English

 

الاثنين. أغسطس. 20, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » شئون عربية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

التوتر السعودي السوري من توابع "حلف المعتدلين"!

محمد جمال عرفة

Image
بشار الأسد وعبد الله آل سعود
رغم أن العلاقات بين دمشق وكل من "الرياض" و"القاهرة" تشهد فتورًا منذ أغسطس (آب) 2006 عندما وصف الرئيس السوري بشار الأسد القادة العرب بأنهم "أشباه الرجال"؛ لأنهم شجبوا "مغامرة" حزب الله بأسر جنديين إسرائيليين وما ترتب عليه من شن إسرائيل حربًا مدمرة على لبنان الصيف الماضي، فقد عادت العلاقات لتحسنها تدريجيًّا وانتهى التوتر.

بيد أن العلاقات السورية السعودية عادت مرة أخرى لتتوتر بعنف عقب تصريحات لنائب الرئيس السوري فاروق الشرع تحدث فيها عن "شلل" في الدور السياسي السعودي، وهي تصريحات لم تختلف كثيرًا عن النقد السوري للدول العربية العام الماضي على لسان الرئيس بشار الأسد، وإن ركزت هذا العام -على لسان الشرع- على السعودية، فما هو الجديد؟.

الجديد هو أن الاجتماع الأمني الذي عقدته سوريا لدول الجوار في العراق وضمّ 13 دولة وحضرته حتى أمريكا، غابت عنه السعودية بدون سبب معلن، مما أغضب دمشق، رغم أنه كان على مستوى الخبراء، وكان يمكن للسعودية أن تحضر ولو على مستوى موظف في سفارة وألا تترك المقعد فارغًا كما قال الشرع.

صحيح أن هذا الموقف السعودي أحرج دمشق وله مبررات سعودية تتعلق باستمرار أسباب التوتر الكامنة منذ العام الماضي، ولكن الجديد أيضًا أن سوريا استشعرت صمتًا سعوديًّا وعربيًّا على حالة الهجوم الأمريكية المستمرة على دمشق والسعي لحصارها داخليًّا ودوليًّا، لحد تحريض تل أبيب على عدم القيام بتنشيط عملية السلام مع دمشق وبقاء الجولان محتلة، واستغربت سوريا كذلك انخراط السعودية ودول الخليج ومصر والأردن في تحالف "المعتدلين" الأمريكي على حساب دمشق.

فالمؤتمر الدولي للسلام الذي اقترحه الرئيس بوش استبعد دمشق صراحة من الحضور، وركّز على حل قضية فلسطين فقط، وجولات وزيرة الخارجية رايس ووزير الدفاع الأمريكي على دول محور الاعتدال العربي التي سبقتها صفقات سلاح ومساعدات عسكرية، استهدفت بوضوح التحضير لحلف عربي ضد محور إيران - سوريا - حزب الله، حسبما قال المسئولون الأمريكيون أنفسهم، ومع ذلك لم تعترض لا مصر ولا الرياض، وعلى العكس أضر هذا الصمت بالموقف السوري.

وجاء الغياب السعودي عن مؤتمر خبراء الأمن في سوريا ليضعف موقف سوريا أكثر، وهي التي كانت تتوقع مساندة سعودية لها في وجه الاتهامات الأمريكية والعراقية فيما يخصّ تهمة فتح حدودها لإرهابيين من القاعدة أو تهريب سلاح لهم في العراق؛ لينتهي المؤتمر بتبادل اتهامات بين دمشق وأمريكا، خصوصًا أن واشنطن تراجعت عن تعهدات سابقة -برعاية سعودية- بتوريد معدات رؤية ليلية لسوريا لتساعدها في ضبط الحدود مع العراق.

شلل متعمد أم اضطراري؟!

لهذا جاءت تصريحات فاروق الشرع، نائب الرئيس السوري التي هاجم فيها السعودية متعجلة وغاضبة؛ لأن الدور السعودي أصبح "شبه مشلول"، سواء فيما يخص فشل اتفاق مكة، أو ما يخص عدم دفاع الرياض عن حق سوريا في حضور المؤتمر الدولي واستعادة أراضيها المحتلة، مؤكدًا أن دمشق لن تحضر المؤتمر الدولي الذي دعا إليه الرئيس الأمريكي جورج بوش، حتى ولو دعيت إليه إن لم تعرف أهدافه وتفاصيله، وحرص الشرع على أن يذكِّر الجميع أن بلاده "تستعد لمواجهة عدوان إسرائيلي محتمل" كي يحمّلهم المسئولية نتيجة تخليهم عن مساندة سوريا.

ولأن الشرع أراد نقل رسالة صادمة محددة للسعوديين بالتحرك لنصرة بلاده في وقت أوشك فيه التحالف الأمريكي الإسرائيلي على إطباق أنيابه على سوريا -بمعونة غير مباشرة من "حلف المعتدلين العرب"- فقد تعمد السؤال عما إذا كان الشلل في الدور السعودي "متعمدًا" للإضرار بسوريا، أم هو "اضطراري" ليحث الرياض على النهوض بدورها.

فأورد مثالاً على ذلك اتفاق مكة الذي عقد بين حركتي حماس وفتح وكان المطلوب من الأطراف الموقعة (يقصد السعودية) أن تكون فاعلة، ولا سيما مع الولايات المتحدة على صعيد إرغام إسرائيل على رفع الحصار، وكذلك إطلاق سراح الأسرى والمسئولين من حكومة حماس في السجون الإسرائيلية وهذا ما لم يحصل، واعتبر أنه "إما أن الولايات المتحدة لم تستمع إلى حليفتها التقليدية السعودية، وهذا يضع إشارة كبيرة، أو أن السعودية ليست في وضع تستطيع بعد توقيع الاتفاق أن تتابع مستلزماته ومتطلباته!".

أما المثال الثاني الأوضح الذي أورده الشرع عن" شبه الشلل" في الدور السعودي فكان غياب السعودية عن الاجتماعات الأمنية للعراق وجواره والتي عقدت في دمشق وتعمدت الرياض الغياب عنها، غير مسألة أخرى أوردها ضمنًا هي رفض السعودية تفعيل المنطقة الحرة بين البلدين.

ولم ينسَ الشرع أن يغمز من قناة "حلف المعتدلين" حينما ألمح لرفض مصر والسعودية عقد قمة ثلاثية مع دمشق لعدم إغضاب أمريكا، وحينما قال: "نتمنى أن يكون الاعتدال اعتدالاً حقيقيًّا فنحن معتدلون، ولكن الآخرين مستكينون ويطلق عليهم اسم معتدلين، فالاعتدال لا يعني الاستكانة أو ما يريده الأجنبي"، كما اتهم الولايات المتحدة بإطلاق "سياسة المحاور".

"المعتدلون" يهاجمون سوريا!

واللافت هنا أن سوريا تعمدت تخفيف تصريحات الشرع الغاضبة بتصريحات مبردة عاجلة لوزير الخارجية السوري وليد المعلم نفى فيها -لقناة العربية يوم 16/8/2007- وجود فتور في علاقة بلاده بالسعودية، وتحدث عن "دور مميز للمملكة العربية السعودية".

أما الأكثر لفتًا للأنظار فكان هجوم دول محور الاعتدال العربي الذين زارتهم رايس ووزير الدفاع الأمريكي على دمشق، حيث صدرت التصريحات من مصر وفلسطين والسعودية تنتقد هجوم الشرع على الدور السعودي وعلى الدول العربية "المعتدلة" ضمنًا؛ لأن هجوم الشرع كان أشبه بهجوم على كل الدول العربية، ولكنه ركّز على الرياض هذه المرة؛ لأن هناك فتورًا آخر مستمرًّا مع مصر منذ العام الماضي.

فالمصريون انتقدوا قول الشرع إن مصر والسعودية عجزوا عن عقد قمة ثلاثية مع دمشق، وتلميحه للدور الأمريكي في هذا الصدد، وشددوا على أن هدف مصر دومًا هو لمِّ الشمل، وأن خلفيات اجتماع الرياض الفاشل تختلف عمّا ألمح له الشرع والفلسطينيون (حكومة عباس) انتقدوا المزايدات السورية وإقحام المشكلة الفلسطينية في الخلاف السعودي السوري.

أما الرياض التي كان من الطبيعي أن تردّ، فقد ردّت على كل المستويات.. فالحكومة السعودية ردت بلهجة متشددة على نائب الرئيس السوري فاروق الشرع، متهمة إياه بالسعي إلى الإساءة إلى صورة المملكة، وموجهة أيضًا تهمة مبطنة لدمشق بالعمل على "نشر الفوضى والقلاقل في المنطقة" ربما لدعمها مغامرة حزب الله في لبنان.

ووصل الأمر لحدّ وصف تصريحات الشرع بأنها "نابية" و"تضمنت الكثير من الأكاذيب والمغالطات التي تستهدف الإساءة إلى المملكة"، وأنها "استهتار واضح بالتقاليد والأعراف التي تحكم العلاقات بين الدول العربية الشقيقة"، وحرص السعوديون على نفي أن تكون بلادهم قد رفضت "أي لقاء يستهدف لمّ الشمل وتقوية التضامن العربي".

وقال مصدر سعودي "إن حديث (الشرع) عن شلل دور المملكة العربي والإسلامي هو حديث لا يصدر عن إنسان عاقل متزن (...)، ولعلّ السيد الشرع زلَّ لسانه وكان يقصد بالشلل السياسة التي ينطق باسمها ويمثلها!".

ويبدو أن حدّة رد الفعل السعودي على سوريا ترجع للتلميحات السورية الضمنية بأن السعودية في طريقها لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، خصوصًا أن المؤتمر الدولي للسلام الأمريكي دعيت له دول الخليج وعلى رأسها السعودية؛ لتجلس في نفس الحجرة مع تل أبيب في حين حرمت منه دمشق!.

مستقبل العلاقات.. فرز خطر!

والغريب هنا أنه رغم هذا التجريح الكبير في الحديث بين مسئولي البلدين، فقد لوحظ حرص سوريا على تأكيد عمق العلاقات بين البلدين وحرصها على بقائها، وتأكيد السعودية على "الأخوة الحقيقية" بين الشعبين السوري والسعودي والتي "صمدت عبر مختلف المحن والأزمات، وتجلت في بقاء القوات السعودية سنوات في الجولان تشارك في شرف الدفاع عن سوريا، وفي مساهمة القوات السورية الباسلة في تحرير الكويت. وهذه الأخوة التي يحرص عليها كل مواطن سوري وكل مواطن سعودي تبقى -بإذن الله- وتقوى رغم الأصوات المنكرة التي ستذهب ويذهب أصحابها أدراج الرياح".

ولكنّ آثار هذه المعارك الكلامية بين قيادتي البلدين سوف تنعكس بلا شك على المزيد من تعميق الهوة بين الطرفين أو بعبارة أصحّ سوف تعزز الخلافات بين "حلف المعتدلين العرب" المدعوم أمريكيًّا و"حلف المتطرفين"، وسوف تكون لها انعكاسات أخرى على القضايا العربية الملتهبة، خصوصًا القضية اللبنانية والعراقية، فضلاً عن الفلسطينية.

بعبارة أخرى يتوقع أن يحدث "فرز" عربي و"فتق" أوسع في العلاقات الرسمية يؤثر على القضية الفلسطينية واللبنانية، بمساندة كل حلف للقوى المتصارعة الموالية له في كل من هذه الدول، بحيث تعزز السعودية ودول أخرى وقوفها مع "تيار المستقبل" في لبنان ومع "تيار عباس" في فلسطين، وبالمقابل تعزز سوريا -وخلفها إيران- "تيار حماس" في فلسطين و"تيار المقاومة" في جنوب لبنان.

والأكثر خطورة أنه لو صحّ ما يتوقعه خبراء من سعي واشنطن لـ"تجييش" دول محور الاعتدال العربي كي تلعب دورًا في مساندة ضربة أمريكية لإيران، فسوف ينعكس هذا على اندلاع نيران حرب طاحنة في الشرق الأوسط لن تسلم منها دول الاعتدال أو التطرف؛ لأن أي حرب ضد إيران سوف تشعل نيران الحرب في جنوب لبنان وفي فلسطين، وسيتبعها بالضرورة اندلاع حرب بين سوريا وإسرائيل، خصوصًا في ظل توقعات لخبراء بأن تكون مفاجأة (الأمين العام لحزب الله) حسن نصر الله التي أعلن عنها قبل أيام هي حصول الحزب على صواريخ مضادة للطائرات الإسرائيلية من إيران عبر سوريا ما قد يقلب معادلة التوازن العسكري تمامًا لصالح المقاومة، ويفرض على تل أبيب مواقف أكثر تطرفًا لإزالة هذا الخطر!.

التوتر السعودي السوري الأخير -ورغم محاولات كل طرف تدارك الأمر بتصريحات تلطيفية- سيعمق بالتالي الخلاف القديم الذي ظهر عقب العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان والذي أنتج بدوره حينئذ فريقين عربيين متعارضين، وربما يبلور بصورة أوضح ظهور حلفين عربيين متضادين هما حلف الاعتدال وأصدقاء واشنطن، وحلف التطرف وأصدقاء طهران، وطالما أن هناك حربًا محتملة بين رأسي الحلفين، فمن الطبيعي أن تنفجر الصراعات بين أطراف كل حلف وبعضهما البعض.

أما الخطورة الحقيقية فهي أن أطراف هذا الصراع العربي الحالي هم كبرى الدول العربية والأكثر تأثيرًا في مسيرة التيار العربي عمومًا وهي السعودية وسوريا ومصر ضمنًا، وهي الدول التي كانت تتدخل سابقًا لحل الخلافات بين أي دول عربية متخاصمة، ما سوف يصعّب حل الخلافات بين الكبار هذه المرة وربما يؤججها ويبقي عليها، أملاً في أن يختفي أحد الطرفين كما حدث مع العراق في عهد صدام حسين مثلاً!.

حلف المعتدلين الذي تسعى واشنطن لترسيخ أقدامه هو المتهم الرئيسي، والمحرض الفعلي على التوتر السعودي السوري الأخير، ومشكلة هذا الحلف الأمريكي أنه يضع أسسًا متعارضة للعمل العربي "المشترك" وأفخاخًا متفجرة على طريق الوحدة العربية المأمولة، مما يعزز في نهاية الأمر الأهداف الأمريكية والإسرائيلية في تطبيع عربي أوسع مع الدول المعتدلة، ويوسع إطار المقاومة والعنف على الجانب الآخر، وإن كان هذا الفرز الشديد له مزايا في المحصلة النهائية في تحديد المواقف الفعلية لكل طرف عربي!.


  المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات