|
مشعل وهنية.. هل يخرقان الحصار في الخارج والداخل |
بعد مضي شهرين على ما جرى في قطاع غزة يبدو جليًّا مدى وعمق ما آلت إليه الأمور؛ فكل يوم يمضي يتعمق فيه الشرخ وتتعزز فيه المسئولية الملقاة على عاتق حماس، وتزداد الهوة بين رئاسة السلطة والحركة، كما ذهبت الرئاسة بعيدًا في تعاطيها مع الحدث ومعالجتها لذيوله، ومن الواضح أن حلفًا يتعزز في مواجهة حماس، ويلتقي مع أجندة خارجية تقضي باستبعاد حماس من المشهد أو احتوائها و(تهميشها)؛ فما هي الإمكانات المتاحة بين يدي حماس لتنفيذ رؤاها المستندة إلى برنامجها الذي انتُخبت على أساسه؟ وما هي خياراتها، وإلى أين تتجه، وعلى ماذا تراهن؟
أوراق القوة بيد حماس
ما من شك أن لدى حماس بعضًا من أوراق القوة التي يمكنها التعويل عليها، وليس في صالح الآخرين تجاهلها. فليس صحيحًا أن الحركة تعيش ضعفًا أمام الأزمة التي نشأت في القطاع، فلربما كان سر قوة البعض في (ضعفه)، كما تعلم كل الأطراف أن حشر حماس بما تملكه من قوة في الزاوية سيعود على تلك الأطراف بالضرر، وإذا ما فعّلت الحركة من أوراقها -على قلتها- في وجه الآخرين فإن هذا من شأنه (قلب السحر على الساحر)، ولن تقوى كل قوى المنطقة حينها على تطويق التبعات بشكل يوفر لها الاستقرار، ولتقدير مدى جدية ما نحن أمامه يجدر الوقوف على طبيعة هذه الأوراق.
"نمذجة القطاع"
بحكم مسئوليتها وسيطرتها على قطاع غزة يمكنها ولو على المدى البعيد بناء نموذج أمني واجتماعي وديني وحتى اقتصادي تحرري، يقارن الجمهور الفلسطيني والعربي بينه وبين ما كانت عليه أمور القطاع في ظل سلطة فتح، وهذا يقتضي من حماس انفتاحًا على الآخرين في الساحة الفلسطينية، وتحويل القطاع إلى (ورشة عمل تطبيقية) يديرها الخبراء والمهنيون والمهرة من كل ألوان الطيف إلى جانب السياسيين، وعدم الركون إلى السياسيين فقط في بناء البلد، وهنا تبرز أهمية تكريس حالة الانضباط الأمني وعدم التهاون مع أي من مظاهر الفلتان أو من يخطّطون أو يفكرون بالرجوع إليه، وهذا بالضرورة يعني تكريسًا لواقع الانقسام وهو ما لا يضر على المدى القريب بالمشروع الوطني التحرري بل ربما يؤكده ويغذيه، عبر تصحيح المسار وإعادة بناء المنظومة الفلسطينية بالشكل الذي يمكنها من الصمود في وجه المؤامرات ويجعلها كلا متماسكًا مقاومًا.
دفع غزة إلى حاضنة مصر إنسانيا
وهذا يقتضي الجد في دفع مصر إلى تحمل مسئولياتها في رفد القطاع باحتياجاته المادية وغير المادية -أو على أقل تقدير- تسهيل مرورها، والضغط في الوقت ذاته نحو إلغاء اتفاقية المعابر عمليا، والتي تعطي إسرائيل حق تعطيل الحركة من وإلى القطاع عبر معبر رفح وغيره دون وجه حق، وهنا لا بد أن تفهم مصر أنه من غير المقبول أن تشارك في الحصار المضروب على القطاع، وأن يموت جمهورنا الفلسطيني كرامةً لقرار إسرائيلي غير مباشر تنفذه مصر بالوكالة عن إسرائيل؛ فما معنى أن يُحشر الناس على المعبر على الرغم من الوضع الإنساني المتفاقم لمدة الشهرين؟ وما معنى أن تعزز مصر إجراءاتها الأمنية على الحدود مع غزة وعلى المعبر مخافة أن يمارس الفلسطينيون حقهم في العودة إلى القطاع أو الخروج منه؟ ولمصلحة من تقام منطقة أمنية بعمق 150 مترًا تُهدم فيها بيوت المصريين في رفح والعريش لتضييق الخناق على القطاع، تحت حجة منع التهريب، ونحن نعرف أن المقصود بمنع التهريب ليس تهريب المخدرات أو الحشيش بل أشياء أخرى من حق شعبنا تملّكها بكل السبل؟.
والمشكلة أن حماس بتشكيلاتها العسكرية ستكون محرجة مع النظام المصري إذا ما لجأت إلى فتح المعبر عنوة، حفاظًا على شعرة معاوية مع النظام المصري الذي تم تجنيده إلى جانب رئاسة السلطة لإسقاط حكومتها في غزة؛ فحماس غير معنية بقطع صلاتها مع مصر لاعتبارات كثيرة، لذلك ليس أمام حماس وسائر الفصائل الفلسطينية إلا تفعيل الخيار الجماهيري كي يلعب هذا الدور، وفي هذه الحالة يمكن تسيير مسيرات جماهيرية بعشرات الآلاف نحو الحدود مع مصر، ونحو معبر رفح مصطحبين معهم الجرافات لممارسة حقهم في كسر الحصار وخرق الجدار والحصول على قوت عيالهم.
أما حكومة هنية فينبغي رسميًّا أن تسمح بالتظاهر السلمي وأن تضمن حق الناس في التعبير عن رفضهم للحصار ورفضهم لموت أقاربهم على المعبر كرامة لعيون إسرائيل، ولها كذلك حق الممانعة الشكلية للصخب المرافق لهذا الحق. لكن أحدًا لا يمكنه منع الناس أنفسهم عندئذ من اقتحام المعبر، وهدم الجدار، وممارسة حق الدخول والخروج إلى مصر بكل أريحية ودون تضييق يذكر.
صحيح أن ذلك يعني فيما يعنيه ربما سقوط ضحايا على أيدي حرس الحدود المصريين لا سمح الله.. إلا أن المقابل متمثلاً في الحرية والعيش الكريم يستحق من الفلسطينيين الكثير، وهذا سيحرج المصريين وسيجبرهم على التحرك لوقف هذا المسلسل المهين من الحصار بأنواعه وسيدفعون بعباس للحوار كي لا تصبح غزة مسئولية مصر بحكم الأمر الواقع.
إن السبيل للتعبير عن انفجار الغضب الذي يختزن في نفوس الغزاويين هو نحو إحدى الدولتين إما إسرائيل وهذا من غير المرجح إستراتيجيًّا في هذه المرحلة لما لذلك من تبعات خطيرة وبعيدة المدى، وإما باتجاه مصر وهذا أقل كلفة وأكثر معقولية، فمن غير الممكن قبول أن يقف الفلسطينيون يستجدون من إسرائيل لقمة خبزهم وقطرة مائهم عبر المعابر وفي المقابل يقف النظام السياسي المصري محاصرًا ومتفرجًا وسلبيًا وجماهير غزة مكتوفة الأيادي.
صحيح أن للسياسيين حساباتهم لكن هذه الحسابات ينبغي ألا تلغي حق الجماهير وإمكانية اللجوء إليهم للمطالبة بحقوقهم الإنسانية من مصر الشقيقة وتحمل مسئولياتها إزاء تلك الحقوق.
خيار المقاومة
ينبغي التعاطي مع أداة التحرر هذه بشكل سياسي وتكتيكي متفوق وحساس؛ فالقطاع حاليا غير مؤهل لخوض المواجهة الشاملة بما يمتلكه من وسائل محدودة الأثر والفاعلية والمدى، وانعدام الحد الأدنى من الغطاء الرسمي المحلي أو الدولي، وهو فاقد للأهلية العسكرية أيضًا أمام المخططات التي تهيّئ لها إسرائيل؛ فلدى إسرائيل عندما تحين اللحظة المواتية مخطط لسحق المقاومة في غزة بكلفة صهيونية معقولة تدفعها لقاء تأسيس مستقبل أكثر استقرارًا حسبما يخططون، وبإمكانهم كما تؤكد التقارير استغلال هذه المرحلة المناسبة دوليًّا ومحليًّا لتوجيه ضربات قوية ضد حماس؛ فالوضع السياسي الفلسطيني الداخلي (مناسب)، كما أن المجتمع الدولي شاهد حماس (تنقلب على شعبها وعلى السلطة ذاتها وعلى الديمقراطية)، والعرب لن يوفروا غطاء رسميًا يحول دن ذلك، هذا ما أكده تقرير لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية مؤخرًا، والذي رأى أن الفرصة سانحة لضرب حماس وشن عملية عسكرية واسعة النطاق على القطاع.
إذن ينبغي التصرف بحذر وذكاء وعدم السماح بجر الحركة إلى مواجهة مكشوفة ومفتوحة مع إسرائيل، والبحث في ذات الوقت عن وسائل أنجع وأجدى تحافظ على المقاومة من جانب وتحفظ غزة من جانب آخر من جحيمٍ يخططون له، أمام ذلك لا بد من تحويل غزة بكليتها، اقتصادها، تعليمها، إعلامها، نسيجها الاجتماعي، قواها إلى كيان مقاوم بالمعنى الواسع للكلمة، وحشد كل الخبرات والإمكانات لذلك، وتفادي المواجهة العسكرية واسعة النطاق وفقًا لدقات ساعة التوقيت الإسرائيلية، وتوقيت المقاومة في المقابل وفقًا للمصلحة الوطنية الفلسطينية بعيدًا عن المواقف الكلاسيكية التي يردّدها البعض.
أما على صعيد الضفة فالمعادلة تختلف فالمنطقة كلها تحت الاحتلال المباشر، وما دام الاحتلال قائمًا فالمقاومة بكل الطرائق مشروعة، كما أكدت معظم فصائل العمل الوطني؛ ولذلك فهي ترى أنه لا بد من استمرار المقاومة ولكن ربما بتكتيكات وإبداعات من نوع مختلف، وفي الوقت ذاته يتعين على تلك القوى المحافظة على إيقاع منظم ومسقوف للمقاومة بما لا يستدعي ردودًا إسرائيلية تطال القطاع أو عدوانًا واسعًا عليه أو على الضفة، وهذا يقتضي ضبطًا للفعل المقاوم على طريقة الاستنزاف طويل الأمد بما يديم القضية حية ويحافظ على فكرة المقاومة كحق مشروع، وهذه الورقة ينبغي تركيزها وتنسيقها وإعدادها للعمل في الوقت المناسب بالشكل والآلية الأنسب.
والرسالة المتوخاة أن من غير الممكن تمرير ما من شأنه الانتقاص من حقوق الشعب الفلسطيني مقابل الأمن للعدو، وإن وصول رسالة كهذه يعني أنه لا يمكن القفز على من يملكون القرار على الأرض وهم المقاومون.
الشعوب العربية والإسلامية
أما على صعيد الشعوب العربية والإسلامية وفي مقدمتها الاتجاهات الإسلامية والقومية الحية، فلا بد من تفعيل الدور العربي والإسلامي بما يتعدى بعض مظاهر التضامن السابقة. فمن غير المقبول أن يجوع شعب على تخوم مصر أو يموت جماعة من الناس قتلاً وجوعًا وقهرًا، وشعوبُنا وحركاتنا تكتفي برفع أكف الضراعة والبكاء في أحسن الأحوال، فلا بد من قيامها بما من شأنه رفع وزن هذه الحركات محليا ودوليا. كما أن التنسيق مع حركات المقاومة الإقليمية وبعض الأصدقاء الدوليين وفتح صداقات جديدة من شأنه تضييق الخناق على الخيار الأمريكي والإسرائيلي المقابل. وبهذا الصدد فإن حماس مطالبة بأن تشكل مجموعات اتصال دولية فضلاً عن أخرى محلية لذات الغاية، تكرس دورها على التواصل مع الحركات السياسية خارج الوطن، والشخصيات الفكرية والسياسية والإعلامية ووسائل الإعلام على اختلاف مسمياتها، لإبقاء الجميع في الصورة على حقيقتها ودفعهم لممارسة دور أكثر حيوية في دعم المشروع الوطني الفلسطيني أمام المشاريع الأخرى المغايرة.
إذا ضاق الوضع بالقطاع ووضع الناس في الزاوية، ولم تعد كل دعوات الحوار مجدية فلن يكون أمام حركة حماس بحكم مسئولياتها المستجدة إلا اللجوء إلى أوراقها، وبناء نموذجها وخوض غمار المواجهة مع محاصريها محليا وإقليميا ودوليا؛ لكسر دائرة الحصار وتجاوز تداعياته على الشعب والأرض والقضية؛ فهي مطالبة بالإجابة عن عديد الأسئلة التي تواجهها على الأرض والتي تشكل التحدي الأبرز في الميدان.
كاتب ومحلل فلسطيني.
|