|
من المعروف أن الطاقة لعبت وما زالت تلعب دورًا حاسمًا في تطور ورخاء ورفاهية الأمم على مر العصور؛ فقد شهد القرن الماضي حروبا ضارية وخسائر بشرية ومالية وفنية ضخمة لأجل السيطرة على الطاقة، والسبب الرئيسي وراء هذه الصراعات والسماح بوجودها يعود للاعتماد الكلي على النفط؛ الأمر الذي حدا بالعلماء إلى التفكير في اللجوء للبدائل الأخرى للطاقة، ومحاولة النبش عن كل ما يصلح اعتماده كبديل.
وعلى هذا الطريق تسير واشنطن منذ عقود،وكنتيجة لاعتمادها حالياً على مادة "الإيثانول" كبديل للنفط ارتفعت أسعار الذرة –المصدر الرئيسي لصناعة الايثانول- لمستويات جنونية. حيث يحتاج إنتاج الإثانول لكمياتً مهولةً من هذا المحصول، مما يُسفر اقتصاديا عن وصول أسعاره إلى عنان السماء، الأمر الذي قد يسبب مشكلة حقيقية لمزيد من البشر، سواء فقراؤهم الذين يعتمدون على الذرة في طعامهم ومعاشهم، أو أغنياؤهم المعتمدون عليها في صناعاتهم ومنتجاتهم.
فكيف تمنع واشنطن مثل هذه الكارثة؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه كل من "فورد رانج" مدير مركز "الأغذية الدولية والسياسة الزراعية" بجامعة "مينيسوتا"، و"بنجامين سيناور" مساعد مدير المركز. محاولين بمقالهما المنشور في مجلة "فورين آفيرز" (عدد مايو/يونيو 2007) تحت عنوان "كيف يمكن للطاقة البيولوجية تجويع الفقراء" تقديم الإجابة عليه.
يرى الباحثان أن التوجه الجنوني نحو الطاقة البيولوجية، وضع ضغوطا كبيرة على قطاع الزراعة. ففي الولايات المتحدة أدى تنامي صناعة الطاقة البيولوجية إلى ارتفاع ملحوظ، ليس في أسعار الذرة فحسب، بل أيضا في أسعار محاصيل أخرى، قد تبدو غير ذات صلة.
فمنذ ستينيات القرن العشرين تحتل شركة "آرشير دانيلز ميدلاند" أو ADM -أكبر شركة لصناعة الإيثانول في السوق الأمريكية– المكانة العليا لتلك الصناعة، ما أهلها لتصير "سوبر ماركت" العالم.
وقد يرجع نجاحات الشركة المتتالية إلى علاقاتها واتصالاتها السياسية، خاصة بنواب الكونجرس القادرين على شحذ دعامات خاصة لمثل هذه الصناعة؛ ومنهم "هوبيرت هامفري" السيناتور السابق عن ولاية "مينيسوتا"، ومنهم أيضا "بوب دول" السيناتور السابق بولاية "كينساس". وكما صرح الناقد المحافظ "جيمس بوفارد" منذ عشر سنوات، فإن نصف أرباح الشركة قد جاءت من المنتجات التي دعمتها الحكومة الأمريكية أو قامت بحمايتها.
ونتيجة للدعم الحكومي لهذه الصناعة، كما يقر الباحثان، فقد استطاعت أن تصبح منتجا أساسيا في كل من قطاع الزراعة والطاقة بالولايات المتحدة. وصارت هذه الصناعة كذلك مسرحا لحماية المنتجات الأمريكية.
فعلى عكس واردات النفط التي تدخل الأراضي الأمريكية دون تعريفة جمركية، فإن معظم واردات الإيثانول تدخل الولايات المتحدة بجمارك مرتفعة نسبيا، قد تصل إلى 54 سنتا للجالون؛ وذلك نتيجة لرخص أسعار الإيثانول خارج الولايات المتحدة -خاصة الإيثانول البرازيلي لسهولة الحصول عليه من قصب السكر- ما يهدد المنتجين الأمريكيين.
سياسة التجويع
ويتوقع الباحثان أن تتعرض الدول النامية التي تعاني من نقص الغذاء والنفط معا ولديها حساسية مُفرطة تجاه ارتفاع الأسعار إلى هزات اقتصادية شديدة، نتيجة لارتفاع أسعار الأغذية الأساسية بسبب الطاقة البيولوجية.
وكما أوردت "منظمة الأمم المتحدة للتغذية والزراعة" في عام 2005، فإن معظم الدول النامية ذات الدخول المنخفضة والأغذية الناقصة، هي نفسها من الدول المستوردة للنفط. حتى الدول النامية المُصدرة للنفط التي تستخدم الدولارات النفطية للحصول على الغذاء المستورد لن تستطيع أيضا الإفلات من الآثار المدمرة لارتفاع أسعار الغذاء.
ويتوقع "مركز الدراسات الدولية لسياسة الغذاء" IFPRI، بولاية واشنطن، تقديرات رقمية مُخيفة إذا ما استمر الطلب على الطاقة البيولوجية في التصاعد. فعلى حسب ما يتوقعه "مارك روزيجرانت" مدير قسم بالمركز سيؤدي التزايد السريع في الصناعة العالمية للطاقة البيولوجية –في ظل استمرار تصاعد أسعار النفط– إلى هياج أسعار الذرة على الصعيد العالمي. وعلى حسب التقديرات المتوقعة سترتفع أسعار الذرة بنسبة 20% في عام 2010، وبنسبة 41% في عام 2020.
وكما تعتمد صناعة الإيثانول على محصول الذرة، فقد تعتمد أيضا على محصول "الكاسافا" الذي يشبه البطاطس. ويعتمد على هذا المحصول ثلث سكان منطقة جنوب الصحراء في إفريقيا؛ و يعتبر الغذاء الأساسي لأكثر من 200 مليون إفريقي فقير؛ وذلك بسبب احتوائه على عدد كبير من السُعرات الحرارية. ومن ثم، فإن صناعة الإيثانول المعتمدة على محصول "الكاسافا" يمكن أن تُشكل تهديدا سافرا للأمن الغذائي في أكثر البقاع فقرا بالعالم.
حلم القضاء على الجوع
في عام 1996 عزم المشاركون بمؤتمر "الغذاء العالمي" على خفض عدد الجائعين بالعالم –وهم أولئك الذين لا يتناولون سعرات حرارية كافية– من 823 مليونا عام 1990 إلى 400 مليون عام 2015. إلا أنه بالنظر إلى أرض الواقع -كما يؤكد الباحثان- فإن الولع بالطاقة البيولوجية لن يُمكن أولئك الحالمين بتحقيق ما يصبون إليه، بل سيُزيد من ظاهرة الجوع على المستوى العالمي.
وتوقع "رانج" و"سيناور" انخفاض عدد الجائعين حول العالم بنسبة 23% عام 2025، ليصل عددهم إلى 625 مليون جائع في دراسة للأمن الغذائي العالمي قاما بها عام 2003، شريطة أن تتحسن الإنتاجية الزراعية بما يحافظ على سعر الغذاء مستقرا إلى حدٍ ما.
وكما يقر الباحثان، فإن أفقر الناس في العالم ينفقون من 50% إلى 80% من رواتبهم الإجمالية في شراء المواد الغذائية. وبالنسبة لكثيرٍ منهم، فإن ارتفاع أسعار المحاصيل الأساسية –مثل الذرة والبطاطا– سيعني مزيدا من سوء التغذية والجوع.
طاقة خضراء لكنها ملوثة!
وعلى الرغم من أهمية وضرورة التفكر في تنمية الطاقة البديلة والمتجددة، فإن هذا لا يعني النظر إلى الطاقة البيولوجية باعتبارها "خضراء"، كما يؤكد الباحثان. وبمعنى آخر فإن ما يُزعم حول "خضار" الطاقة البيولوجية لمقولة تستحق الاختبار والتمحيص.
فالإيثانول المعتمد على الذرة، ليس ذا فاعلية من ناحية إمداد الطاقة. صحيح أنه يبدو أكثر تفضيلا من الجازولين، لكنه ليس تفضيلا كبيرا.
والسؤال المطروح حاليا: هل يجوز استخدام الفول الصويا والذرة كمحاصيل مولدة للطاقة؟ وللإجابة على هذا السؤال لا بد من وضع نقطةٍ مهمةٍ في الاعتبار؛ وهي أن هذين المحصولين يُرهقان التربة الزراعية بشدة؛ فيُسهمان في تآكلها وإتلافها؛ هذا بالإضافة إلى إسهامهما في تلويث المياه؛ لاستخدامهما كما هائلا من المبيدات.
فعلى سبيل المثال، فإن زراعة الفول الصويا والذرة في الولايات المتحدة، تتم بالتوالي وليس بالتوازي؛ رفقا بالتربة الزراعية. إلا أنه مع الاستخدام المكثف لفول الصويا، كمصدر أساسي لصناعة الإيثانول، فإن زراعته ستصير دائمة، الأمر الذي سيستلزم مزيدا من المبيدات ما سيُفرض مزيدا من المعاناة للتربة الزراعية.
حلول بديلة
إن منافع الطاقة البيولوجية ستكون أعظم وأكبر إذا ما استُخدمت نباتات أخرى غير الذرة وفول الصويا. بل إنه لمن الأفضل كما تقترح التجارب الميدانية أن تصير الحشائش والأشجار مصدرا مباشرا للطاقة البيولوجية في المستقبل. وما يؤسف عليه أن تكون كُلفة ذلك النوع من الطاقة البيولوجية باهظة الثمن، ما يجعله غير مناسب تجاريا باقتصاديات الصناعة الحالية المعتمدة على الذرة.
ومن ثم، يرى الباحثان أن الولايات المتحدة بحاجة إلى الاعتماد على برنامج شامل لحفظ الطاقة. فبدلا من تقديم الدعم للطاقة البيولوجية، فإن واشنطن في أمسّ الحاجة إلى دعم مصادر بديلة للطاقة، مثل السولار وقوة الرياح؛ وإلى الاستثمار في البحث والعلم من أجل تحسين الإنتاجية الزراعية، ورفع فعالية الطاقة الخضراء.
إن اعتماد واشنطن على الإيثانول –المنتج من الذرة– أضر بالأجندة القومية، فأصابها بالاضطراب، وحال بينها وبين تطوير إستراتيجية موسعة ومتوازنة. ولعل إعلان وزارة الطاقة الأمريكية في مارس 2007 باستثمار 385 مليون دولار في 6 مصانع لتكرير الإيثانول، المُحول من "الأخضر"، بمثابة الخطوة المُبشرة على الطريق السليم، كما يأمل الباحثان.
|