English

 

الخميس. أغسطس. 30, 2007

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » تركيا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

هوامش على المشهد التركي

د. مجدي سعيد

Image
عبد الله جول
يستدعي المشهد السياسي التركي الذي تجلى بانتخاب وزير خارجية حزب العدالة والتنمية عبد الله جول رئيسا للجمهورية وقفة أمامه، وإلقاء الأضواء والظلال حول ما أثاره هذا الفوز من موجة عارمة للفرحة في الأوساط الشعبية العربية تجلت في تعليقات الجماهير على الخبر في الموقع الإلكترونية، وما أثارته تلك الفرحة من لغط وجدل حول إسلامية العدالة التركي أو علمانيته؛ وهو الأمر الذي لا بد وأن يثير عددًا من الصور الذهنية التي تستحضر في خلفيتها المشهد السياسي العربي متجليا في الأحزاب والحركات الإصلاحية العربية والتي لا ترقى في كثير من مظاهرها إلى مستوى المشهد التركي، وفي هذه العجالة نحاول أن نستقرئ التجليات الحقيقية للمشهد التركي الجديد بعيدا عن العواطف، وبعيدا عن جدل علمانية حزب العدالة أو إسلاميته.

السياسة بين الواقعية والطوباوية

أيا ما كان حزب العدالة: إسلاميا أم علمانيا محافظا فلا شك أنه يرتكز على مجموعة من القيم والمبادئ الإنسانية والديمقراطية ويحتكم إلى أسسها الحقيقية، بدلا من الاحتكام إلى أسس مشوهة تستصحب الاستبداد والفساد والإقصاء والاستبعاد كما تطبقها الأنظمة العربية التي تستند إلى العلمانية صراحة أو تتسربل بأثمال دينية لا تستر عوراتها؛ فحزب العدالة التركي قد فهم الواقع وتحدياته الداخلية والخارجية، وفضل أن يحاكمه ويحكمه ويصلحه بأساسياته استنادًا إلى فقه للواقع لا يكتفي بفهمه دون العمل به، وفقه للأولويات والموازنات والمصالح والمفاسد يحاول أن يحيل واقع الأزمة، وأزمة الواقع إلى فرصة للخروج إلى باحة الحرية والنهضة والتنمية الحقيقية لبلاده. أما السلف الأربكاني للعدالة، والمثيل العربي لهذا السلف فيفضل أن يرتكن إلى الوسائل أكثر من أن يبحث في ضياع الغايات، ويحترم الشعارات واللافتات أكثر مما يحترم الجواهر واللباب والذي هو في الأساس قيمي وأخلاقي وإنساني، وليس دينيا طائفيا عنصريا ضيقا.

واقعية المشهد التركي في ظل العدالة والتنمية تفرض أن نقرأه قراءة سليمة لا تفرط في الآمال والطموحات الجماهيرية والتي تذكرني في فرحتها بفرحة جماهير الكرة وهي تشاهد فريقها يحرز هدفا في الخصم، لكنها لا تدرك أن المباراة ما زالت طويلة وأن "جول" العدالة لا ينفي أن يسدد الآخرون أهدافا، فما زالت هناك مسافات طويلة بين دنيا الأحلام على قمم أقصى المرتفعات وبين واقع ما زال ينوء بمشكلات وتحديات جسام.

بين الواقعية وادعائها

لعل حديثنا حول واقعية المشهد التركي، سواء في مرتكزاته أو في مستقبله يستدعي منا أن نفرق بين واقعيتين، واقعية الفقه وواقعية الانبطاح، ومبعث تلك التفرقة هو ادعاء فريق من ساسة العرب أنهم إنما يتعاملون مع الواقع المحلي والإقليمي والدولي بواقعية تفرضها موازين القوى وتوازنات المجتمع ويتخذون من واقعيتهم المدعاة تلك تكأة ينطلقون منها إلى المزيد من تردية الواقع والعمل على اضمحلاله أكثر فأكثر، ليس فقط على المستوى السياسي، ولكن أيضا على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والقيمي؛ وهو ما يؤدي في نهاية الأمر إلى مزيد من استحالة تغيير ذلك الواقع ولسان حالهم في هذا يشبه لسان حال صناع الفن الهابط الذين يرتكنون إلى أن "الجمهور يريد ذلك"؛ فواقعية هؤلاء إن صحت التسمية تتخذ سلم الواقع مهبطا إلى أسفل الدرك ملبية كل ما يمليه عليها سادة ذلك الواقع، وما تستدعيه رغباتهم في مصمصة عظامه أو "لصلصة" موارده، أما واقعية حزب العدالة فتتخذ من ذلك السلم درجات ترتقي من خلالها في واقعها على مختلف الأصعدة، ولا تقفز على ذلك الواقع أو تطير محلقة مغمضة العينين عنه؛ فهي واقعية تضيف إيجابيا إلى الواقع ولا تخصم منه، وفرق كبير بين هاتين الواقعيتين.

بين الإستراتيجية ورد الفعل

فارق آخر بين المشهد التركي والمشهد العربي الساعي للتغيير والخروج من المأزق، هو أن الكيان السياسي التركي متمثلا في حزب العدالة قد ارتكن على ذلك الفهم الواقعي لوضع إستراتيجيته للتعامل معه ومعالجة متقلباته، ومطباته ومفاجآته، والتعامل مع التحركات المحتملة للخصم وخططه وإستراتيجياته المضادة، أما الجسد السياسي العربي الساعي للتغيير فلا أظن أن استقراء الأفعال والأقوال يدل على أن لديه إستراتيجية أو عقلا إستراتيجيا جمعيا يحلل ويدرس ويفهم ويضع الخطط والخطط البديلة، بل إن تصرفاته في عالم السياسة هي أقرب إلى ردود الأفعال منها إلى الأفعال، ردود الأفعال التي تسرف في التفاؤل ونسيان الواقع إذا تمت مواربة الأبواب أمامها لتدخل إلى الفخاخ المنصوبة، وتسرف في التشاؤم ولعن الظلام والتأرجح بين العجز والعنترية إذا ضيق عليها الخناق، وكأنها لم تكن تتوقع من المستبدين والمفسدين في الأرض أن يستبدوا وأن يفسدوا، ببساطة فإن هناك فارقا بين فن التعامل الإستراتيجي مع الواقع لمعالجة سلبياته، وبين دروشة أو عنترية اقتحامه دون أساسيات إستراتيجية للتعامل والمعالجة.

بيئة مجتمعية خصبة وواعية

وحتى لا نكون ممن استبدلنا الفرح العاطفي بالفرح العقلاني بالمشهد التركي فإننا لا بد أن نعترف بالمميزات والشروط التي منحت فرصة لتشكل ذلك المشهد:

- أولا أن الأرضية الشعبية التركية متعددة ومتنوعة بحكم الحرية التي يتمتع بها المجتمع إلى حد كبير؛ ففي تركيا مجتمع مدني حقيقي، وصحافة حقيقية، وأحزاب حقيقية، وانتخابات حقيقية، صحيح أن هناك قيودا تفرض على المجتمع وصحافته وأحزابه وانتخاباته، مما ينغص على تلك التعددية والتنوع ويعكرها، إلا أن ذلك لا ينسف تلك الأرضية إلا في حالات استثنائية يرى المحللون أنها صارت أقل إمكانية في تكرارها.

- ثانيا أن القوى الاجتماعية والسياسية الساعية إلى التغيير والإصلاح وهي قوى طبيعية في أي مجتمع إنساني تتمتع بنفس درجة فهم الواقع ومعالجته والتعامل معه بشكل إستراتيجي، وتتوزع على ممتد طيفي متعدد الألوان وتتعدد فيه درجات كل لون منها وهو ما يثري ذلك الواقع ويجعله صلبا بدرجة أكبر من صلابة مجتمعاتنا العربية التي سلبت منها مقومات حياتها التعددية الحقيقية وصارت تعدديتها وتنوعها في الأغلب من النوع الديكوري والفلكلوري

- ثالثا أن المشهد السياسي التركي له مرجعية قانونية يحتكم إليها، بها بعض المنغصات والمضيقات والمظالم.. نعم، ولكنها تظل مرجعية على أي حال، بدلا من مرجعية الهوى السياسي للملك أو الأمير أو الجنرال التي تحكم المشهد السياسي العربي

- رابعا أن محصلة ذلك أنك ترى الشعب التركي يمارس الاختيار السياسي والمجتمعي بنفس الحماس الذي يمارس به تشجيع الفرق الرياضية والممارسات الفنية

- أما المشهد السياسي/ المجتمعي العربي فقد فقدت فيه الجماهير العربية "ثقافة" ممارسة الحرية والتعددية أو بهتت فيه تلك الثقافة، لطول عهود الفساد والاستبداد التي عاشتها، كما تلونت وفقدت الكثير من القيم والمعاني فيه نبلها لكثرة ما انتهكت واستغلت وذلك حين لبست فيه جميع ألوان الثعالب جميع ثياب الناصحين، ومن ثم صار حماس الجماهير العربية للكرة والفن الهابط "الواقعي" يبدو وكأنه أكثر من حماسها لممارسة حريتها واختياراتها السياسية والمجتمعية.

المستقبل رهن بمتغيرات كثيرة

في ختام تلك الهوامش العاجلة التي توحي بها قراءة المشهد لعلنا نؤكد على أن فوز عبد الله جول في انتخابات الرئاسة ربما لن يغير في الواقع التركي كثيرا بالشكل الذي تتمناه الجماهير العربية له، لكنه بلا شك خطوة أو درجة في سلم طويل يرتقي عليه حزب العدالة والتنمية ويرتقي عليه المجتمع التركي كله، لكنها أيضا درجة ليست ولن تكون مفروشة بالورود أو محاطة بأقواس النصر إلا بقدر ما يسمح وعي النخبة والجماهير التركية بتجاوز المطبات والأفخاخ التي ستنصب له في الظلام أو في وضح النهار لتعرقل مسيرته.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات