English

 

الاثنين. أغسطس. 13, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » السودان

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

دارفور.. قوات دولية و"ملاكمات" السلام

محمد جمال عرفة

Image
مخاطر تفتيت السودان
هل يدق السلام أبواب دارفور بعد التطورات الأخيرة المتلاحقة، في صورة اتفاق الخرطوم والأمم المتحدة على شكل القوة الدولية (إفريقية - آسيوية) التي سوف تنتشر في دارفور بعد القرار رقم 1769 القاضي بتشكيل هذه القوة المختلطة، وفي ظهور نوع من التوافق بين الحكومة السودانية وأغلب قيادات الحركات المسلحة في دارفور، الرافضة لاتفاق أبوجا (8 فصائل) على حد أدنى من التفاهم حول القضايا المعلّقة منذ اتفاق (أروشا - تنزانيا)، بحيث بات من المنتظر أن تبدأ مفاوضات نهائية حول الإقليم المضطرب في غضون شهرين؟.

"شدّ الأطراف"

الثابت أن أزمة دارفور استمرت واشتعلت بسبب تعدد الفصائل والفرق المتمردة هناك وتشتتها إلى أكثر من 10 فصائل مسلحة، وصعوبة جمع هؤلاء على قلب رجل واحد تتفاوض معه الخرطوم، وأنّ هذا التعدد في الفصائل المتمردة أعطى الغرب والولايات المتحدة الفرصة للصيد في ماء الخلافات العكر بين هذه الفصائل والخرطوم، ولهذا فأول خيط لحل المشكلة يبدأ باتفاق الفصائل المتمردة على برنامج مشترك أو مطالب مشتركة محددة كي يسهل التفاوض حولها مع الخرطوم.

هذا التوافق بين المتمردين هناك لن يسهل كثيرا مشكلة التفاوض بحيث تنتهي بحلول وسط (كما حدث مع متمردي الجنوب) فحسب، وإنما سوف ينزع أيضا سكين التدخل الأجنبي في شئون السودان، خصوصا أن هناك أجندة أمريكية لدارفور - ضمن مخطط القرن الإفريقي الكبير، ومخطط بناء قوة عسكرية لإفريقيا (أفريكوم) تستهدف بسط النفوذ الأمريكي هناك وتشجيع مخطط لتفتيت السودان سلما أو حربا يسمونه في واشنطن "شدّ الأطراف"!.

ربما لهذا كانت الخرطوم هي الأكثر سعادة باجتماع أغلب فصائل متمردي دارفور في تنزانيا وتوصلهم لموقف تفاوضي مشترك ومطالب محددة، واتفاقهم على إجراء محادثات "نهائية" بشأن السلام مع الحكومة السودانية خلال شهرين، وذلك على الرغم من أنها –الخرطوم- لا توافق على بعض ما طرحه المتمردون، بل وترفض أصلا إعادة التفاوض حول ما سبق أن تفاوضت عليه مع أحد أجنحة التمرد والذي نتج عنه اتفاق أبوجا مايو 2006، لأن مجرد اتفاق فصائل التمرد على أجندة واحدة يسهل التفاوض.

والأهم هو أن الخرطوم تسابق الزمن لإجهاض المخططات الأمريكية في السودان والتي تلعب الآن على وتر دارفور، لأسباب إستراتيجية واقتصادية وعسكرية، وتشدّد العقوبات على السودان للحصول على مزيد من التنازلات، التي تصب في خانة تفتيت السودان جنوبا وشرقا وغربا، بل إن موافقة الخرطوم على قرارات مجلس الأمن الأخيرة القاضية بنشر 26 ألف جندي بعدما كانت تعارضها جاء لتفادي عقوبات أشدّ وخطط أمريكية متقدمة، لمزيد من التدخل العسكري في دارفور، ولتحسين صورة الخرطوم دوليا بعد حملات الدعاية الغربية، أملا في إجهاض هذا التدخل العسكري الدولي في شئون السودان باتفاق سريع مع فصائل التمرد في دارفور، ينهي حجج التدخل الأمريكي أو الدولي ويبعد شبح تفتيت السودان بالقوة!.

وقد أكد عبد الله مسار مستشار الرئيس السوداني هذا المعنى –على هامش حلقة نقاشية خاصة بدعوة اتحاد الأطباء العرب يوليه 2007– حينما قال إن الخرطوم تسعى للتغلب على ما اعتبره تآمرًا خارجيًّا ضد السودان في دارفور عبر "خريطة طريق" لحلّ هذه القضية بالتفاوض مع كافة الفصائل المعارضة هناك وتوسيع دائرة المشاركة السياسية معا.

وسبقه الرئيس السوداني المشير عمر البشير حينما أشار لهذه المخاوف في خطاب أمام الجلسة الافتتاحية لدورة الانعقاد الرابعة لمجلس شورى المؤتمر الوطني، مؤكدا أن هناك "إستراتيجيات تسعى إلى تفتيت السودان".

"أروشا" تطور هام 

قبل اجتماع أروشا الذي ضم 8 فصائل متمردة دارفورية وغاب عنه زعيمان متمردان رئيسيان -هما عبد الواحد محمد نور مؤسس حركة تحرير السودان، وسليمان جاموس مسئول الشئون الإنسانية في حركة تحرير السودان بعد اعتقال الخرطوم له- كانت لقاءات الخرطوم وحركات التمرد تفشل لغياب التنسيق في المطالب بين الحركات المختلفة وتدخل قوى أجنبية في تحديد أجندات كل جناح متمرد، مما أفشل عشرات اللقاءات السابقة ودعا الخرطوم للاتفاق مع فصيل واحد من ثلاثة فصائل رئيسية متمردة في دارفور حينئذ هو فصيل "مني أركون مناوي".

ولذلك يعتبر اتفاق "أروشا" التي خرج بوثيقة تحوي رؤى 8 حركات تمرد للتفاوض مع الحكومة السودانية في شأن اقتسام السلطة والثروة والترتيبات الأمنية علامة مشجعة، خصوصا أنه أقرّ أيضا بوقف إطلاق النار وهو ما رحبت به الخرطوم بالمقابل.

ومع أن الخرطوم تعلن من الآن رفضها لإعادة التفاوض حول اتفاق أبوجا وتدعو باقي الفصائل الغربية الرافضة للاتفاق للانضمام له، فالمرجح مستقبلا -عندما تتضح أكثر نوايا المتمردين- أن تقبل الخرطوم بتوقيع اتفاق جديد شامل مع كافة المتمردين، فقد سبق لها خلال مفاوضات السلام مع الفصائل المتمردة في الجنوب توقيع اتفاق مع فصيل جنوبي متمرد واحد، هو (اتفاقية الخرطوم للسلام) مع د. رياك مشار، والتي أُعلنت وفاتها رسميا بعد اتفاقية "نيفاشا" النهائية اللاحقة لها بشأن السلام في كل الجنوب بين الحركة الشعبية والخرطوم.

ولهذا يعتبر توصل جماعات المتمردين في دارفور غرب السودان لـ"برنامج مشترك" لمثل هذه المحادثات خطوة هامة جدا على الرغم من أن المفاوضات لن تكون سهلة، خصوصا إذا استمر غياب بعض زعماء المتمردين ذوي النفوذ والرافضين للتدخل الدولي أو الضغط عليهم مثل عبد الواحد النور أحد زعماء المتمردين البارزين، وسليمان جاموس منسق الإغاثة بحركة تحرير السودان.

عين على التدخلات الدولية!

ويبدو أن سر سعادة الخرطوم بهذا التطور الذي كانت تطالب به منذ تفجر أزمة دارفور، هو أن عينها على التدخلات الدولية في دارفور والسودان ككل وسلسلة القرارات والعقوبات الأمريكية والدولية التي تهيّئ الأجواء لهذا التدخل العسكري وآخرها قرار نشر 26 ألف جندي دولي مختلط إفريقي - دولي في دافور، وقرارات المحكمة الدولية في لاهاي بطلب تسليم الخرطوم اثنين من المتهمين بمجازر في دارفور.

فمحكمة لاهاي أصدرت أمرا في فبراير 2007 بالقبض على وزير الشئون الداخلية السابق (أحمد هارون)، ومن سمي زعيم ميليشيا الجنجويد الموالية للحكومة (علي كشيب) بتهمة التورط في عمليات "إبادة" في دارفور ونزوح الملايين عن منازلهم، وهو ما رفضته الحكومة السودانية للأول (هارون)، في حين حولت الثاني (كشيب) لمحكمة سودانية.

أيضا صدرت عن الخرطوم تهديدات ووعيد لأي قوات أمريكية أو أوربية تطأ أرض دارفور، ما دفع الأمريكان والأوروبيين للتردد عن إرسال أي قوات لدارفور ضمن القوة الدولية المقترحة، بحيث اقتصرت القوات الأخرى التي أعلن عن مشاركتها حتى الآن على دول آسيوية، ولكن هناك خشية من تطورات لاحقة وقرارات أخرى للأمم المتحدة تفرض التدخل في دارفور فتتدخل واشنطن كما فعلت في العراق.

ويعتقد أن موافقة الخرطوم رسميا على نشر قوة مختلطة إفريقية دولية تسمى "القوة الهجين" في دارفور استهدفت تلافي مخاطر أخرى للتدخل في السودان وفرض واشنطن قرارات من مجلس الأمن بالتدخل العسكري ومزيد من العقوبات.

ونشير في هذا الصدد لدور مهم بدأت تلعبه حركة التمرد الجنوبية المتحالفة الآن مع حكومة الخرطوم في التوفيق بين مطالب حركات التمرد الدارفورية، واستضافتهم في الجنوب لهذا الغرض بهدف نقل خبرة المفاوضات السابقة والاتفاق على قواعد وأسس محددة سبق التفاوض بشأنها فيما يتعلق بتوزيع الثروة والسلطة.

ويزيد من فرص هذا السلام في دارفور قناعة فصائل متمردة أن تدخلات قوى دولية له أهداف أخرى لصالح هذه الدول وليس الخرطوم، كما أن مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة الخاص للسودان يان إلياسون أقر بتحسن الأوضاع خلال زيارة له لمعسكر "كلمة" للنازحين كأول مسئول أممي يدخله منذ أكثر من عام، بعد الأحداث التي شهدها إبان زيارة مسئول الشئون الإنسانية السابق بالأمم المتحدة يان إيغلاند بقتل مترجمه (السوداني)، حيث قضى إلياسون هذه المرة نصف يوم بالمعسكر والتقى فيه قيادات الإدارة الأهلية والنازحين والمنظمات الأممية، وقال: إن الأجواء مهيأة لتحقيق السلام في دارفور لوجود مؤشرات تدعو للتفاؤل بينها القرار (1769)، والتعاون المشترك مع دول الجوار وموافقة الجميع على خيار السلام.

مخاطر السلام!

مع هذا تبقى الخطورة من "تنازلات" هذا السلام المنتظر في دارفور هي ذات الخطورة التي ترتبت على اتفاق جنوب السودان.. بل إن التشجيع الدولي لهذه المفاوضات يثير الشكوك حول المصلحة الغربية من تشجيع هذه المفاوضات، خصوصا أن هناك سياسية أمريكية للسودان تتبعها إدارة بوش تقوم على (شدّ الأطراف) بمعنى تفتيت السودان، كي لا يبقى قوة كبرى موحدة مؤثرة تعرقل خطط الانتشار الإستراتيجي العسكري الأمريكي في القارة الإفريقية.

فالسلام في الجنوب ترجم في نهاية المطاف في صورة تقسيم للسلطة في الخرطوم نفسها مع حركة التمرد الجنوبية بحيث أصبح رئيس حركة التمرد هو النائب الأول للرئيس السوداني مباشرة، غير إسناد ربع المقاعد الوزارية تقريبا للجنوبيين، وحكم ذاتي للجنوب يمكنه من الاستقلال لو أراد في استفتاء تقرير المصير عام 2011، والسلام في دارفور حتى لو أقر على نفس الأسس من توزيع السلطة والثروة فلن يخرج عن هذا الإطار.

وإذا كان فصيل أركون مناوي –الوحيد الذي وقع اتفاق سلام مع حكومة الخرطوم– قبل بمنصب كبير مستشار رئيس الجمهورية، فأغلب الفصائل المتمردة لا تزال تطالب بمنصب نائب الرئيس، على غرار ما حصل عليه متمردو الجنوب، غير المقاعد الوزارية والحكم الذاتي، وهي مطالب يشجعها الغرب من زاوية "شد الأطراف" لا الوحدة السودانية ومنع الانقسام والانفصال على الأقل لأنها تخفف قبضة الخرطوم عن مناطق في الغرب والجنوب ومستقبلا في الشرق بما يقلص نفوذ الخرطوم ويفتت الدولة الأم ويضعفها مستقبلا!.

اتفاقات أروشا أو التوافق حول نشر القوات الدولية في دارفور قد تبدو بالتالي أمورا إيجابية وجيدة في مسيرة الصراع هناك بما يقرب فرص السلام الشامل، ولكن المخاطر الحقيقية هي أن يخرج السودان من كل هذه الملاكمات الساخنة التي يديرها حكام أجانب في الجنوب والغرب –وقريبا الشرق– وهو خائر القوة منهك دامٍ بفعل اللكمات من أبناء الداخل والخارج على السواء!.


المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات