English

 

الخميس. أغسطس. 16, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا » أوروبا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

حصاد مائة يوم من حكم ساركوزي فرنسا

هبة الحسيني

Image
ساركوزي
أكمل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أمس الأربعاء 15 أغسطس 2007 المائة يوم الأولى من وصوله لسدة الحكم في فرنسا. وكما هو معروف تعتبر هذه الفترة شديدة الأهمية في حياة أي رئيس جديد؛ إذ إنها تعطي مؤشرًا للنهج الذي سيتبناه إزاء القضايا الداخلية والخارجية، وفي الوقت نفسه تكشف عن الملامح العامة لسياساته ومدى التزامه بتحقيق وعوده الانتخابية.

وعلى الرغم من قصر هذه الفترة فإن ساركوزي قد استطاع خلالها أن يحقق تقدمًا ملحوظًا خاصة على صعيد الساحة الخارجية؛ حتى إن كثيرًا من المراقبين أصبحوا يتحدثون الآن عن مدرسة سياسية جديدة في فرنسا تسمى بـ"الساركوزية". ولعل السبب في ذلك هو الحماس الشديد الذي أظهره الرئيس الشاب منذ اليوم الأول لتوليه الحكم.

ففي أقل من ثلاثة أشهر، زار ساركوزي 12 دولة في أوروبا وأفريقيا وقابل ما يزيد على عشرين من الرؤساء والمسئولين الأجانب، والتقى مئات المسئولين والأكاديميين والنقابيين وقادة الأحزاب السياسية ورجال الأعمال، لمناقشة قضايا تتعلق بالسياسات الخارجية والداخلية. واستطاع من خلال هذه اللقاءات أن يحقق العديد من الإنجازات على عدة أصعدة.

وبالحديث عن نهج جديد في السياسة الخارجية الفرنسية، قام ساركوزي بتعيين الاشتراكي "برنارد كوشنير" وزيرًا للخارجية، واعتبر ذلك بمثابة مفاجأة فجّرها ساركوزي ليوضح مدى التغيير الذي بدأ يهز أركان السياسة الفرنسية بدخول الجيل الجديد إلى قصر الإليزيه؛ فكوشنير رجل اشتهر بعمله في المجال الإنساني وهو مؤسس منظمة "أطباء بلا حدود"، فضلاً عن أنه يختلف مع الرئيس الجديد في كثير من القضايا. ولعل ساركوزي قد هدف من تعيينه إلى وضع قدر من القيم والمثالية في قلب العمل الدبلوماسي والخارجي وتحريك المياه الراكدة فيه.

وعلى الرغم من أن ساركوزي لا يزال يطرح نفسه باعتباره المسئول الأول عن السياسة الخارجية، فإن الصورة العامة تكشف بروز كوشنير بشكل واضح وتركه بصمة مميزة في كل عمل يقوم به، فقد أثبت منذ اليوم الأول لتوليه المنصب جدارة ونشاطا يميزه عمن سبقوه من مسئولين عن الحقيبة الدبلوماسية، وذلك بدءًا من زيارته للبنان والقاهرة مرورًا بعقده لمؤتمر دارفور وإشرافه على مؤتمر الحوار اللبناني حتى عودته مرة أخرى إلى لبنان.

بين الثبات والتغير

وعلى الرغم من حدوث تغير نوعي في السياسة الخارجية لساركوزي عن سلفه شيراك، فإنها لم تكن بالصورة الجذرية التي توقعها المراقبون والمحللون في عدد من الملفات أبرزها الصراع العربي الإسرائيلي.

فلم يختلف ساركوزي كثيرًا عن سلفه في التأكيد على أن أمن إسرائيل وحق الفلسطينيين في وطن يمثلان "أبرز مبادئ" أرضية إرساء السلام في الشرق الأوسط؛ فالحل يكمن في إقامة دولتين ديمقراطيتين تتعايشان جنبًا إلى جنب في أجواء من الأمن والاستقرار وفي إطار حدود مستقرة ومعترف بها.

وقد أكد ساركوزي استمرار الدعم الفرنسي للسلطة الفلسطينية والرئيس محمود عباس وذلك خلال لقائهما في باريس في 29 يونيو 2007، وأثمر عن ذلك توقيع اتفاقية مساعدة مالية في 18 يوليو 2007 قيمتها 15 مليون يورو تخصص لتغطية رواتب موظفين في السلطة الفلسطينية وتخفيض الدين العام إزاء القطاع الخاص وتطوير قطاع البلديات ودعم القطاع التعليمي.

على أن الاختلاف يبرز بين النهج الشيراكي والنهج الساركوزي في الملف السوري اللبناني تحديدا، حيث تعمل فرنسا على فتح قنوات اتصال متعددة مع كافة الفرقاء اللبنانيين، كما زار وزير خارجيتها سوريا وتدعو فرنسا إلى ضرورة الحوار مع دمشق لحل الإشكاليات المختلفة بينها وبين المجتمع الدولي ولا سيما الولايات المتحدة.

ولبنانيًّا، جددت فرنسا التزامها التام بسياستها المؤيدة للحكومة اللبنانية حتى إنه بعد أسبوع من فوز حزب ساركوزي بالأغلبية في البرلمان الفرنسي، استقبلت باريس رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة على النحو الذي تستقبل به رؤساء الدول. فضلاً عن ذلك، دعت الحكومة الفرنسية حزب الله للمشاركة في مؤتمر "سان كلو" الذي استضافته فرنسا في منتصف يوليو 2007 وجمع كافة الفرقاء السياسيين اللبنانيين، وتم الاتفاق خلاله على الالتزام باستئناف الحوار الداخلي اللبناني، واعتبر ذلك تحولاً ملحوظاً في توجه ساركوزي الذي دأب على تسمية حزب الله بالمنظمة الإرهابية، إلا أن وزير خارجيته برنار كوشنير أكد على أنه من أجل التوصل إلى السلام لا بد من التحاور مع كافة الأطراف اللبنانية، ومن ثم لا يمكن وضع حزب الله على لائحة المنظمات "الإرهابية"؛ وهو الأمر الذي يعني عودة الاعتبار لوزارة الخارجية الفرنسية في عهد ساركوزي.

وبالنسبة للشأن السوداني، فقد استخدم ساركوزي لهجة أكثر حدة من سلفه شيراك تجاه الحكومة السودانية، وتجلى ذلك في خطابه الذي ألقاه في افتتاح مؤتمر باريس حول دارفور في أواخر يونيو الماضي وشارك فيه 15 دولة وقاطعه السودان والاتحاد الأفريقي، وطالب بضرورة وقف "العنف" في الإقليم وحشد جهود المجتمع الدولي، وقد أظهر المؤتمر توافقا في الموقفين الفرنسي والأمريكي إزاء هذه القضية، وانتهى بالاتفاق على تشكيل قوة حفظ سلام أفريقية وغير أفريقية.

المغرب العربي.. أولوية خاصة

وعلى صعيد المغرب العربي، قام ساركوزي بنشاط مكثف في كل من الجزائر وتونس، بعد أن تأجلت زيارته للمغرب إلى أكتوبر المقبل، وحرص خلال جولته هذه على الترويج لمشروعه "الاتحاد المتوسطي" الذي يجمع الدول المغاربية الخمس والدول الأوروبية جنوب المتوسط، ويتضمن الاتفاق على معاهدة للأمن الجماعي ومكافحة الإرهاب ودعم الشراكة الاقتصادية وتشجيع الاستثمارات وخلق فرص عمل في الجنوب للحد من الهجرة إلى الشمال، ويعكس المشروع رغبة ساركوزي في أن تسترد فرنسا مكانتها كقوة متوسطية كبرى تعمل على ضمان مصالحها خاصة فيما يتعلق بالأمن والاستقرار والهجرة.

وثمة اختلافات في الرأي حول المصير الذي ينتظر مشروع ساركوزي الجديد. فالبعض يراه مشروعا تصوريا لن يقود لشراكة جادة ويشبهه آخرون بفكرة الشرق الأوسط الكبير، وآخرون يرونه بسطا جديدا لنفوذ فرنسي في هذه المنطقة. لكن بعض المراقبين يرونه فكرة قابلة للتطبيق وتفوق مزاياها العيوب السابقة مثل "جواد كردودي" الخبير الاقتصادي رئيس المعهد المغربي للعلاقات الدولية الذي صرح لجريدة "le petit journal" الفرنسية في 7 يونيو 2007 أن رؤية ساركوزي لمشروع الاتحاد المتوسطي تعتبر "مبتكرة وسخية"؛ فهي مبتكرة لأن فكرة الاتحاد تقتصر فقط على دول جنوب أوروبا في حين دول الشمال أو الشرق لا تعبأ كثيرًا بالجنوب المتوسطي، فضلاً عن أنها تتيح فرصة جيدة لتركيا للانضمام في حالة فشلها في الالتحاق بالاتحاد الأوروبي. كذلك تعتبر رؤيته سخية لأنها تقوم بالأساس على دعم التعاون بين هذه الدول من خلال المجلس المتوسطي وانعقاد قمم دورية وإقامة بنك متوسطي للاستثمار ودعم كافة سبل التعاون في المجالات الاقتصادية والاجتماعية.

وقد استطاع ساركوزي أن يقلل من حدة التوتر الذي شاب العلاقات الفرنسية الجزائرية في السنوات الأخيرة، بعد رفض باريس لمطلب الرئيس "عبد العزيز بوتفليقة" الاعتذار عن الاستعمار الفرنسي لبلاده، وحقق ساركوزي نجاحًا يحسب له خلال زيارته للجزائر؛ إذ تم التوقيع على إنشاء جامعة جزائرية فرنسية مشتركة، والاتفاق مع الرئيس بوتفليقة على إقامة شراكة اقتصادية وسياسية جديدة ستكون بمثابة انطلاقة جديدة في العلاقات بين البلدين. كذلك حصل ساركوزي على دعم الرئيس التونسي زين العابدين بن علي لمشروعه المتوسطي، مؤكدًا على أهميته لدعم الاستقرار والأمن في المنطقة.

أما فيما يتعلق بزيارة ساركوزي للجماهيرية الليبية، فقد رأى "قادر عبد الرحمن" المتخصص في الشئون المغربية بمعهد العلاقات الدولية والإستراتيجية الفرنسي "IRIS" في حواره مع جريدة "LE METRO" في 25 يوليو 2007، أنها شكلت سابقة من نوعها ميزت الأشهر الأولى لحكم الرئيس الفرنسي الجديد؛ فالرئيس شيراك طوال سنوات حكمه لم يقدم على مثل هذه الخطوة حيث كانت ليبيا دولة معزولة بعد الحظر المفروض عليها.

ويرى عبد الرحمن أن زيارة ساركوزي لليبيا بعد يوم واحد من إفراج الحكومة الليبية عن الممرضات البلغاريات الخمس والطبيب الفلسطيني قد جاء لقطف الثمار السياسية والاقتصادية للجهود الفرنسية التي بذلت في هذا الشأن؛ فساركوزي يود الحصول على تأييد ليبيا للمشروع المتوسطي الذي يروج له بين دول المغرب العربي وكذلك الحصول على المزيد من الدعم الليبي في الحرب على الإرهاب، بالإضافة إلى المساعدة في قمع الهجرة غير الشرعية من شمال أفريقيا إلى القارة الأوروبية وإلى فرنسا تحديدًا.

وقد وقعت فرنسا وليبيا سلسلة اتفاقيات من بينها خطط للتعاون في مجال الدفاع وتطوير مفاعل نووي للاستخدام المدني. ويتوقع عبد الرحمن أن تقوم فرنسا ببيع الكثير من منتجاتها في الأسواق الليبية التي عانت من الحظر الاقتصادي لأكثر من عشر سنوات، إلا أنه يرى أن العلاقات التجارية بين البلدين ستقتصر على المجالات الصناعية وليس الطاقة وذلك بسبب شراكتها مع الجزائر.

وعن الدور الذي لعبته سيدة فرنسا الأولى "سيسيليا" زوجة الرئيس الفرنسي في إطلاق سراح الممرضات، يقول "باسكال بونيفاس" مدير معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية الفرنسي "IRIS"، في حواره مع جريدة "ليبراسيون" الفرنسية في 25 يوليو 2007، إن التحرك الذي أقدمت عليه "سيسيليا ساركوزي" مؤخرًا يختلف تمامًا عن الأدوار السابقة لزوجات الرؤساء الفرنسيين، فهي وإن كانت قد ظلت تعمل في سياق العمل الإنساني العام، فإنها اقتربت كثيرًا من مجال تحرك الدبلوماسية الفرنسية والسياسة الخارجية للجمهورية التي هي من اختصاص الرئيس الفرنسي نفسه. ويرى بونيفاس أنه من المبكر الجزم بأن تدخل سيسيليا يعكس نهجًا جديدًا في السياسة الخارجية الفرنسية، إلا أن كافة المؤشرات توضح أن هناك دورًا جديدًا لزوجة الرئيس الفرنسي على نحو غير معهود من قبل.

فرنسا وأمريكا.. خلافات العائلة الواحدة

ولا يمكن تناول المائة يوم الأولى من حكم ساركوزي دون التطرق إلى علاقته مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي من الواضح أنها رغم التقارب الحادث كما ظهر في لقاء ساركوزي الأول مع الرئيس بوش مطلع هذا الأسبوع في كينيبنكبورت في ولاية ماين شمال شرقي الولايات المتحدة، فإن الطرفين يعترفان بوجود خلافات بينهما في بعض القضايا، لكنهما يعتبرانها خلافات ثانوية تقع داخل "العائلة الواحدة". ومع ملاحظة حفاوة العلاقات التي ظهرت بين الجانبين خلال الزيارة، فإن كثيرا من الآراء لا تتوقع من ساركوزي أن يربط سياسات فرنسا بإدارة بوش التي سترحل نهاية 2008 والتي هي محل انتقاد دولي واسع النطاق.
 
من المؤكد أن ثلاثة أشهر فترة غير كافية للحكم على نجاح سياسة ساركوزي الخارجية من عدمه، لكن ما يمكن استطلاعه حتى الآن أن الرئيس الجديد لم يحدث انقلابًا شاملاً في توجهات السياسة الفرنسية تجاه العالم العربي. ورغم إعلان صداقته مع إسرائيل فإنه لا يزال متمسكا برؤية فرنسا المتوازنة تجاه قضايا الصراع العربي الإسرائيلي، وقد يكون السبب في ذلك هو إدراكه الجيد أن مشروعه المتوسطي لن يكتب له النجاح كاملا على المدى الطويل دون تسوية الأوضاع في المنطقة.
 
أخيرًا يبدو واضحًا رغم قصر هذه الفترة، أن التوجهات العامة لسيد قصر الإليزيه الجديد تحظى بتأييد شعبي، حيث كشف آخر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "IPOF" الفرنسية أن نسبة تأييد ساركوزي ارتفعت إلى 66% خلال هذه الفترة؛ وهو ما يدل على تزايد شعبيته مقارنة بالأيام الأولى لتوليه الرئاسة أو حتى مقارنة بعدد الأصوات الانتخابية التي حصل عليها في أثناء الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية ضد المرشحة الاشتراكية سيغولين رويال؛ إذ حصل ساركوزي حينئذ على 53% من مجموع الأصوات الانتخابية.


باحثة سياسية

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات