|
زوجة الشهيد يحيى عياش وطفليه والطفلين الآخرين من زوجها الثاني |
تجلس أم البراء بين أولادها محاولة رسم الابتسامة على وجوههم والسماع لاحتياجاتهم وتلبية رغباتهم، بعدما خطف غدر الاحتلال حنان والدهم فجأة، تحدثهم عن والدهم "يحيى عياش" القائد الشهيد الذي سمع به الصغير قبل الكبير، وعرف ببطولاته وتضحياته.. ووسط ذلك المشهد لا تغفل أن توفر الحنان الأسري لزوجها الثاني الذي ارتبطت به بعد استشهاد أبي البراء بسنتين تقريبا.
قصة أم البراء شبيهة بقصص مئات زوجات الشهداء الذين رحلوا تاركين وراءهم نساءهم ليعشن مصاعب الحياة، إلا أن الكثير من الشباب في فلسطين حملتهم دوافع عديدة للارتباط بأرامل الشهداء، بل تفضيل ذلك على الارتباط من فتيات أخريات.
بحثا عن الأجر
يقول "يحيى غزال" زوج أم البراء الحالي: "الأجر طبعا هو ما دفعني للزواج من زوجة شهيد، فقد كنت أتمنى أن أتكفل بأبناء شهيد، وعندما اقترح أحد أصدقائي علي أن أتقدم لخطبة زوجة الشهيد القائد يحيى عياش لم أكن أتوقع أن الأمر سيتم، بأن أرتبط بزوجة قائد عظيم مثل أبو البراء، إلا أن زواجنا تم والحمد لله".
ويضيف: "في كل مسألة بالحياة يوجد هناك مؤيد ومعارض، وبمسألة زواجي كان هناك بالتأكيد من أيد هذه الفكرة ومن عارضها من العائلة أو البيئة المحيطة، لكن القرار يعود لي بالنهاية".
ويشير غزال: "منذ بداية زواجنا قمنا بتعليق صورة يحيى عياش في أحد أركان البيت، فنحن نتحدث عن الشهيد في البيت بشكل يومي تقريبا، مع الأولاد ومع أم البراء، فهو قائد عظيم، عاهدت نفسي أن أعتني بأبنائه وأرعاهم وأحفظهم من كل مكروه، وأن أكون نعم الأب لهم، لأعوضهم عن حنان والدهم رحمه الله، فهو مجاهد رفع رأس الأمة جمعاء، كان رجلا في زمن عز فيه الرجال، فكيف لا نتحدث عنه وعن مناقبه وصفاته، فهو ليس شخصا عاديا أبدا".
"أنا أشجع وبشدة على الزواج من زوجات الشهداء، فنحن تحت الاحتلال، والأوضاع صعبة للغاية، بالسابق كانت زوجة الشهيد تلقى المساعدة والعون من الجميع، والكل يتكاتف حولها، أما الآن فالأوضاع سيئة على الجميع، وزوجة الشهيد قد لا تلقى معيلا وسندا لها ولأبنائها بعد استشهاد زوجها".
قرار صعب
تقول أم البراء: "بالنسبة لأهلي فلم يمانعوا أبدا، فأي والد فقدت ابنته زوجها وأصبحت أرملة تعيل أطفالا، فإنه يبقى مشغول البال عليها، إلى أن تتزوج مرة أخرى، أما الذي دفعني للارتباط بعد استشهاد زوجي هو أنني فكرت بأبنائي فهم بحاجة لمعيل وأب يعوضهم عن حنان والدهم الشهيد".
وتحدثنا أم البراء عن قصة زواجها من يحيى غزال فتقول: "كان زوجي يتمنى الارتباط بزوجة شهيد وأن يتكفل بأبنائها، وكان احد أصدقائه يعلم ذلك، فاقترح عليه الزواج مني، لكنه لم يتوقع موافقتي في البداية، وبعد فترة راجعه صديقه بالأمر، وتقدم حينها لخطبتي".
وتضيف: "لم أبك في يوم من الأيام كما بكيت يوم عقد قراني من يحيى غزال، كنت قلقة جدا، فالأمر صعب من جميع النواحي، حيث كنت أفكر وأسأل نفسي كيف لمثل زوجة شهيد وقائد كبير أن ترتبط بعد استشهاده، لكن من ناحية أخرى، فانا ما أزال في مقتبل العمر فعمري حينها كان 23 سنة، وأبنائي ما زالوا أطفالا بحاجة لمن يرعاهم ويحميهم، كما أنهم بحاجة لمن يعوضهم حنان الأب، وعن تلك الأيام الصعبة التي عشناها بعد استشهاده، مما دفعني للتفكير بالارتباط".
أما السيدة ابتهال فقد فقدت زوجها مع بداية الانتفاضة، في عملية اغتيال نفذتها قوات الاحتلال، كان عمرها 23 عاما، ومعها طفلها عزام إضافة إلى أنها كانت في الأشهر الأولى من حملها الثاني بابنتها تقوى، تقول: "بعد استشهاد زوجي تقدم لخطبتي أكثر من شاب، وهم من خيرة الشباب من ناحية الالتزام وغيره، كما أنهم لم يسبق لهم الزواج من قبل وعمرهم مناسب لعمري، لكني رفضت فكرة الزواج نهائيا، فأنا لا أتخيل نفسي أجلس مع شخص آخر غير زوجي أمين، الذي أحببته وعشت معه وأنجبت منه عزام وتقوى"، وتضيف: "أنا لن أتحمل أن أرى أبنائي يعيشون مع شخص غريب، وفي يوم من الأيام يغضب من أحدهم ويرفع صوته عليهم فأنا لن أتحمل هذا أبدا، على الرغم من أن من تقدموا لي كانوا موافقين بأن يبقى أبنائي معي، لكني بصراحة لا أستوعب الزواج بعد أمين، الذي ما زال يعيش بداخلي وذكراه لا تفارقني أبدا".
السيدة سوسن بهلول استشهد زوجها في الانتفاضة الأولى تقول: "بعد مرور عام على استشهاد زوجي سمير بهلول، تقدم شقيق زوجي لي وتزوجنا، أما الذي دفعني للزواج بعد زوجي هو أنني ما زلت صغيرة، فقد كان عمري حينها 19 عاما، وربما سيأتي اليوم الذي سأتزوج فيه، لكني كنت أخاف أن أفقد طفلي بأن أمنع من حضانته في حال زواجي من رجل آخر، فوافقت على الارتباط بشقيق زوجي حتى يبقى طفلي معي، وأنا الآن أحيا حياة سعيدة الحمد لله"، وتشير: "لقد قام زوجي بتعليق صورة أخيه الشهيد -زوجي الأول- في البيت، ونحن نتحدث عنه كثيرا وعن مناقبه، وهذا الأمر لا يسبب أي حساسية أو حرج لأن الذي استشهد أخاه أصلا"، وتضيف السيدة سوسن: "أنا أشجع أي زوجة شهيد، أو من توفي زوجها على الارتباط بعده خاصة إذا كانت في سن صغيرة، فالحياة أمامها، وهذا حق لها".
تمرد على العادات
أما الشاب محمد نائل 22 سنة رأى أن "الأصل في الزواج هو التوافق الفكري والعقلي والاجتماعي، وزوجة الشهيد هي إنسانة لها كامل الحق بحياة سعيدة كباقي النساء، وإذا توفر فيها هذا التوافق، فهي ستكون ضمن الخيارات كغيرها، ويعتقد محمد أن هذا الزواج يتميز عن غيره كونه سيكون أكثر حساسية من غيره، فهذا الرجل ارتبط بزوجة شهيد، وإكرام هذه الزوجة هو إكرام لزوجها الشهيد". كما أنه للعلم، توجد جمعيات تكفل أسر الشهداء الأمر الذي يرفع بعض العبء عن الزوج الذي ستصبح له عائلة من زوجة وأبناء.
يقول وضاح (24 عاما): "قد أفكر بالارتباط بزوجة شهيد، لكن هذا سيكون الخيار الأخير، وبشرط ألا تكون أكبر مني سنا، ولو كان لها أولاد فلا مانع، فأنا أعتقد أنه من يريد أن يكسب الأجر والثواب على زواجه بزوجة شهيد فلا ضير أن يزيد هذا الأجر برعاية أبنائها الأيتام، فالرسول صلى عليه وسلم يقول: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين، مشيرا للسبابة والوسطى)، وهذه مرتبة لا ينالها إلا كل مؤمن صادق يريد مرضاة الله تعالى".
ويضيف وضاح: "أعتقد أنه وفي ظل ندرة الإقبال على مثل هذا النوع من الزواج خصوصًا لدى الشباب بسبب العادات والتقاليد الجارية في مجتمعاتنا، فإن الحل الأنسب من وجهة نظري هو الارتباط بزوجات الشهداء من قبل رجل يريد أن يعدد، أو رجل أرمل، أو مطلق، وهنا لن يواجه الرجل المشاكل التي قد تواجه الشاب الأعزب الذي يقدم على هذه الخطوة، لأني أعتقد أن هذه ظاهرة تحتاج للجرأة والتمرد على العادات والتقاليد".
فقدان العاطفة
أ. مصطفى الشنار محاضر علم الاجتماع في جامعة النجاح الوطنية يقول: "أعتقد وبشكل راسخ أن زواج المرأة بشكل عام هو جزء من التركيب النفسي لها، لا تكتمل شخصيتها إلا به، فهو فيما يخص المرأة يرتقي إلى مستوى الضرورة الاجتماعية، فالمرأة بشكل عام تحن وتميل إلى ممارسة أدوارها الفطرية في المجتمع، وهي الزوجة والأم والجدة، أكثر من الرجل، الذي بدوره يستطيع العيش بدون زواج، وعليه فإن فقدان الزوج في عمر مبكر كما هو الحال لزوجات الشهداء، يشكل اختلالا جوهريا في بناء الأسرة وتوازنها في مرحلة هي أحوج ما تكون فيها إلى الرعاية المادية والنفسية والتنشئة الاجتماعية لأبنائها، وهذا يعني أن فقدان الزوج الشهيد يعني خسارة اقتصادية للأسرة فهو المعيل، وخسارة اجتماعية فهو الراعي الاجتماعي للأسرة، وخسارة سكانية، إذ باستشهاد الزوج يتوقف الإنجاب في الأسرة، ويتوقف نموها عدديا".
ويؤكد الشنار قائلا: "إن الخسارة الأكبر التي لا يجرؤ الناس على مناقشتها بشكل موضوعي ومتوازن، هي الفقدان العاطفي للزوجة، فهي المتضرر الأكبر من استشهاد الزوج بصورة موضوعية، كما أنها من ناحية تقع تحت ضغط الواقع وثقل المسئولية، وحاجتها الطبيعية لرجل يحميها ويدفع عنها غوائل المجتمع والحياة".
يضيف الشنار: "أرى أن المجتمع يظلم زوجات الشهداء، حين يطالبهن بالوفاء، ويقفل عليهن باب الزواج من رجل صالح جديد، لذلك ومن هذا المنطلق فإنني أميل إلى تشجيع ارتباط زوجات الشهداء بأزواج جدد، إذا كانوا من الكفاءة والصلاح، لأن في ذلك تتحقق العديد من المصالح الاجتماعية والشرعية، وحيثما تتحقق المصلحة فثم شرع الله كما يقول أهل العلم".
ويضيف: "لقد سن مجتمع الصحابة سنة حسنة فكانوا يتسابقون إلى زوجات الشهداء للزواج منهن ورعاية أبنائهن، لذلك نكاد لا نجد أرملة ولا عانس في مجتمع الصحابة على كثرة الشهداء، وقد سنت بعض الحكومات قوانين لتشجيع الزواج من زوجات الشهداء، تدفع الحكومة بموجبه مبلغا من المال لكل من يتزوج بزوجة شهيد كما حصل في العراق زمن حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، وهناك بعض الجمعيات هنا في فلسطين بل بعض الفصائل ترعى وتدعم من يتزوج بزوجة شهيد، وأعتقد أن هذه الظاهرة آخذة بالانتشار للتغلب على الآثار السلبية النفسية والاجتماعية والمادية المترتبة على غياب الزوج والأب، وأن أولى درجات الوفاء من المجتمع والفصائل والدول لأهالي الشهداء هي إعادة بناء أسرة الشهيد، واحتضان زوجته وأبنائه في أسرة جديدة عبر زواج الأم".
مراسلة صحفية لإسلام أون لاين.نت من مكتب النجاح بالضفة الغربية بفلسطين.
|