English

 

الاثنين. أغسطس. 27, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » الخليج العربي

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

"تسونامي" العقار الأمريكي على الشواطئ العربية

أحمد حسين الشيمي

Image
شهد الاقتصاد العالمي أزمة حرجة جراء ما يتعرض له القطاع العقاري في الولايات المتحدة من نقص القروض المرتبطه به، تلك الأزمة التي لم تقتصر على الأسواق الأمريكية وحدها بل أصبحت ككرة الثلج التي تتحرك عبر القارات، لتضرب أسواق المال العالمية من شماله إلى جنوبه لتلحق بها خسائر فادحة، مما يشكل  تهديداً لاقتصاديات كل الدول، عبر مسيرة قطار العولمة الأمريكية الذي يجوب كل المحطات العالمية، ناقلاً معه تداعيات وآثارا متباينة من دول لإخرى، ليتابع الجميع باهتمام بالغ ما ستؤدي إليه هذه الأزمة المستمرة.  

جوهر الأزمة

مثلت الفترة الممتدة بين عامي 2001 و2005 ذروة ازدهار القطاع العقاري الأمريكي، والتي دفعت بمعظم الأفراد والمؤسسات نحو الحصول على القروض العقارية إثر توقعاتهم بدوام معدلات النمو المستقبلية، لتتسابق مؤسسات الإقراض على توفير التمويل المطلوب، مما حدا في الفترة اللاحقة إلى لجوء "لجنة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي للسوق المفتوحة" إلى رفع أسعار الفوائد ضمن سياسة نقدية متشددة لكبح جماح ارتفاع مستويات الأسعار والحفاظ على مستوى مقبول من التضخم، فارتفعت أسعار الفوائد من 1% أوائل عام 2004 إلى 5.25% حالياً.

إلا أن هذه السياسة لم تؤت ثمارها كاملة حيث أدت زيادة أسعار الفائدة إلى ارتفاع مقابل في الاقساط المستحقة على المقترضين في سوق الرهن العقاري الثانوي -الذي يضم العملاء حديثي الاقتراض الذين لا يملكون سجلاً ائتمانياً جيداً لدى البنوك- وعدم قدرتهم على دفع هذه الأقساط المستحقة أو إعادة جدولة القروض أو الاقتراض مجدداً لسداد الأقساط وما ترتب عليها من فوائد، ليرتفع معه عدد القروض المتعثرة بشكل ملحوظ، ويدفع ذلك البنوك إلى احتجاز الضمانات المرهونة.

ويشكل هذا السوق الثانوي -الذي يقدره البنك المركزي الأمريكي بنحو 100 مليار دولار-  جوهر أزمة الرهن العقاري، خاصة مع إقدام معظم المتعاملين فيه إلى بيع منازلهم مع ارتفاع أسعار المنازل بنحو 30%، وتعثروا عن السداد مما أحدث قروضا متعثرة للبنوك الاستثمارية والشركات المالية تقدر بنحو 100 مليار دولار أيضا، مما أدى إلى تراجع أسهمها في أسواق المال الأمريكية، لتهبط بمجمل الأسواق الأمريكية، التي قادت بالتالي إلى تراجع البورصات في آسيا وأوروبا، نتيجة وجود بنوك عالمية قامت بإقراض بنوك أميركية.

ومما يزيد المخاوف من استمرار هذه الأزمة لفترة ليست قصيرة ما تضمنه تقرير لوزارة التجارة الأمريكية، صدر متزامنا مع الأزمة حول حالة الضعف في القطاع العقاري الأمريكي، حيث أشار إلى أن نشاط تصاريح البناء، وهو مؤشر على خطط البناء في المستقبل، قد تراجع إلى أدنى معدلاته في عشر سنوات، وتراجع مؤشر الجمعية الوطنية للبنائين في أمريكا نقطتين إلى 82، ليمثل ذلك أدنى مستوى له في أكثر من 61 عاما.

وفي هذا السياق أعرب العديد من المراقبين والخبراء عن اعتقادهم بأن بيانات قطاع الإسكان في الولايات المتحدة تتجه من سيّئ إلى أسوأ، لا سيما في ظل الهزات المتتالية التي تعرضت لها أسواق الأسهم الأمريكية خلال الأشهر الماضية، بسبب تراجع أسعار أسهم المؤسسات المالية وشركات التجزئة التي واجهت زيادة في حالات التخلف عن سداد القروض العقارية، وأن مزيداً من الضعف في أوساط المقترضين سيكون من شأنه أن يبطئ الاقتصاد الأمريكي.

في حين يرى آخرون أنه لا يزال الوقت مبكرا على الحكم نهائيا على تلك الأزمة العقارية، خاصة أن قضية أزمة الرهن العقاري الأمريكي بدأت في الربع الرابع من عام 2006 بانخفاضات بسيطة على قطاع المساكن والرهونات العقارية عالية المخاطر، في حين بدأت الأزمة تتضح للمجتمع الاقتصادي الدولي خلال الفترة القصيرة الماضية.

محاولات احتواء 

إزاء هذه الأزمة الطاحنة سارع بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بضخ حوالي 68 مليار دولار لدعم جهازه المصرفي، بينما قام البنك المركزي الأوروبي بضخ أكثر من 185 مليار يورو على دفعات، وقام البنك المركزي الياباني بضخ حوالي 600 مليار ين ياباني، وتهدف هذه الخطوات لضمان استمرار تدفق سريان الأموال في شرايين النظام المالي العالمي ومنعه من الانهيار، كما تعهد البنك المركزي الأميركي بضخ أي كمية تحتاجها الأسواق من الأموال، وأكد بيان الإدارة الأمريكية على أن كبير مستشاري الرئيس للشؤون الاقتصادية يتابع الأزمة عن كثب.

ومن جانبه قام البنك المركزي الفيدرالي الأمريكي بخفض سعر الصرف من 6.25 إلى 5.75 %، وهو ما يعني تخفيض سعر الفائدة للبنوك والمؤسسات المالية بنفس النسبة السابقة، في محاولة لايجاد مصدر اقتراض بديل وقصير الأجل لتلك البنوك والمؤسسات، وكذلك زاد من فترة سداد هذه القروض إلى 30 يوما.

إلا أن هذه الخطوات لم تحقق الهدف المرجو منها، خاصة مع دخول الأزمة في منعطف جديد تمثل في إعلان بنوك أوروبية عن تجميد صناديقها العاملة في تلك السوق، منها قرار بنك "بي.ان.بي باريبا" أكبر البنوك الفرنسية المدرج في البورصة تجميد أنشطة ثلاثة صناديق تبلغ قيمة الاستثمارات فيها 1.6 مليار يورو، وأشار أن مشكلات الائتمان العقاري عالي المخاطر في الولايات المتحدة أدت إلى تراجع سريع في قيمة الصناديق الثلاثة من  2.075 مليار يورو يوم 27 يوليو الماضي إلى 1.593 مليار يورو في السابع من أغسطس.

بعيداً عن الخطر

في إطار التداعيات السلبية لتلك الأزمة لا تزال البورصات العالمية تشهد حالة من الاضطراب لتواصل أسواق المال تراجعها، رغم التدخل السريع والجماعي للبنوك المركزية، وتأكيد صندوق النقد الدولي على إمكانية احتواء كل ما ترتب على هذه الأزمة.

وعلى صعيد البورصات العربية فإنها شهدت حالة من التذبدب والاضطراب أيضا، لكنه أقل حدة عن غيرها من البورصات العالمية، لتبتعد مبدئيا عن مخاطر أزمة الائتمان العالمي، حيث أشار تقرير البنك الاستثماري "هيرميس" إلى أن تدني الاستثمارات الأجنبية يحصن الأسهم الإماراتية والخليجية تجاه التقلبات العالمية، مؤكداً أن الأسهم العربية بما فيها أسهم دول مجلس التعاون وأسهم الإمارات رغم أنها أكثر انفتاحا على الاستثمار الأجنبي في أسواقها المالية، هي الأقل تأثراً بين أسواق الدول النامية بالأزمة العالمية الناتجة عن خسائر سوق الائتمان الأميركي.

وأضاف التقرير أن أسواق السعودية والكويت والمغرب قاومت انعكاسات تراجع الأسواق العالمية، الأمر الذي يرجع الفضل فيه بالدرجة الأولى لانخفاض استثمارات المؤسسات العربية في هذه الأسواق إلى أدنى الحدود قياساً باستثماراتها في بقية الأسواق العالمية.

وبالإضافة إلى تدني الاستثمارات الأجنبية في الأسواق العربية فإن البنية الاقتصادية وهيكل الأجهزة المصرفية العربية تختلف تماماً عن مثيلتها في الولايات المتحدة وأوروبا مما يجعلها بعيداً بعض الشيء عن خط الأزمة الحالية، حيث تضع البنوك والشركات إجراءات مشددة لمنح الائتمان مع اشتراط توفر ضمانات عينية كافية، هذا علاوة على عدم تعمقها في أسواق المشتقات المالية وإصدار المنتجات المالية المبتكرة والتي كانت إحدى الأسباب الرئيسية في تفاقم هذا النوع من أزمات التمويل.   يأتي ذلك في الوقت الذي يحذر فيه الخبراء والمحللون من ارتفاع تكاليف الاقتراض من السوق العالمية، الأمر الذي قد يقود إلى إبطاء عمليات الاستحواذ التي تقودها حكومات وصناديق خليجية لشركات وأصول دولية، وألقى ذلك بتأثيراته السريعة على الأسواق العالمية كافة جراء إقبال المستثمرين على التخلص من الأسهم.

تأثيرات سلبية

يمتد التأثير السلبي لهذه الأزمة إلى أسواق صرف العملات، لا سيما أن تفاقمها يؤدي إلى إمكانية تعرض أسعار صرف الدولار إلى مزيد من التراجع بقوة، خاصة إذا ما منيت البنوك وصناديق الاستثمار بخسائر كبيرة في ارتباطها بانخفاض في سعر صرف الدولار مقابل العملات الأخرى، مما يشكل خطراً بالغاً على أسعار صرف عملات الدول الخليجية النفطية ويكبدها خسائر فادحة، بالنظر إلى أنها تشتري معظم معداتها وآلياتها بعملات غير الدولار، بينما مدخولاتها من النفط تقيم بالدولار.

بيد أن هناك سيناريوهات أخرى محتملة خاصة في ظل تأكيد عدد من الخبراء على أنّ الأزمة لا تزال في بدايتها، مع توقعات بأن يزداد تأثيرها على الاقتصادات العربية والخليجية منها بصفة خاصة في الفترة المقبلة، نتيجة انخفاض استثماراتها بالخارج لانخفاض الطلب على الأصول المالية في الأسواق العالمية بسبب نقص السيولة، شأنها شأن معظم دول العالم، إلى جانب شراكة العالم بأسره فيما يحدث للاقتصاد الأميركي.

كما قد تدفع هذه الأزمة إلى  تغيير في توجهات الشركات العقارية والبنوك الخليجية للتقليل من المشاركة في قطاع الإسكان المحلي، مما يؤثر سلباً على الاستثمار العقاري الذي شهد في الفترة الأخيرة نمواً ملموسا، بلغت معه قيمة المشروعات العقارية خلال الخمس سنوات الماضية نحو 500 بليون دولار أي ما نسبته أكثر من 1.5% من حجم المشروعات العالمية.

وهكذا تتباين السيناريوهات والتوقعات المحتملة لتأثيرات تلك الأزمة، إلا أن المؤكد حدوث تداعيات سلبية على النمو الاقتصادي العالمي ككل، بسبب انكماش متوقع في سوق الإقراض العالمي، وبهدف الحفاظ على استقرار أسعار صرف العملات الرئيسية وتوازن أداء الأسواق المالية والأجهزة المصرفية، ولن تكون الاقتصادات العربية بمنأى عن تلك التداعيات السابقة، ليفتح الباب أمام كل الاحتمالات لأزمة يصعب التكهن بموعد انتهائها!! 


باحث سياسي.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات