|
| دينيس روس |
يعد استخدام القوة عاملا حاسما لإنتاج سياسة خارجية فعالة، لكن هذا الاستخدام لا يبدو دائما سهلا في الممارسة. وبالنظر إلى حالة باكستان، قد يرى المرء أن إدارة الرئيس بوش ساعدت الرئيس برويز مشرف على الاحتفاظ بمنصبه وميله للتسلط، بعد أن منحته الإدارة نحو 10 بلايين دولار لتعزيز حكمه منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 في سياق المساعدات التي تقدمها للحرب على "الإرهاب". والحاصل الآن أن مشرف قد سمح للإسلاميين "الراديكاليين" بتدعيم مواقعهم في مناطق على الحدود الباكستانية مع أفغانستان، وفقًا لتقديرات بعض التقارير المخابراتية الأمريكية الصادرة حديثًا.
وبالنظر إلى حجم التهديد الماثل بعد تمكن تنظيم القاعدة من عودة التموضع وإعادة التشكل في بعض المناطق الحدودية، فإن السيناتور "باراك أوباما" قد اقترح بأنه في حالة عدم استعداد مشرف لاتخاذ الخطوات الصارمة لفرض النظام في مقاطعة وزيرستان، فربما يجب على الولايات المتحدة أن تلجأ بنفسها لعمل عسكري لتحقيق ذلك. وبالرغم من حقيقة أن أي رئيس أمريكي لا ينكر اتخاذ فعل وقائي ضد عدو ما قبل أن يهدد الأرض الأمريكية، فإن غالبية المرشحين للرئاسة من الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، انتقدوا بشدة موقف "أوباما" تحت دعوى أن التدخل العسكري في باكستان سوف يضر بنظام مشرف ويفقده الاستقرار؛ وهو ما يؤدي لتفاقم خطر القاعدة بدلا من الحد منه. وبالتالي يثور السؤال: هل يجب على الولايات المتحدة أن تقوم بضربات استباقية ضد مراكز القاعدة في باكستان، وهل مثل هذه العمليات سوف تقلل من هذا الخطر القاعدي؟.
السيناريو الباكستاني المخيف
إن السيناريو الأكثر رعبا في باكستان لا يتمثل فقط في عدم الاستقرار في دولة تمتلك أسلحة نووية، ولكن في إمكانية حدوث أي من احتمالين: أولهما فقدان وانهيار السيطرة والرقابة الصارمة على السلاح النووي، وثانيهما أن يتمكن الإسلاميون "الراديكاليون" من الوصول للسلطة فعليا خاصة أن استطلاعات حديثة للرأي تكشف عن تراجع كبير في نسبة رضا الباكستانيين عن الرئيس مشرف من 60% إلى 34% فقط. ومن هنا يبدو جليا أن لدى الولايات المتحدة مصلحة في تجنب أفعال قد تمثل تهديدا ولو ضئيلا أو تحدث صدمة للاستقرار في باكستان.
ورغم أن مشرف يصور نفسه بأنه الحصن الواقي من خطر الإسلاميين، فإنه بالمثل الشخص الذي يأخذ بعين الحرص حقيقة ما تفرضه عليه الوقائع السياسية في بلده. فهو أعلن علانية معارضته للتعليم الديني المتشدد وللإرهاب، وهو قد تعاون مع أمريكا والآخرين في اعتقال بعض قادة ورموز تنظيم القاعدة مثل خالد شيخ محمد، لكنه أيضا ذكر أنه سيتجنب اتخاذ أفعال ضد الإسلاميين ربما قد تقود البلاد إلى التفكك، وهو من أعطى حصة ووزنًا للأحزاب السياسية الإسلامية ولزعماء ومشايخ القبائل في تلك المقاطعات التي ربما تجبره الضرورة فيما بعد على تنفيذ عمل عسكري بها. كما كان مشرف على وعي تام حينما ذكر أنه لا يمكنه ببساطة أن ينفذ كافة الأوامر الأمريكية بسبب تنامي الكراهية تجاه الولايات المتحدة في بلده، وهو ذات الاتهام الذي وجه إلى مشرف ذاته من الولايات المتحدة.
وقد يملك أي شخص أن يحكم باندفاع على رفض اعتبارات مشرف التي تحكم سياساته، لكن هذه أفعاله وليست أفعال الولايات المتحدة.. تلك الأفعال التي خلقت تحالفا حقيقيا ضده من المعارضة الدينية والعلمانية على السواء حيث تعدد مصادر مشكلات "مشرف"؛ فهو قد تأخر في التحرك لمعالجة أزمة المسجد الأحمر، وحاول تكرارًا أن يعزل رئيس المحكمة العليا بالبلاد، وقتل بعض وجهاء القبائل في بلوشستان، ودخل في اتفاق تلو الآخر مع القبائل في وزيرستان للسيطرة على تحرك حركة طالبان عبر الحدود مع باكستان، وهو من أصر بعند شديد على الجمع بين منصبي الرئيس والقائد الأعلى للقوات المسلحة، ويرفض عودة القادة السياسيين من المعارضين الحزبيين إلى الوطن، وهو من أشار تكرارًا إلى إمكانية أن يقدم مقترح مشروع للتصويت عليه للمرة الأولى في البلاد بإعمال الحكم العسكري الدائم.
أمريكا.. كل الخيارات واردة
وأمام أزماته العديدة هذه، يعتزم مشرف الآن اتخاذ واحد من خيارين متباينين كلية، أولهما أن يشرك "بنظير بوتو" رئيسة الوزراء سابقا وأقوى خصومه السياسيين في ترتيبات ما بالحكم، وثانيهما أن يتحول لإعلان حالة الطوارئ في الدولة بعد تخوفه من كثرة الضغوط المحيطة به، لكن مجرد التلميح بأنه يستغل الظروف الراهنة تمهيدا لفرض حالة الطوارئ سوف يقابل بوابل جارف من النقد الداخلي. وبدلا من الاتجاه لحل الإشكاليات القائمة، فإنه ربما تؤدي مثل هذه الخطوة إلى مزيد من الأخطار على حكم مشرف وعلى استقرار الدولة ككل.
وعلاوة على ذلك، ووفق حقيقة ذكرها مشرف، وهي أن الولايات المتحدة لا تحظى بشعبية الآن في باكستان على الأقل بسبب توجيه المساعدات لدعم حكم مشرف وقواته العسكرية مقابل تخصيص جزء ضئيل جدا لأغراض التنمية الاقتصادية، فإنه من المتوقع أن تزداد هجمات طالبان والقاعدة الإرهابية الموجهة إلى الجيش الباكستاني والمسئولين الرسميين في الدولة؛ الأمر الذي سيولد مزيدًا من مشاعر الكراهية ضد مشرف.
إن هذا ما سوف يشجع المسئولين بالولايات المتحدة على الاقتناع بأن تهديدها بالمس بالاستقرار في باكستان ليس خطيرًا إلى حد كبير بحد ذاته، لكن التهديد الأكبر يكمن في إمكانية أن تبدأ القاعدة في شن هجمات داخل باكستان، وهو ما لا يمكن تجاهله أو التسامح تجاهه. وبالتالي يحتاج مشرف والمؤسسة العسكرية الباكستانية والشعب معرفة هذا، والعلم بأن الولايات المتحدة ليس لديها مصلحة في أن تدفع مشرف إلى حافة المواجهة، ولكن عليهم معرفة أن الولايات المتحدة لديها مصلحة في إعلام الشعب حقيقة أنه إذا لم تقم باكستان بالرد المناسب للتعامل مع هذا التهديد فإنه ليس لديها خيار إلا أن تتحرك هي لمواجهته.
وقبل التوجه إلى الشعب بمثل هذا التصرف، فإنه من الحكمة أولا أن تحاول الإدارة الأمريكية عقد لقاءات عسكرية مشتركة بين الطرفين لمناقشة كيف يمكن لأمريكا وباكستان أن يتحركا لمحاربة هذا التهديد الموجه من القاعدة وطالبان. فهذه المحادثات هي ما قد تجعل الطرفين يقفان على الحقيقة الفعلية لهذا التهديد والخطوات التي يمكن للقوات العسكرية الباكستانية اتخاذها بسهولة لتدارك الخطر.
لكن إذا لم تنجح هذه الدبلوماسية الخاصة وتبين ضعف تأثير هذه الاتصالات بين الجانبين، فإن استخدام الدبلوماسية العامة وتوجيه الخطاب إلى الشعب الباكستاني والرأي العام يصبحان أحد الخيارات السياسية.. إنه لمهم لنا أن نوجه الانتباه إلى تنامي القاعدة وطالبان كقوى تهدد باكستان كما تهدد جيرانها، وأنه بالنسبة لنا في النهاية ثمة حقيقة مفادها أن كل فرد عليه التحرك لمواجهة هذا التهديد.
مستشار بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، ومؤلف كتاب "فن إدارة السياسة.. كيف نعيد مكانة أمريكا في العالم". وقد عمل روس لمدة 12 عاما في أثناء فترة ولاية بوش الأب وولايتي بيل كلينتون مبعوثا خاصا للسلام في الشرق الأوسط.
*مقال نشر على موقع معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى يوم 13 أغسطس 2007 تحت عنوان "تحليل ونقد للمعارك". وقد نشر في نفس اليوم بصحيفة "نيو ريبابليك أون لاين".
|