|
| خريطة العالم الإسلامي |
كلمة "فوضى خلاّقة" تعني صناعة الفوضى لتنبثق عنها أوضاع جديدة، مرضية بالمنظور الأمريكي بطبيعة الحال. ومنذ ذلك الحين كان يُستشهد بهذه الكلمة على ما صنعته الحروب الأمريكية. ثم مع الأطروحات الشرق أوسطية سيئة السمعة، وتنقلها من أدنى وأوسط، وصغير وكبير، إلى شرق أوسط جديد، بدأ الربط بين هذا التعبير المصطنع عنوانًا، والفوضى الخلاّقة مضمونًا.
الهدم قبل البناء
الفوضى لا بد أن تكون هدّامة فكل ما يراد إيجاده -أو اختلاقه- يراد أن يقوم على أنقاض ما سبقه، ومعالم الهدم بمعاول الحرب الأمريكية الهوجاء باتت ظاهرة للعيان، وظهر معها أنها أبشع صورة عرفها تاريخ البشرية من عهد قابيل وهابيل إلى اليوم.
الهدم.. بتدمير العمران والبنى التحتية والمؤسسات الرسمية والقوات العسكرية والأمنية لبلدان بأكملها بذريعة الحيلولة دون أن تصبح دولاً مارقة بالمعيار الأمريكي، بغض النظر عن إدانة استبدادها أو عدم إدانته.
الهدم.. بقتل ما لا يحصى من البشر الأبرياء بأفتك أنواع الأسلحة "المتحضّرة" بذريعة ملاحقة من لا حصانة لهم من البشر، من المتمرّدين على المنظور الأمريكي، بغض النظر عن إدانة وسائلهم أو عدم إدانتها.
الهدم.. باغتيال إنسانية الإنسان بكل وسيلة وحشية وأدنى من الوحشية، بما في ذلك ممارسات التعذيب الهمجي دون حساب، لمن يختارهم زبانية التعذيب، بذريعة إرهاب من يمارس الإرهاب وفق المصطلح الأمريكي، بغضّ النظر عن الخلط المتعمّد بين قتل عشوائي ومقاومة مشروعة.
الهدم.. لكلّ ما لا يخضع للرؤية الأمريكية من العلاقات الدولية، بالتحرّك كالفيل في متجر للخزف، عبر أروقة منظومة القانون الدولي والمواثيق الدولية، بغض النظر عن مدى الانحراف في تطبيق مضامينها عبر العقود الماضية.
لقد تفوّقت مراكز صنع القرار الأمريكي المعاصر في ممارسة "الهدم الفوضوي" بالفعل على كلّ من سبقها في تاريخ البشرية على الطريق نفسه، بدءًا بالنمرود ونيرو، انتهاء بقتلة الهنود الحمر وقاذفي القنابل الذرية على هيروشيما وناجازاكي.
ولكن ماذا عن عملية "البناء" بعد الهدم؟.. ما الذي يمكن اختلاقه من قلب الفوضى الهدّامة الأمريكية؟.
لقد وجد صانع القرار نفسه في هذه الأثناء يترنّح وهو ما يزال يهدم، ووجد رفاق دربه يتساقطون خارج حدود بلاده وداخلها، واحدًا بعد الآخر، وهو ما يزال يتبجّح، وفي هذه المرحلة بالذات لا بدّ من وضوح الرؤية، واستشراف المستقبل المنظور، وحسن التعامل مع المعطيات الجديدة. لا سيما في المنطقة الإسلامية المستهدفة أكثر من سواها.
تحالف كالقشّة لإنقاذ الغريق
القفز فوق مراحل استكمال صناعة الفوضى إلى الشروع في اختلاق أوضاع شاذة جديدة، ظاهر للعيان في المنطقة الإسلامية في مواطن وأقطار عديدة، يمكن ذكر بعض الأمثلة عليها، وقد بدأت تتضح معالمها.
المثال الأول من باكستان، فقد قطعت صناعة الفوضى "الهدّامة" فيها أشواطًا واسعة النطاق، وباتت المخاوف كبيرة من انقلاب عسكري جديد، أو ثورة شعبية، أو تمرّد دموي، أو صدامات عسكرية - قبلية، أو خليط من ذلك كله لا يعرف أوله من آخره، ولمّا تنتهِ بعدُ مهمةُ مشرّف في ظل الحرب الأمريكية الجارية، عبر بلده وحوله، وبقبول منه أو رغمًا عنه، ولكنّ مشرّف انتهى سياسيًّا على افتراض أنه مارس ما يمكن وصفه بالسياسة فعلاً، وأصبح عاجزًا حتى عن حماية الجنود الأبرياء في الأصل، من الجيش الذي يعتمد عليه في الحكم، وعاجزًا حتى عن إعلان حالة الطوارئ، وعاجزًا أكثر من هذا وذاك عن البقاء في السلطة عبر "انتخابات" جديدة، مهما بلغت القدرة على توجيه نتائجها عبر صياغة شروطها وأساليب إجرائها، ناهيك عن تزوير محتمل، في غياب رقابة حقيقية وفعالة عليها.
مشرّف بات في باكستان كالغريق الذي يبحث عن قشّة بين الأمواج، فيجدها في بناظير بهوتو، العدوّة اللدودة التي أخرجها من البلاد، ولاحق حزبها وأتباعها، وإذا بتحالف ينشأ من قلب الفوضى الهدّامة، ويظهر من اللحظة الأولى تحالفًا هدّامًا مثلها، فالشريكة الجديدة والعدوّة السياسية القديمة، لا تملك داخل باكستان من شعبية أو تأييد، إلا شبيه ما يملكه مشرّف نفسه.. أي لا شيء.
لم تكتمل استعدادات الهدم بعد، وبتعبير أصحّ: عجزت القوة الأمريكية العظمى عن استكمال تلك الاستعدادات خلال وقت معقول، دام زهاء سبع سنين من عهد بوش الابن.
في باكستان تجاوزت الأحداث المخططات الأمريكية ومضت على غير ما اشتهاه وخطّط له صانعو القرار الأمريكي وجرجروا إليه حلف شمال الأطلسي بقضّه وقضيضه، وأسلحته وخلافاته. لقد بات الحديث يجري عن طالبان باكستان وليس طالبان أفغانستان فقط، والأخيرة التي قيل إنها دُفنت مع القاعدة في الأغوار الجبلية، كدفن من دُفنوا أحياء في جوانتانامو، أصبحت اليوم تتحدّى العدوّ الرابض فوق صدور الأفغان، بأضعاف قوّة ما كانت عليه قبل الغزو الأمريكي - الدولي، وأضعاف ما واجهه الغزو الروسي في أفغانستان من قبل، مثلما تحوّلت جريمة جوانتانامو الكبرى تاريخيًّا، من أداة قهر وتعذيب غير مسبوقة تاريخيًّا، إلى وصمة عار أمريكية كبرى في أعين العالم كله وفي أعين الأمريكيين أنفسهم، وبات التخلّص منها أشدّ صعوبة من ارتكابها.
ولذلك تأثيره الأكبر على باكستان التي انطلقت منها "القوافل الأولى" باسم طالبان إلى أفغانستان المجاورة، وباتت أوضاعها الداخلية هي نفسها في أقصى مراحل المخاض لولادة وضع جديد.
هل يمكن مع هذه المعطيات أن ينقذ تحالف بين مشرف وبهوتو الحكمَ العسكري القائم في باكستان، ناهيك عن أن يحقق الرغبات الأمريكية وينفذ المخططات الأمريكية، سواء قيل عنها -كما نقول- إنها هيمنة استعمارية محضة، أو قيل عنها إنها من أجل نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب وترسيخ دعائم الأمن والسلام، كما يزعم من أشعلوا جحيم الحروب الاستباقية الأكثر عنفًا ودموية في تاريخ العالم؟.
ضياع البوصلة الأمريكية في العراق
المثال الثاني من العراق، "الدولة المارقة" التي شهد أهلها وشهدت أرضها على امتداد 16 عامًا (حتى الآن) من طاقة التدمير العسكرية في حربين متواليتين -إضافة إلى حصار التجويع والتركيع- أضعاف طاقة التدمير التي استخدمتها "الدولة الديمقراطية" الأمريكية في الحربين العالميتين معًا، على امتدادهما، بما في ذلك القنابل الذرية على اليابان.
"القوة العظمى" ركّزت على العراق أكثر من أفغانستان، وجلبت هي ما يسمّى "الإرهاب" إلى العراق، وهي التي زعمت مكافحته في أفغانستان، فحلَّت الجيش، وقوى الأمن، والوزارات، ودمّرت البنية التحتية، واغتالت العلماء، وحاكمت السياسيين، ومزّقت الأرض، وحقنت الطوائف والفئات الشعبية المتعدّدة بأصناف الحقد الأسود، ولم تتورَّع عن إقامة المعتقلات على غرار جوانتانامو، ولا عن الممارسة الإرهابية للتعذيب خلف جدران أبو غريب وخارجها في الشوارع والبيوت، ناهيك عمّا أثارته في المنطقة حول العراق من "فوضى".
وخلال خمس سنوات تقلّب اعتمادها فيها من بعد سحب حاكمها العسكري، من فلان إلى فلان، ممّن جلبتهم من خارج الحدود، ونصّبتهم على قمة أجهزة صناعة القرار، ولعبت من أجل تثبيتهم وتثبيت ولائهم لها، على مختلف الحبال الداخلية والإقليمية، وقطعت في ذلك كله أشواطًا أبعد بكثير في صناعة الفوضى الهدّامة مما فعلته في أي بلد آخر، بما في ذلك أفغانستان نفسها.
ثم بعد ذلك كلّه يقف الرئيس الأمريكي بوش الابن؛ ليقول في اليوم الأول إنه "غير راض عن رئيس الوزراء العراقي المالكي وأمرُ تغييره متروك لشعبه"؛ ليقف في اليوم التالي ويقول "إنه يقدّر المهمة الصعبة التي يقوم بها المالكي، الرجل الطيب، ويدعمه، أما أمر تغيير الحكم في العراق، فهو من صلاحية الشعب العراقي..!".
المالكي نفسه وصف التصريح الأول بعدم اللياقة الدبلوماسية، متمرّدًا على من لا يستند في وجوده بالسلطة على أحد في العالم قدر اعتماده على جنوده ومرتزقة منظماته "الأمنية".
ويحاول المالكي أن يستبق انسحاب الهزيمة الأمريكية المحتم، بتحرك إقليمي جديد، ولكن الأهم من ذلك، هل يمكن أن ينقذ نفسه -ناهيك عن العراق- من الفوضى الأمريكية، عبر تشكيل تحالف ثلاثي أو رباعي جديد، بين القوى التي صنعتها تلك الفوضى صنعًا، بعضها من لا شيء، وبعضها الآخر بمقوّمات لا يمكن أن تكون لها قيمة، إلا بمقدار ما تعود إلى ولائها العراقي والعربي والإسلامي أولاً؟..
إن مثل هذا التحالف على افتراض قابلية أن يمارس سياسة ما في العراق، يأتي متناقضًا مع معايير مسيرة الفوضى الأمريكية نفسها، ولن يستطيع صناعة دولة فوق الأنقاض، ولا وقف عملية التدمير وصناعة الأنقاض. ولئن كانت الغاية الأهم من تشكيله في هذه المرحلة بالذات، هي تمرير قانون نفطي من شأنه تمليك التصرّف بثروة العراق لشركات أمريكية على امتداد خمسين عامًا مقبلة، فمن المستحيل أن يتمكّن من ذلك على أي أساس مشروع، وإن اتبع طريقًا غير مشروعة، وزيّفها بصبغة تصويت نيابي ما، فلا يوجد داخل العراق ولا خارجه، من يقتنع حقًّا بأن أي انتخابات جرت تحت حراب الاحتلال وقذائفه، لها أي قيمة أو مشروعية بأي مقياس داخلي أو دولي.
المعلّقون في الفراغ
الأمثلة كثيرة ويصعب الاسترسال بها، إنما المطلوب هو رؤية معالم الصورة الفوضوية المصنوعة، ما بين محاور إقليمية مشبوهة، وتحالفات قطرية شاذة، وفتن داخلية وعبر الحدود تترك الحليم حيران.
ولكن من معالم الصورة إلى جانب هذه البقع السوداء من إنتاج الفوضى "الخلاّقة"، أو رغمًا عنها، حقيقة أن زعيم عسكرة الهيمنة الأمريكية للقرن الميلادي الحادي والعشرين، بات -كالمحاربين القدماء من جولات كوريا وفيتنام وأخواتهما- وحيدًا في ساحة الحرب والساحة السياسية على السواء، ينتظر شعبُه رحيله بفارغ الصبر؛ ليلحق بمن سبقه من رفاقه وأقرانه في مسيرة العسكرية الهمجية.
مثل هذا الوضع المترنّح لا يمكن أن يصدر عنه ما يصنع سياسة في دويلة صغيرة، ناهيك عن أن يصنع سياسة دولية أو يقود دولة عظمى.
ولكن المشكلة مشكلة من لا يريد أن يتخلّى عنه ولو تخلّى سواه، ولا يريد أن يفكّ أسر نفسه وإن تحرّر سواه، ولا يريد أن يقاوم كما قاوم سواه.
إن المشاركة في محاور وأحلاف وتحالفات إقليمية وقطرية، تحت رعاية "دولة كبرى" وهي في أوج سيطرتها العالمية، أمر قد يمكن رصد وجود دوافع له، سيّان هل وصفناها بالانحراف، أو السياسة الواقعية المعوجّة، أو الحنكة السياسية المزعومة، ولكن ما الذي يمكن أن يوجد من دوافع وراء مثل هذه المشاركة في رعاية "زعامة إمبراطورية" تترنّح من قبل أن تقف على قدميها؟..
إن المضيّ تحت رعايتها في سياسات المحاور والتحالفات والفتن المشبوهة، يمكن أن يدعم بقاء سطوتها المحلية على أتباعها فقط، ردحًا من الزمن، ولكن لا يمكن أن يحقق مصلحة قطرية ولا إقليمية، لا سيما على مستوى العرب والمسلمين، وقد وعت الشعوب ذلك منذ فترة، وبقي أن يعيها صنّاع القرار؛ لتلتقي إرادتهم السياسية يومًا ما مع إرادة الشعوب، وتفارق قفص إرادة الهيمنة الأمريكية.
كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.
|