات هؤلاء المهاجرين تؤدي إلى تأمين المليارات من العملة الصعبة لبلدانهم الأصلية وتساهم في تحسين الوضع الاجتماعي، كما أن غالبية المهاجرين الأوائل كانوا من الشباب المتعطل تماما عن العمل، ونتج عن هجرتهم تخفيف الضغط عن سوق العمل واستخدام أفضل للموارد الإنتاجية، وبمعنى آخر فإن "بلدان المهجر للبعض كانت مجالا يبني فيه المرء نفسه ليكون جاهزا لميلاد اجتماعي جديد، وليعود المهاجر الناجح إلى موطنه كمواطن من طبقة أعلى يحوز الاحترام بثروته".

ومن الملاحظ أن المناخ الجديد في إفريقيا يشهد تصالحا مع الشتات الإفريقي، فـ "الشراكة الجديدة لتنمية إفريقيا" (NEPAD) والاتحاد الإفريقي (AU) اعترفا رسميا بالشتات الإفريقي كلاعب رئيسي في جدول أعمال تطوير القارة، وفي عام 2003، عدل الاتحاد الإفريقي دستوره لكي "… يُشجع الاشتراك الكامل للشتات الإفريقي كجزء مهم من القارة".

ويستند المؤيدون لتلك الإستراتيجية إلى أن التطورات في حقل تقنيات الاتصال والمعلومات يدعمان خيار الشتات، على اعتبار أن تلك الكفاءات وهؤلاء العلماء المشاركين في مبادرات التطوير أصبحوا من الممكن أن يعملوا عن بعد، فالإنترنت، على سبيل المثال، ييسر لهم الاتصال بل وبصورة أسرع من ذي قبل، ويساعد على تقليل النفقات، وبمعنى آخر، فإن تقاطع "التقدم الهائل في تقنية المعلومات" مع "خيار الشتات' يسمحان لإفريقيا بتحويل "استنزاف العقول" أو هجرة الكفاءات إلى "مكسب للعقول"، أي من مشكلة إلى ثروة محتملة.
 
فيمكن عبر الإنترنت التقاء الأطراف الموجودين في الخارج مع نظرائهم في الداخل، وتصميم المشاريع والبرامج العملية ومساندة المحترفين المحليين في التطوير، وهناك أمثلة فعلية في الفلبين والهند على الجمع بين "خيار الشتات" و"تقنية المعلومات"، أما في إفريقيا، فإن ECA و IDRC  يقومان بمبادرة تهدف لجمع المحترفين الأفارقة في الداخل والخارج للعمل في المشاريع المختلفة التي يمكن أن تمكن القارة من تحسين مركزها الاقتصادي والاجتماعي والتقني، وقد أثبت برنامج الأمم المتحدة الإنمائي "المعرفة عبر المواطنين المغتربين" (Tokten) إمكانية تحويل المعرفة إلى أكثر من 30 دولة نامية من خلال خدمات الخبراء الوطنيين المغتربين وعبر قيام هؤلاء بمهام قصيرة الأمد في أوطانهم.

وضمن خيار الشتات يمكن الاعتماد على إستراتيجيتين أولهما إستراتيجية "الاشتراك الافتراضي أو العملي"، وثانيهما إستراتيجية "الترابط الافتراضي أو العملي "، وهو ما تعرض له بالتفصيل Ainalem Tebeje في مقالة له بعنوان:

"Brain Drain and Capacity Building in Africa"، حيث عرّف "الاشتراك الافتراضي"، بأنه "الاشتراك في بناء أمة بدون انتقال طبيعي"، أي تشغيل الشتات الإفريقي في الخارج في جهود التطوير في الداخل الإفريقي، وهو ما يحقق عددا من الأهداف، على رأسها الاستفادة من المثقف غير المستغَل والحصول على مساهمة مادية من الشتات الإفريقي، علاوة على ذلك، فإن "الاشتراك الافتراضي" سينمي الوعي بين الشتات الإفريقي وسيدشن مسئولية اجتماعية لديهم للمُساهمة في جهود تطوير إفريقيا".

أما "الترابط الافتراضي" بين مواهب الشتات، فهو عبارة عن "شبكات لا ربحية وغير سياسية ومستقلة تسهّل نقل المهارات وبناء القدرات"؛ حيث يُساهم المهاجرون من خلال الشبكات الافتراضية، كعلماء زائرين، وبالاستثمار في الشركات، وفي الأعمال المشتركة بين الدول عن طريق إرسالهم من البلدان المضيفة إلى أوطانهم الأصلية.

الإرادة السياسية

لا شك أن حركة الشتات الصاعدة يمكن أَن تصبح أكثر نشاطا في جُهود تطوير إفريقيا، في ظل وجود الإرادة السياسية الواعية بأهمية مساهمة الشتات المحتملة، فبالرغم من أن العديد من الجاليات لها مساهماتها المهمة في بلدانها الأم، فإن تلك المساهمات كانت عموما فردية وشكلية، ولم ترتقِ لتصبح جهودا وطنية أَو قارية منسقة.

وقد انطلقت دعوات كثيرة في الفترة الأخيرة تطالب بوضع خريطة أو كشاف شامل للطاقات الإفريقية الموجودة في بلاد الشتات، وكذلك إنشاء مؤسسة إفريقية مستقلة للكفاءات غير تابعة لدولة ما، ترتكز على قاعدة بيانات دقيقة تمكّن من الاتصال بالمهاجرين وربطهم ببعضهم البعض، إضافة إلى الاستعانة بهم في التدريس الجامعي وإجراء البحوث والدراسات الفردية والمشتركة والاستشارات ومشاريع التنمية، كما يمكن الاستفادة من تلك الكفاءات المهاجرة عبر دعوتها للمشاركة في المؤتمرات والندوات في الوطن الأم.

وقبل ذلك، علينا أن نوقن أن أي علاج أو أي جهود تُبذل من أجل تجاوز الآثار السلبية لظاهرة هجرة الكفاءات -سواء كانت آثارًا سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو علمية- ينبغي أن تبدأ بالقضاء على الأسباب التي دفعت تلك الكفاءات للهجرة إلى الخارج، وعلى رأس تلك الأسباب مناخ البحث العلمي غير المواتي والأوضاع الاقتصادية المتردية والسياسية غير المستقرة والتي يتم في إطارها انتهاك أبسط الحقوق الإنسانية.


(*)- مدير وحدة الدراسات الاستراتيجية بمركز البحوث والدراسات "عرب المستقبل".

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات