English

 

الثلاثاء. أغسطس. 7, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » لبنان

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

معركة المتن.. غير مفصلية في أزمة لبنان السياسية

إبراهيم غالي

Image
عون والجميل.. معركة المتن لم تحسم الزعامة
طبيعي في لبنان ولاسيما لدى الوسط المسيحي أن تتخذ الانتخابات الفرعية في المتن الشمالي (محافظة جبل لبنان) لاختيار مرشح جديد عوضا عن المكان الذي شغر منذ اغتيال الوزير بيار الجميل في نوفمبر 2006، شكل المعركة السياسية الحادة، التي بلغت حد الاحتراب بين القوى المسيحية الرئيسة، للتنافس أولا على زعامة الصف المسيحي وبالتالي تعزيز مكانة أي من التيارات لرئاسة الجمهورية، وثانيا أن تكون هذه الانتخابات مناسبة لمعركة خلفية بين الموالاة والمعارضة على الشعبية والمكانة والقدرة على الاصطفاف والحشد.

وبينما كانت الانتخابات الفرعية في الدائرة الثانية في بيروت أكثر هدوءا ومحسومة سلفا لصالح مرشح تيار المستقبل "محمد أمين العيتاني" بعد أن أعلنت قوى المعارضة الرئيسية (التيار الوطني الحر "تيار عون" وحزب الله وحركة أمل) أنها غير معنية بانتخابات بيروت، فإنّ انتخابات المتن قد أعادت للأذهان تاريخا طويلا من التنافس المسيحي-المسيحي على الزعامة والشعبية والتنافس الماروني-الماروني على مقعد رئاسة الجمهورية، والذي يمتد منذ المعركة الانتخابية في عام 1943 بين إيميل إده وبشارة الخوري، مرورا بالتنافس الحاد بين النهج الشهابي "الرئيس فؤاد شهاب" وبين الحلف الثلاثي (شمعون والجميل وإده) في عام 1968، وصولا إلى احتدام الخلاف حول كل مرشح خلال فترة الحرب الأهلية وحتى انتخاب الرئيس إيميل لحود في عام 1998، ثم التمديد القسري له عبر تدخل سوري في 3 سبتمبر 2005 بعد يوم واحد من صدور قرار مجلس الأمن رقم 1559.

أجواء انتخابات المتن

رغم هذا التاريخ الطويل من التنافس على زعامة الطائفة المارونية خاصة والمسيحيين عامة، إلا أن أحد التقاليد التي رسخت كان إجماع معظم القوى في غالبية الأحوال على أن يشغل المقعد النيابي الخالي بوفاة أحد النواب عضو من ذات العائلة وبالتراضي بين الأطراف المتصارعة.

هذا التقليد اختفى في انتخابات المتن الأخيرة التي جرت يوم 5 أغسطس 2007 بعد فشل الوساطات حتى من جانب الكنيسة المارونية والبطريرك مار نصر الله صفير، ليشتد التحارب والتراشق السياسي واللفظي والشخصي بين كل من زعيم حزب الكتائب والرئيس السابق أمين الجميل، وزعيم التيار الوطني الحر العماد ميشال عون من جانب، وبين حلفائهما من جانب آخر، ولتغدو المعركة أكبر مما يقتضيه التنافس على مقعد نيابي. فأمين الجميل، كما قوى الموالاة، رآها معركة السيادة والاستقلال عن سوريا، وعون، كما قوى المعارضة، رآها معركة التمثيل والشراكة ومنع الاستئثار بالسلطة. وبين هذا وذاك يلاعب موقع رئاسة الجمهورية خيال كليهما، سيما وأن الرجلين هما الأبرز شعبية على الساحة المسيحية، في ظل تراجع حزب الأحرار الديمقراطيين والقوات اللبنانية وبعض العائلات السياسية الأخرى.

والحقيقة أن انقسام الصف المسيحي وتوزع القوى المسيحية على كل من قوى الموالاة بقيادة تيار المستقبل (سني) وقوى المعارضة بقيادة حزب الله (شيعي)، ساهم في التخفيف ولو قليلا من حدة الاحتقان السياسي ومنع وصمه كلية بالطائفي في أعقاب الحرب الإسرائيلية على لبنان في صيف العام الماضي، وكان واحدا من أسباب تميز هذا الصراع بالطابع السلمي حتى اليوم، ولكن ثمّة مخاوف من تفاقم حدة هذا الانقسام المسيحي عشية الاستحقاق الرئاسي الجديد، لأن مضاعفات هذا الانقسام ستزيد حتما من الأزمة السياسية بين الأكثرية والمعارضة في ظل صعوبة الاتفاق على حكومة وحدة وطنية أو الاتفاق على مرشح للرئاسة. بكلمات أخرى فإن الشقاق المسيحي-المسيحي وإن كان قد مثل رحمةً بلبنان، الكيان والوطن، في المرحلة الماضية، فإنه ربما يغدو نقمةً في المرحلة المقبلة إذا تمترس كل فريق خلف خياراته ورفض منطق الحلول الوسط والتنازل بعض الشيء في مواجهة هجمة الخارج الشرسة على لبنان.

دلالات النتائج

وفق هذا السياق السابق لم تكن انتخابات المتن الفرعية سوى نوع من الاصطفاف خلف الرجلين الأقوى على الساحة المسيحية لأغراض بعضها سياسي وبعضها شعبي، وليس آخرها سعي الموالاة والمعارضة لإحداث نوع جديد من التوازن الداخلي يحقق أهداف كل فريق على حساب الآخر خاصة في موضوع الاستحقاق الرئاسي.

على أن نتائج انتخابات المتن لم تحسم أيا من هاتين الجدليتين. ففارق الـ 418 صوتا التي فاز بها مرشح التيار الوطني الحر د. كميل خوري (39534 صوتا) على حساب الرئيس الجميل (39116)، أعطى لكل طرف مبرراته في مقارعة الطرف الآخر الحجة سيما حول مقولة المرجعية السياسية للمسيحيين.

ومن أبرز الدلالات التي يمكن الإشارة إليها:

أولا: أن خوض معركة انتخابية بهذا الحجم بين أمين الجميل وعون تؤكد تقلب التحالفات السياسية مسيحيا، كما هي لبنانيا. هنا تجدر الإشارة إلى أن الجميل وعون قد خالف كلاهما ميثاق العيش المشترك والدستور في عام 1988 حينما عيّن الجميل، وكان وقتها رئيس الدولة، العماد عون رئيس وزراء حكومة عسكرية انتقالية، وكان سبق أن نصبه قائدا للجيش عام 1984.

ثانيا: أن الساحة المسيحية لم تكن نشازا عن مجمل السياسات المحلية اللبنانية بعد اتفاق الطائف. ذلك أن لبنان لم يستطع إنتاج قيادات وليدة وشابة خاصة لدى الموازنة. ودليل ذلك أنه رغم نفي الجميل 12 عاما ونفي عون 15 عاما وسجن سمير جعجع لمدة مقاربة، إلا أن ثلاثتهم قد عاد إلى طائفته قويا يقود لواء حركتها السياسية وكأن شيئا لم يحدث. ومن هنا تستمر سيطرة منطق العشائرية والعائلية بل والممالك الشخصية في الوسط اللبناني بوجه عام وبالأخص في الوسط المسيحي.

ثالثا: أن نسبة المشاركة في انتخابات المتن على أهميتها بلغت 46.5% فقط، في وقت كان يدعي كل مرشح أنها معركة العمل السياسي والسيادة برمتها، الأمر الذي يؤكد أن قسطا كبيرا من المسيحيين لم يعد يألف اللعبة السياسية، وأنه بقدر ما للزعامة من تأثير على مصالح قطاع معين من الناس بقدر ما يلتفون حوله في الانتخابات.

رابعا: أن ادعاء قوى الأكثرية أن الجميل خسر الانتخابات وكسب المتن يبدو مبالغا فيه لحد كبير. صحيح أن مرشح العماد عون قد فاز بالتحالف مع النائب ميشال المر ومؤيديه، والأرمن (حزب الطاشناق)، لكن هذا ليس مدعاة للقول بأن الصوت الماروني قد ذهب في معظمه إلى الجميل وقوى 14 آذار "الموالاة حاليا"، فهذا يقسم المسيحيين طائفيا دون قصد أو تعمد، ولطالما نشأت في السابق تحالفات من هذا النوع. وهذا بالمثل يعيد للأذهان أن الأكثرية الحالية لم تصبح كذلك إلا بالتحالف مع أمل وحزب الله بل إن غالبية النواب المسيحيين الحاليين قد نجحوا في انتخابات 2005 بأصوات مسلمة.

خامسا: أن نتيجة انتخابات المتن كما جاءت لن تسهم كثيرا في تعزيز موقف العماد عون في مسعاه لتولي رئاسة الجمهورية، فالفوز لم يكن ساحقا، أيا تكن الأسباب. وبالتالي لن تمثل هذه الانتخابات تحولا في مجرى النزاع داخل الوسط المسيحي حول المرشح الأولى بالرئاسة، على الرغم من أن كتلة عون بهذه النتيجة باتت تمتلك ثمانية نواب من ثمانية نواب من قضاء المتن بعد أن كان قد استحوذ على سبعة منها في انتخابات 2005.

سادسا: ما يعزز الاستنتاج السابق أن الرئيس الجميل لن يفقد بعد هذه الانتخابات زعامة حزبه أو تفقد عائلة الجميل رصيدها الشعبي الماروني بشكل مؤثر خاصة بعد أن كانت هذه الانتخابات مناسبة جديدة لإحياء تحالفات مع حزب الأحرار والقوات اللبنانية وعدد من الشخصيات المسيحية الفاعلة على الساحة السياسية، وبالرغم أيضا من فقدان الكتائب لمقعد نيابي ووزاري بعد هذه النتيجة.

سابعا: أثبت التيار الوطني الحر جدارة ومتانة ارتباطه بتحالفه مع حزب الله منذ توقيع وثيقة التفاهم بينهما في 6 فبراير 2006. وباستطاعته اليوم أن يقول إنه نجح بعد هذه الانتخابات في امتحان تجربة علاقته بحزب الله داخل الصف المسيحي. أيضا يمكن القول إن حزب الله يُحسب له أنه ترك هذه الانتخابات جانبا خاصة في بيروت ليس فقط بسبب رؤيته أن إجراءها يشكل مخالفة دستورية بسبب عدم توقيع رئيس الجمهورية على مرسومها، وإنما لأنه نأى بنفسه وبتيار المستقبل عن الدخول في معركة جانبية غير مؤثرة على مجريات الصراع السياسي بين الطرفين، مع أنه يمتلك ثقلا مرجحا ووازنا في دائرة بيروت الثانية.

أخيرا، فإن انتخابات المتن الشمالي ونتائجها النهائية، وعلى عكس ما روجت لها بعض وسائل الإعلام اللبنانية، لم تشكل حسما واضحا لناحية الزعامة المسيحية أو ترسيخ مرشح قوي للرئاسة. وربما تفتح الباب إما على مزيد من الانقسام المسيحي، بما يضر أية جهود قادمة في احتواء الخلاقات بين الموالاة والمعارضة، وإما أن تكون مدخلا للوثوق بأن الصف المسيحي إجمالا يعاني من تهميش سياسي واضح، بات عرضة لتجاذبات الآخرين من الطائفتين السنية والشيعية، وأنه لا مناص من الاتفاق وعودة الحوار المسيحي حتى يمكن الاتفاق على مرشح مقبول من لدن جميع الأطراف.

بيد أن الخيار الأخير يبدو صعب التحقق في المرحلة المقبلة على ضوء التنافر القابل للانفجار بين قوى 14 آذار وقوى 8 آذار، واستمرار التدخلات الخارجية وخاصة الأمريكية والسورية التي لا تزال تعيق كافة المبادرات ومخارج الحل الممكنة. وحتى ولوج لحظة الحل الذي يبدو بعيدا عن الأفق حتى الآن، فربما يشهد لبنان مرة ثانية بعد عام 1988، وكما حدث في الأراضي الفلسطينية مؤخرا، وجود حكومتين ورئاستين والدخول في متاهات الفراغ الأمني والدستوري والسياسي.


كاتب وباحث سياسي.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات