English

 

الأربعاء. أغسطس. 22, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

"إسلاموفوبيا هولندا".. إلى أين؟

نصر الدين الدجبي

Image
أحد المصليات في أمستردام
تزايدت في الأشهر الأخيرة حالات الاستفزاز للمسلمين في هولندا بما لا يخفى على أي مراقب أو متابع، فالبرلماني اليميني خيرت فلدرس طالب بمنع تداول القرآن، والهولندي من أصول إيرانية إحسان جامي اتّهم الرسول والقرآن بأبشع النعوت، بل صرّح قسّ كنسي بالدعوة إلى منع النطق بتلفظ كلمة لا إله إلا الله بدعوى "أنها تستحوذ على الإله للمسلمين"، فضلا عن محاولات حرق المساجد، ووصولا إلى معاقبة الطلبة الذين لا يصافحون النساء أو العكس بالحرمان من الدراسة، وغيرها من الحالات التي يعدّها المراقبون خطرا على الاستقرار والتعايش في هولندا.

نماذج للتعبير عن العداء

خيرت فلدرس زعيم حزب "من أجل الحرية" اليميني المتطرف، صرّح في رسالة مفتوحة على صحيفة الفولكس كرانت بدعوته إلى منع تداول القرآن الكريم في هولندا، وزعم فيلدرز أنّ القرآن كتاب يدعو للعنف، وقارن بين المصحف الشريف وكتاب "كفاحي" لأدولف هتلر (1924)، الذي يجاهر فيه بعدائه للسامية وتفوّق الجنس الآري، لذلك يحظر في هولندا بيع وتداول هذا الكتاب، لكن حيازة وتداول النسخ القديمة منه غير محظورة، بل إن دعوة فلدرس امتدت لمنع استخدام القرآن في هولندا حتى في المساجد والدوائر الدينية وجعل ذلك جريمة يعاقب عليها القانون، وهو ما يتجاوز حتى الحظر المفروض على كتاب هتلر.

كما أنّ السياسي اليميني خيرت فلدرس -الذي أعطته الاستطلاعات بعد هذا التصريح 30 مقعدا عوضا عن التسعة مقاعد التي يحوزها- اعتبر في وقت سابق الإسلام "تسونامي العصر" وربط حملته الانتخابية والسياسية بالتصدّي للإسلام، وطالب في وقت سابق بتخلي المسلمين عن نصف القرآن لكي يستطيعوا العيش في هولندا.

إحسان جامي الهولندي من أصول إيرانية، يقول عن نفسه إنه خرج من الإسلام، ويحاول أن يلعب نفس الدور الذي لعبته هرسي من قبل أن ترحل إلى أمريكا من إساءة للإسلام، وقد كوّن حديثا جمعية للمسلمين القدامى، وبدأ يحشد لها الساسة والمساندين، وهدفها -حسب قوله- التصدي لفكرة الردّة في الإسلام، وقد وصف إحسان الرسول (صلى الله عليه وسلم) أكثر من مرة بأنه "مثل أسامة بن لادن وأنّه مجرم وأن القرآن كتاب عنف وحروب يستوجب التخلي عنه" ممّا عرّضه إلى اعتداءٍ من جانب بعض الشباب المتحمّسين -حسب قوله- ويحظى بحماية أمنية مستديمة.

ممارسات عدوانية

"المسيح هو الطريق الوحيد إلى الربّ والقرآن كتاب عنف"، شعار من بين شعارات رفعها متظاهرون أمام مسجد الفتح الجديد، الذي يتم بناؤه في مدينة أمسفورد في وسط هولندا، وعمد المتظاهرون في خطوة هي الأولى من نوعها إلى إطلاق طائرة تحوم فوق المسجد وفي أجواء أمسفورد، في محاولة لنشر التوجّس من المسجد والتخويف من الإسلام، وقال القس بان كوك الذي يطلق على نفسه وصف "قسّ مسيحي - يهودي"، لقناة الإسلامية في هولندا "نيو" بثّته يوم 1/7/2007: إنّ اندماج المسلمين يبدأ "من إنكارهم لآيات الجهاد والتخلّي عن النطق بالشهادتين" اللتين تعبّران -بحسب قوله- عن إنكار الأديان الأخرى. وقد اعتبر أنّ وجود الإسلام تهديدٌ لثقافة هولندا، ويرى أنّ الاندماج لا يكون إلاّ من خلال تخلّي المسلمين عما جاء في القرآن والتزاماته.

مسجدان في مدينة "هارلام" المجاورة للعاصمة أمستردام، تعرضا في فترة أقل من أسبوعين لثلاثة أحداث عنصرية تبعث على التساؤل عن الدوافع، ففي 12 و22 من شهر يوليو المنصرم تعرّض المسجد التركي العائد إلى الطائفة السليمانية إلى رمي بالزجاجات الحارقة، وكتب عليه شعارات عنصرية، كما لم يسلم مسجد آخر يعود إلى الجالية المغربية في نفس المدينة في 12 يوليو من نفس الممارسات العنصرية، وإن لم تؤدِّ هذه الأحداث إلى أضرار بالغة بحسب أجهزة الأمن المحلية فإن تخوّف المسلمين من إمكانية استهداف المسجد بشدّة أكبر، جعل القائمين عليه يجنّدون متطوعين يحرسون المساجد على امتداد 24 ساعة في محاولة لحماية المؤسسات الدينية من ظاهرة العنصرية.

في تقرير بصحيفة "أي دي" اليومية أعلن ناطق باسم المعهد الأعلى بروتردام أنه انتهى من إصدار بروتكول داخلي سيعمل به للسنة الدراسية 2007/2008 يمنع بموجبه قبول طلبة جدد أو معلمين أو مراقبين يرفضون المصافحة لاعتبارات أو اقتناعات دينية، وسيكون تسجيل الطلبة الجدد على أساس هذا الاعتبار، ويؤكد "ياي رولوف" عضو مجلس الإدارة في معهد روتردام أنّ مؤسسة روتردام التعليمية تدرس هذا المقترح لإمكانية تعميمه على باقي المعاهد الأخرى، ويناقش المجلس توسيع العقوبة حتى للمتابعين الحاليين للدراسة ويرفضون المصافحة.

المسلمون: لا نبالي بإساءاتهم

في الغالب فإن تزايد التخويف من الإسلام والمسلمين في هولندا مردّه في الدرجة الأولى إلى عدم وجود قوانين صارمة في أوروبا عموما وهولندا على سبيل الخصوص، للتصدي لظواهر الإسلاموفوبيا حسب عدد من المراقبين، وحسب منظمة العفو الدولية فإن الأمر راجع إلى كون الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لا تبذل جهدها لجعل العنصرية والتفرقة أمرا غير مقبول، وترى المنظمة في عدد من تقاريرها "أن عدم وجود الوضوح الكافي لكون العنصرية ممنوعة، وأنه يجب حماية الناس من التعرض للعنصرية" يعد واحدا من العوامل المهمة التي تساعد على انتشار الكراهية بين الناس ويضرب التعايش في صميمه.

في رسالة موجهة للجنة الأوروبية والمجلس الأوروبي والبرلمان الأوروبي، تقول منظمة العفو الدولية: إنّ من الضروري اتخاذ إجراءات واضحة وعاجلة، فقد "رأينا ما سببته العنصرية في أوروبا في الماضي، ونتحمل الآن المسئولية التاريخية في إيجاد حل سريع لهذا المشكل الذي يعاني منه ملايين الناس".

المسلمون اختاروا منذ البداية أن يواجهوا هذه التصريحات العنصرية والمعادية للإسلام باللامبالاة. حتى تصريحات فلدرس المطالبة بمنع تداول القرآن واجهها مجلس ممثلي المسلمين بمطالبة فلدرس بالحوار عوضا نشر الكراهية بأي شكل، ولو على حساب فئة مهمة في المجتمع. وهو نفس الأسلوب الذي توخته المنظمات الإسلامية بعد كل هجوم على المسلمين أو مقدساتهم. وقال علي الداودي أحد الناشطين والكتاب في الصحف الهولندية: إنّ أحسن ردّ على هؤلاء المتشددين والمهاجمين للإسلام هو السكوت عنهم. وأضاف: "إنّهم يتغذّون من الردود"، ولذلك فإن كثيرا من التصريحات واجهها المسلمون باللامبالاة.

ولكنّ هذا الموقف لم يكن رأي الجميع، فقد عقد عدد من المنظمات المدنية حوارات حول دور هذه التصريحات التي تستهدف الإسلام، في إشعال نار الفتنة وضرب برامج التعايش التي تُدفع لها ميزانيات كبيرة. منظمة "كفاية" الهولندية، وسياسيون بتوجهات يسارية، هاجموا هذه الحركات المعادية للإسلام، ولعلّ من أهم هذه الردود، الندوة التي أعدتها مريم أوراغ، من لجنة "معا ضد العنصرية" تحت عنوان "ما هو الردّ على خيرت فلدرس؟!". ترى مريم أن فلدرس بتصريحاته تلك، كقوله "على المسلمين تمزيق نصف القرآن إذا كانوا يرغبون حقًا في البقاء في هولندا"، وتهجّمه على سياسيين يحملون جنسية مزدوجة، قد تجاوز حدا سياسيا آخر.

ولا تعتقد مريم أوراغ أنّ كلّ من أدلى بصوته لصالح فلدرس عنصري، وإنّما يعبّر هؤلاء عن عدم رضا وسخط، فجاء تصويتهم لصالحه انتقاما من فشل الحكومات أو سخطا على وضع اجتماعي واقتصادي، ولذلك ترى مريم أنّ الحل في الحوار، ولا خيار سوى الحوار لمحاصرة العنصرية والتهكّم على الإسلام ومعتنقيه.

للإنصاف كلمة.. ونشاط

إلا أن جوّ التطاحن والصراع بين الحضارات والخوف من الإسلام هو ما يريد المعادون نشره، وتقابله دراسات وتقارير أكاديمية تتحدّث عن أنّ هولندا مقارنة بدول مجاورة أكثر انفتاحا على مواطنيها من أصول أجنبية، ويُتوقع أن يتمّ فيها الاعتراف بالإسلام دينا في أقرب وقت، وجسّم هذا الرأي تقرير مجلس النصح العلمي المستقل للحكومة الهولندية، والذي طالب في مارس 2006 في تقرير مطول الحكومة الهولندية بالاعتراف بالإسلام، والتعاون والتعامل مع المسلمين كطرف له حقوق وواجبات، فمثله مثل أيّ من الأديان الأخرى، كما حذّر التقرير من الدور الذي تلعبه قيادات سياسية وإعلامية في نشر الاستفزاز وضرب قيم التعايش، ويحاول الموقف الرسمي مع كل مرة يصدر فيها تصريح ضد الإسلام والمسلمين، التنصّل منه، واعتباره لا يمثّل الرأي العام الهولندي ولا موقف الحكومة، في محاولة لسحب البساط من تحت أقدام الداعين إلى إشعال فتيل الصراع في المجتمع.

كما أكّد تقرير صادر عن مكتب التخطيط الاجتماعي والثقافي مؤخرا، التفاؤل بخصوص محاربة التفرقة، وأبرز مبادرات عدد من المواطنين أنفسهم، تهدف إلى إظهار صلة التواصل بين فئات المجتمع في هولندا، إذا قورنت بالدول الأوروبية المجاورة، كما يؤكد التقرير مبادرات رسمية تشجّع الاتصالات بين مختلف المكوّنات المختلفة في المجتمع، إلا أنها لم تصل إلى مستوى تحاصر به العنصرية والخوف من الإسلام، كما يرى التقرير الذي يشير إلى أن من بين العوامل التي تساهم وساهمت في تقوية هذا الشعور بالخوف من الإسلام لدى الهولنديين، أحداث 11 سبتمبر، واغتيال السينمائي الهولندي تيو فان خوخ، والتصريحات المتشنجة لساسة وإعلاميين.

الكنائس بصفة عامة بدورها تتخذ إلى الآن موقفا إيجابيا، وتتعامل مع المسلمين كشركاء في الحياة والتعايش، وتدير حوارات عدة، وهو ما يؤيّده مجلس الكنائس الهولندية من خلال دعوته إلى الحوار مع المسلمين وحضوره في أغلب الأنشطة الرسمية التي ينظمها المسلمون، كما يظهر تنديدهم بالتصريحات التي تستهدف الإسلام كدين أو المسلمين كجماعة.

ويرى عدد من المراقبين والمحللين أنه ليس أمام الحكومة الهولندية إزاء تصاعد هذه التصريحات المعادية للإسلام سوى التعامل معه بجدية أكبر، وأن يتم الاعتراف به رسميا كدين، وليس كمؤسسات اجتماعية كما هو حاصل الآن، حيث تتبع شئون الإسلام لوزارة الاندماج عوضا عن وزارة العدل مثل الأديان الأخرى.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات