English

 

الجمعة. أغسطس. 10, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » سوريا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

دمشق وواشنطن: عندما تصبح المراوغة نهجا سياسيا

نبيل شبيب

Image
الشدّ والجذب سمة العلاقات السورية الأمريكية
بقيت سوريا لفترة طويلة -من قبل اغتيال الحريري- هدفًا مباشرًا في إطار عسكرة الهيمنة الأمريكية تجاه المنطقة الإسلامية، وتصاعد استهدافها أمريكيًّا وإسرائيليًّا، مما انعكست آثاره في الانسحاب من لبنان، وفي قرع طبول الحرب قبل وبعد العدوان على لبنان، فضلاً عن الضغوط المتواصلة دوليًّا وإقليميًّا على أكثر من صعيد. فهل عادت المياه إلى مجاريها، وأصبح في الإمكان استبعاد شبح الحرب المحتملة، أو الحصار والضغوط المباشرة؟..

 هذا على الأقل ما توحي به أو تريد أن توحي به المواقف الرسمية والإعلامية السورية، دون أن تصل إلى نفيه نفيًا قاطعًا، إنما تريد من خلال ذلك تأكيد صواب المواقف والسياسات السورية السابقة، وأنها حققت أهدافها المرحلية على الأقل، ربما بأسلوب طمأنة الذات، إلى درجة القول على لسان الرئيس السوري في "خطاب القسم" لفترة رئاسته الثانية، إن إعطاء الأولوية لمسألة الأمن على مسألة الإصلاح، يمكن أن تزول تدريجيًّا، إن لم يكن في غضون عام 2007 الجاري ففي العام الذي يليه!.

مصانع التكهنات

في الأوساط الرسمية والإعلامية السورية لا ينقطع الحديث عما يوصف بشعرة معاوية بين دمشق وواشنطن، بينما لا تنقطع المؤشرات المباشرة وغير المباشرة في الأوساط الأمريكية والإسرائيلية عن بقاء سوريا مستهدفة، سياسيًّا أو حتى عسكريًّا.

في آذار/ مارس الماضي اجتمع نائب وزير الخارجية السوري فيصل مقداد مع "إلين ساوربري"، مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية، وأبرز الطرف السوري بعد اللقاء أن واشنطن عادت لجسِّ نبض سوريا بشأن العراق، بعد سنوات من محاولات عزلها. بينما لم تتردد واشنطن عن تأكيد استمرار العمل على ما تصفه بعزل سوريا واقتصار التواصل على ما يحقق مصلحة أمريكية بشأن العراق.

في واشنطن أكد السفير السوري عماد مصطفى خلال ندوة نظَّمها مركز الحوار العربي هناك "وجود تحوّل في موقف الكونجرس الأمريكي إزاء سوريا". وأضاف "أن من مصلحة سوريا حرمان الأمريكيين من التعلّل بحجة عدم الاستقرار وتدهور الوضع الأمني؛ لتطيل أمد الوجود العسكري الأمريكي في العراق؛ لذلك ستتعاون لإعادة الاستقرار والأمن للعراق". ولكن في الوقت نفسه كانت الناطقة باسم البيت الأبيض الأمريكي دانا بيرينو تصف سوريا بأنها "دولة راعية للإرهاب تعرقل حكومة السنيورة اللبنانية وتسمح لمقاتلين أجانب بالتسلل إلى العراق" منتقدة زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي لسوريا آنذاك.

ولم تكن قد توقفت هذه المناورات وسواها ما بين تبادل الاتهامات واللقاءات المباشرة في دمشق وشرم الشيخ وواشنطن، عندما ظهرت موجة أخرى من المناورات الكلامية على الجبهة السورية -الإسرائيلية، من حديث عن محادثات سلام سرية ونفيها، إلى حديث عن حرب وشيكة واستبعادها، ومن نقد علني لحجم التسلّح السوري، إلى تسريبات إعلامية عن زيادة الاستعدادات العسكرية على الجانبين.

من يتابع تفاصيل هذه المناورات يغرق فيها، ومن يرصد وتيرة تتابعها صعودًا وهبوطًا يميل إلى القول بأنها مقصودة، وإن بقي الغرض منها غامضًا حتى الآن، أو بتعبير أصحّ بقي خارج نطاق نصوص التصريحات الرسمية والحملات الإعلامية، وقد يكون الغرض هو إثارة التكهنات دون الحصول على جواب قاطع. إنما لا يمكن استشراف معالم المرحلة القادمة عن طريق التكهنات، أو الاستغراق فيما يطرح هنا وهناك من تفاصيل، فالحدث تصنعه الثوابت السياسية والوقائع على الأرض وليس التكهنات.

اطمئنان مخادع لضعف العدوّ

لقد تلقت السياسات الإسرائيلية والأمريكية في المنطقة ضربات موجعة ما بين الانسحاب من لبنان والحرب الأخيرة ضدّه، وما بين صمود المقاومة الفلسطينية، وصمود المقاومة العراقية، وما بين تجدّد قوّة طالبان ومن يساندها في أفغانستان، والعجز عن إغلاق الملف النووي الإيراني وفق ما يشتهي الغرب، ولكن من الخطأ الاعتقاد أن هذه الضربات دفعت أو ستدفع بالسياسات الأمريكية والإسرائيلية إلى الانكفاء عن هدف الهيمنة، إنما ستبقى -بغض النظر عمّن يحكم- محاولاتُ التعويض المتواصلة عما سبق، ومخططات التحرّك وفق معطيات جديدة.

صحيح أن حكومة أولمرت في غاية الضعف السياسي الداخلي، ولكنّ صناعة القرار العسكري الإسرائيلي لا يخضع لهذا العامل وحده، بل على النقيض من ذلك، إن بقيت حكومة أولمرت ستبقى معها محاولة الخروج من حالة الضعف بتحرّك عسكري جديد، وإن أخفقت سيبقى بعدها ثابتًا أن أي حكومة إسرائيلية جديدة ستعمل على الفور لاكتساب صورة لنفسها تختلف عن حالة الضعف التي تودي بها، فليس في هذا أو ذاك ما يستبعد اعتداءات عسكرية إقليمية جديدة.

وصحيح أن الضغوط على الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن بلغت مداها داخل الولايات المتحدة الأمريكية، ولكنها ضغوط ترتبط بالعراق وبأفغانستان، ولا تشمل صلب الوضع الاندماجي "الصهيوأمريكي" القائم منذ عقود من وراء الاختلاف الحزبي وغير الحزبي على قضايا أخرى.

وصحيح أن الممارسات السياسية الأمريكية تجاه سوريا انطوت في الآونة الأخيرة على اتصالات مباشرة، ولكنها اقتصرت على قضايا جانبية، بميزان المحور الأهم في التعامل مع سوريا وارتباطاتها بإيران والمقاومة ولبنان.

وصحيح أن واشنطن تطرح في الوقت الحاضر مشروعها تحت عنوان "مؤتمر سلام" مما يدفع إلى استبعاد حرب جديدة تُسقط المشروع قبل محاولة تنفيذه، ولكنّ المشروع نفسه وضع من أجل أن يقصي كلّ طرف يرفض إعطاء الأولوية للتطبيع المطلوب إسرائيليًّا، على السلام الذي أصبح "مطلبًا إستراتيجيًّا" جماعيًّا لدى الطرف الرسمي العربي، ولم يكن أو يصبح كذلك قطّ لدى الطرف الإسرائيلي.

تكهنات ضبابية تُموِّه ثوابت عدائية

إن السؤال الحاسم عن وجهة مسار العلاقات على حافّة المواجهة، لا يُجاب من خلال الاحتفاء بلقاء هنا (أمني في شرم الشيخ مثلاً) والاستشهاد بتعاون هناك (حول اللاجئين العراقيين مثلاً)، بل يجاب من خلال النظرة المتأمّلة في حدود المتغيّرات الأساسية أمريكيًّا وإسرائيليًّا، الجارية على أرضية ثوابت الصيغة الإستراتيجية المشتركة للمرحلة التاريخية الحالية.

هنا يمكن رؤية محور أساسي لتلك المتغيّرات أو "التعديلات" التي سبق أن أثير الحديث عنها طويلاً في واشنطن عقب الخسارة النيابية الانتخابية. إن حدود التغيير ووجهته واضحة تمامًا بالنسبة إلى المنطقة العربية والإسلامية بمجموعها، وقد أخذت صيغة مضاعفة الجهود الأمريكية المكثفة والعلنية على صعيدين:

- بناء محور إقليمي وتنفيذ مخطط تسليح ضخم، مرتبط بالإرادة السياسية الأمريكية؛ لمواجهة ما وصفته وزيرة الخارجية الأمريكية رايس حرفيًّا بتصاعد "نفوذ إيران وسوريا وحزب الله والقاعدة". وهذا مرافق بتسليح مضاعف للطرف الإسرائيلي.

- إطلاق "رؤية" أخرى لمؤتمر سلام لضبط ما يجري في الساحة الفلسطينية وحولها، واستعادة زمامه أمريكيًّا وإسرائيليًّا، بمشاركة "تطبيع" عربية، بعد أن بدأت قوى أخرى (المقاومة ومن يدعمها) قادرة على صناعة الواقع بجهود ذاتية.

أين في هذه الصورة ما يسمح بتوقعات وتكهنات سورية متفائلة؟.. من أين يستمد المسئولون في سوريا التفاؤل -إذا صح التعبير- مع الاعتداد بالذات من حيث تحقيق المنجزات المطلوبة عبر الصمود والممانعة، إلى درجة ترجيح زوال الخطر أو اضمحلاله أو استبعاد العنصر العسكري على صعيده؟.

إن الموقف الأمريكي والإسرائيلي من سوريا لا تحكمه تطوّرات جزئية، ولا يمكن بسبب أحداث جارية بمفعول جزئي -دون إغفال أهميتها- أن يدور حول محور "جديد" يتناقض مع ثوابت مسيرته في الفترة القريبة الماضية، كما أن من المستحيل أن يتخذ مسارًا يتناقض عن الصيغة الصهيوأمريكية الواضحة للعيان تجاه المنطقة بمجموعها. وهنا يبقى الهدف الثابت تجاه سوريا هو العمل على خرق جدار الممانعة أو الصمود أو المقاومة أو التمرّد على
الهيمنة الأجنبية، سواء سلك التنفيذ سبلاً سياسية أو استخدم وسائل عسكرية، وسواء كانت المحطّة التالية عبر الجبهة السورية نفسها، أم عبر سواها بما يضعفها وقد يؤدِّي إلى انهيارها أو زيادة ما فيها من ثغرات.

إن الإبقاء على ما يسمّيه بعض الدبلوماسيين السوريين "شعرة معاوية" في العلاقات السورية -الأمريكية، لا يبدو في هذا الإطار سوى تخيير تحت طائلة التهديد، فإمّا الانصياع لصيغة "محور تبعي واحد" المطروحة على المنطقة، والمنطوية على هدف التطبيع أولاً، أو قطع تلك "الشعرة" بمزيد من مساعي العزلة الإقليمية والدولية وربما بمغامرة عسكرية جديدة.


كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات