|
| هل تضيء شمعة الحوار مجددا؟ |
ما الذي يكمن وراء تجدد الحديث البريطاني عن الحوار مع تنظيمات إسلامية في المنطقة العربية؟ وإلى متى يدور حديث الغرب ثم ينقطع ثم يدور ثانية حول الحوار ولا يدور الحوار نفسه؟ ما الذي يميز الدعوة الصادرة عن اللجنة النيابية البريطانية للشئون الخارجية -وهي دعوة موجهة إلى حكومة براون في لندن ولم توجه إلى التنظيمات المعنية بعد- وهل يمكن أن تختلف فعلا عن سابقاتها، عندما اختلط الحديث عن الحوار مع الإسلاميين بالحديث عن ضغوط على حكومات عربية توصف غربيا بالمعتدلة، تحت عناوين الديمقراطية وحقوق الإنسان؟ وهل تمضي الدعوة إلى الحوار شوطا حقيقيا، أم تنقطع كما حدث مع سابقاتها، مع ظهور حجم شعبية الإسلاميين، وكذلك حجم الاختلاف في النظرة إلى قضايا أساسية، كقضايا الاحتلال، والمقاومة المشروعة، والاحتكام إلى الإرادة الشعبية لاختيار المرجعية في الحياة والحكم؟.
هل تخترق بريطانيا الحواجز الأمريكية في اتجاه بناء المحاور مع "الحكومات المعتدلة"، لزيادة الشروخ والمواجهات و"الفوضى الهدامة" في المنطقة، وليس في اتجاه بناء الحوار مع جهات معارضة، إسلامية أو غير إسلامية، أو في اتجاه التوصل إلى أوضاع عادلة ومكانة كريمة للشعوب والبلدان الإسلامية في نطاق الأسرة الدولية، بمعناها الشامل، وليس وفق النظرة المركزية الغربية إليها؟.
هل يمكن أن تدفع بريطانيا الاتحاد الأوروبي إلى حوار حقيقي مع الإسلاميين، بعد أن مضى الاتحاد شوطا بعيدا في تقليد واشنطن، باصطناع قوائم التصنيف للحكومات والمنظمات في بلادنا وبناء ما بنى عليها من إجراءات؟ هل يظهر تحرّك بريطاني معاكس للتيار الأوروبي بعد وصول ساركوزي ومن قبله ميركل إلى السلطة في فرنسا وألمانيا، ناهيك عما أثاره ويثيره بابا الفاتيكان الجديد في منصبه أيضا؟.
ثم ما الذي يتوجب على الإسلاميين صنعه كيلا يقعوا فيما وقعت فيه المنطقة الإسلامية برمتها، فلا تنفرد أطراف الحوار الغربية بهم فريقا بعد فريق، وتنظيما بعد تنظيم، بدلا من أن تجد نفسها أما تكتل أو تنسيق أو أرضية منطلقات مشتركة، تجعل نتائج الحوار مع الجميع معا أو مع كل طرف على انفراد، تصب في اتجاه إيجابي واحد، وليس في اتجاهات متفرقة أو متناقضة؟.
بين الذات والآخر والمرجعية
الأسئلة أكثر بكثير من الأجوبة؛ فدعوات الحوار أصبح لها تاريخها، وهو ما لا ينفصل عن الإجراءات والسياسات والممارسات الواقعية على الأرض. وصحيح أن الحوار مطلوب على الدوام، كما يردد الإسلاميون، لا سيما الذين سارعوا إلى الترحيب بالخطوة الجديدة -أو نصف الخطوة- الصادرة عن جهة رسمية لندنية، قد تساهم في صناعة القرار، ولكن أي حوار مطلوب، وأي حوار يؤدي إلى نتائج إيجابية، ترضي الطرفين، وتحقق تطلعات الطرفين، وليس طرفا دون آخر، وهو ما عطّل كثيرا من دعوات الحوار ومحاولات الحوار السابقة مع الجهات الرسمية الغربية؟.
للحوار مواصفات أساسية حتى يكون حوارًا، وهي مواصفات بدهية وإن جرى تغييبها أحيانا أو في غالب الأحيان؛ وهو ما يفرض تكرارَ ذكرها مع كل طرح جديد لحوار جديد، ومن تلك المواصفات البدهية الأساسية، أنه يجري بين طرفين، مختلفين -أو أكثر- فكل شرط مسبق في صياغة مباشرة، أو في صياغته على شكل هدف ومطلب تجاه الآخر قبل الحوار، شرط يفسده قبل الشروع به، ومن ذلك مثلا ما أرادته الأطراف الغربية حتى الآن، أن يتخلى الطرف الإسلامي عن التزامه بمرجعيته الإسلامية، والقبول بمرجعية علمانية -وكم يُذكر مثال تركيا هنا دون ذكر خصوصياته وتفاصيله- قبل القبول به طرفًا في الحوار، ناهيك عن القبول به طرفًا في "تعددية سياسية" في بلد إسلامي!.
هذا شرط يعني التخلي عن الذات أولا، أي يجعل الطرف الإسلامي طرفًا علمانيا بنكهة إسلامية، ويحتكم للمرجعية العلمانية في تحديد حجم تلك "النكهة"، وحدود انتشارها، والقيود التي تفرض عليها، وجميع ذلك مرفوض سلفًا، والبديل الذي يطرحه -أو يجب أن يطرحه- الطرف الإسلامي، هو قابلية الحوار حول الميزات المترتبة على الأخذ بمرجعيته الإسلامية في بلده الإسلامي، وتأثير ذلك على الآخر محليا، وعلى الآخر دوليا، بما في ذلك ما يرتبط بالعلاقات مع الغرب، وكذلك مع قابلية المقارنة مع ما يترتب بالمقابل على الأخذ بالمرجعية العلمانية -والشواهد من التاريخ القريب والمعاصر ماثلة أمام الجميع- سواء بالنسبة إلى الآخر محليا، أو الآخر دوليا.
هذه المواصفة للحوار بين فريقين بمرجعيتين مختلفتين لم تتوافر حتى الآن في أي دعوة من دعوات الحوار الغربية، بل على النقيض من ذلك، كانت السنوات القليلة الماضية، وبعد انتشار الصحوة الإسلامية الشعبية انتشارًا واسعًا، حافلة بالحديث النظري وبالممارسات العملية من أجل اصطناع "إسلام علماني" أو "إسلاميين علمانيين"، أي جمع المتناقضات المستحيل جمعها عند الطرف الإسلامي، بدلا من البحث عن أرضية مشتركة للتعايش وللتعددية وللحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ما بين منطلقات مختلفة لفريقين أو أكثر.
بين الأهداف والنتائج والثوابت
ومن المواصفات البدهية الأساسية للحوار أن نتائجه تظهر بعد إجرائه، وأنه حتى تظهر تلك النتائج، يبقى لكل طرف أهدافه الذاتية من الحوار، ومن تلك الأهداف ما يرتبط بثوابته، فلا يحيد عنها، ومنها ما يقبل الوصول إلى ما يُسمّى حلولا وسطية، وعندما يشترط طرف في الدعوة إلى الحوار، أن تكون النتيجة التي يتطلع هو إليها، موضع التبني من جانب الطرف الآخر قبل الحوار معه، وعلى حساب ثوابته، لا يتحقق الحوار، أو يصبح من قبيل ما يوصف بحوار الطرشان.
وفي هذا الإطار يمكن تصنيف قضايا عديدة، كانت ولا تزال موضع خلاف شديد بين الغرب عموما، وبين المنطقة الإسلامية عموما، بشعوبها وحكوماتها والمعارضة فيها، وإن تفاوتت درجات الاستعداد للتخلي عنها، على قدر تفاوت الاستعداد الذاتي، بين أقصى درجات التبعية والذوبان في الغرب، وبين أقصى درجات الرفض المطلق.
من هذه القضايا قضية فلسطين، وقضية العراق، وقضية أفغانستان، وسواها من قضايا البلدان الإسلامية التي يمكن وضعها تحت عنوان قضايا الاحتلال والتحرير، أو العدوان والمقاومة، وجميعها مما يرتبط بشكل أو بآخر بالثوابت، الإسلامية الذاتية عند الطرف الإسلامي، وكذلك ثوابت الشرعية الدولية، إذا فهمناها من خلال نصوص المبادئ والقيم في مواثيق دولية، وليس من خلال قرارات، شرعية وغير شرعية بميزان القانون الدولي، تمليها ظروف القوة المتقلبة في منظمات دولية أو إقليمية.
الحوار حول هذه القضايا حوار ممكن ومطلوب، ولكن ليس من باب تزييف تاريخها وما ينبني عليه، ولا من باب تسمية الأشياء بغير مسمياتها المعبرة عن حقيقتها، كالحديث عن سلام عادل وهو جائر، وعن حل وسطي وهو منحاز، وعن تطبيع وهو تطويع، وما شابه ذلك؛ فالمطالبة المسبقة بمثل ذلك لا تجدي نفعا، وإن تسرعت أطراف إسلامية فأبدت استعدادًا للحوار رغم اقتران الدعوة إليه بتلك المطالبة في صيغة شرط مسبق، فلن تجني سوى تضييع شعبيتها، أي تضييع تأييد النسبة الأعظم من الشعوب التي لا يمكن التخلي عن الاحتكام إلى إرادتها احتكامًا حرًا نزيها مضمونًا في كل خطوة كبرى من الخطوات التي تمس الحقوق الشرعية لها.
وكان مما يلفت النظر في "مقدمات" الدعوة البريطانية إلى حوار مع تنظيمات إسلامية، أنها اقترنت بالحديث عن مقدمات أخرى توحي باحتمال "خجول" لتغيير السياسة البريطانية نفسها تجاه هذه القضايا، لا سيما ما يتعلق بالعراق، وربما لبنان وسوريا، في حين لم يظهر جديد فيما يتعلق مثلا بالسودان أو أفغانستان. رغم ذلك يمكن اعتبار ذلك بداية في الاتجاه الصحيح، لا أكثر ولا أقل.
إن نتائج حوار ما في الظروف الراهنة، يتناول هذه القضايا، لا يمكن أن يسفر عن أكثر من تحديد مواقف أساسية وليس تفصيلية؛ لأن الطرف البريطاني نفسه يمثل جزءًا من آليات صناعة القرار في الغرب، ولا يملك أمرها جميعا، وقد يعطي دفعة لها في اتجاه التغيير نحو الأفضل، أو على الأقل في اتجاه الاستعداد لحوار حقيقي عن ذلك، وهذا من غيب المستقبل فلا يمكن البناء عليه حتى يصبح واقعًا قائمًا.
كما أن الأطراف الإسلامية المستهدفة بالدعوة البريطانية لا تملك صناعة القرار حول هذه القضايا، وإن كانت تملك التأثير عليه من خلال ما تفرضه فرضًا على أرض الواقع، ووضعها هذا هو بالذات ما يفسر الرغبة -إن وجدت حقا- في الحوار معها. والفارق كبير في أن تكون هذه الرغبة موجهة من أجل إضعاف هذا التأثير أم من أجل أخذه بعين الاعتبار في صناعة القرار، وهذا مما ينبغي على الأطراف الإسلامية أن تستبينه على حقيقته، وأن تتجنب التسرع بصدده، فليس الحوار هدفا، وينبغي ألا يكون، بل هو وسيلة، تفسد إن فسد الهدف.
بين المصالح والمطامع والقيم
ومما تردد كثيرًا من باب التخويف من التيار الإسلامي عموما، وليس من باب الحوار معه، أن وصوله إلى صناعة القرار، أو المشاركة في صناعته، يمكن أن يعود بالأضرار على ما يسمى المصالح الغربية، لا سيما ما يتعلّق بمصادر الطاقة والمواد الخام والعلاقات الاقتصادية والمالية. ونعلم أن كثيرًا من تلك المصالح تجاوز الحد المشروع والضروري للعلاقات بين دول العالم، ووصل إلى درجة الاستغلال والهيمنة، وبات كثير من الغربيين أيضا يتحدثون عن ذلك، وإن لم يصلوا به إلى مستوى التأثير الفعال على صناعة القرار السياسي والأمني والاقتصادي في بلادهم.
وهنا أيضا لا يمكن استباق النتائج، ولا يمكن التفصيل في رسم معالم الصورة النهائية قبل الحوار نفسه، إنما يمكن تثبيت القواعد التي يعتمد الحوار عليها من أجل الوصول إلى تلك الصورة. ومن تلك القواعد ما ينبغي أن يميز بين المصالح المشروعة المقبولة والمطامع المفروضة غير المشروعة، وبين النفع المتبادل والانتفاع الاستغلالي في اتجاه واحد.
إن التعاون الدولي مطلوب، ولكن لا يمكن أن يكون تعاونا حضاريا نافعا إذا كان قسط كبير من العلاقات القائمة في إطاره مقيدا، ومن القيود القائمة الحالية ما يمكن وصفه باحتكار التقنيات الحديثة، وإنكار حق امتلاك الأسلحة الرادعة، والخلل الكبير في التجارة الدولية وحركة الاستثمارات وتحديد الأسعار. ومفتاح إزالة هذه القيود في يد الأطراف الغربية التي لا تظهر استعدادًا للتخلي عنها بل أصبحت "الحروب الاستباقية والمستقبلية" قائمة أو قادمة للحفاظ عليها.
ويبدو أن الجانب الحاسم في دعوات الحوار مع "الطرف الأضعف" في هذا الإطار، وهو الطرف الإسلامي المدعو لحوار، أن ما كان يُرفع في صيغة شعارات من حديث عن منظومة العقيدة والقيم والأخلاق، وأنها مصدر "قوة حضارية"، أصبح مصدر قلق كبير للغرب الذي يشكو من غلبة عوامل أخرى في حضارته على منظومته ويهدد وجوده من الداخل وليس نتيجة خطر خارجي، وبات يعبّر من خلال مواقف عديدة، عن الخشية من اختراق منظومته إسلاميا، بل ويمضي إلى إجراءات وممارسات تتناقض مع منظومته نفسها -كالقوانين الاستثنائية سيئة الصيت غربيا والتي تستهدف المسلمين تخصيصا- على أمل سد ما يراه من ثغرات داخل نسيجه الاجتماعي والفكري والقيمي.
والحوار هنا يحقق فوائد كبيرة، إذا أحسن استخدامه وسيلة من أجل بيان ما يضمن المصالح المادية المشروعة، ضمانا متوازنا يحررها من الاستغلال والهيمنة، وبيان ما يعنيه التلاقي على أرضية مشتركة في منظومة قيم إنسانية، تستفيد من "مصدر القوة الحضارية" بدلا من العداء له، وهذا بعض ما يوجب على الأطراف الإسلامية السعي إليه من خلال تركيز أكبر على العنصر الإنساني والحضاري المشترك في الخطاب الإسلامي.
وجميع ما سبق لا يجيب على التساؤلات المطروحة في مطلع الحديث، إنما يؤكد أهمية تحديد معالم الإطار الضرورية لأي حوار، سواء في ذلك ما يصدر، أو يمكن أن يصدر، عن جهة غربية منفردة، كبريطانيا الآن، أو يصدر بصيغة من الصيغ الجماعية، والمفروض -أو المرجو- أن يسري هذا الإطار على كافة الأطراف في بلادنا، الرسمية وغير الرسمية، الإسلامية وغير الإسلامية، كيلا تتشعب السبل وتتعدد الثغرات، ولا نجهل أن هذا يتطلب بدوره حوارًا حقيقيا قويمًا بين تلك الأطراف، كيلا يتحول الحوار القويم أو المنحرف، مع الآخر الدولي إلى سراب الوهم بالاستقواء من خلاله على الآخر المحلي.
كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.
|