English

 

الثلاثاء. أغسطس. 7, 2007

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » أفغانستان

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

التنصير والاحتلال وراء مأساة الرهائن بأفغانستان

محمد جمال عرفة

Image
اختطاف الرهائن الكوريين المنصرين سلاح طالباني
بصرف النظر عن الموقف الأخلاقي من قضية خطف حركة طالبان لأجانب كرهائن في أفغانستان كنوع من الضغط على حكومة كابول الموالية لأمريكا لإطلاق سراح موالين للحركة؛ فقد حظيت طالبان عموما ببعض النجاح في "إستراتيجية الخطف" هذه، مثلما حظيت بنجاح سابق في خطف الأضواء من المقاومة العراقية عندما اتبعت نفس أساليب "القاعدة" في إسقاط طائرات أمريكية، وعبر ممارسة أساليب الكر والفر مع الاحتلال.

النجاح الأخير لطالبان في الضغط على حكومة كابول والتحالف هناك عبر أساليب حرب العصابات وخطف الرهائن الغربيين، لا يظهر فقط في طلب حكومة كوريا الجنوبية إجراء مفاوضات مباشرة مع طالبان -متجاهلة حكومة كرزاي- ما يعني الاعتراف بقوة طالبان، وإنما يظهر أيضا في حالة التعاطف مع طالبان داخليا وخارجيا خصوصا في قضية خطف المنصرين الإنجيليين الكوريين الثلاثة والعشرين!.

إذ لم يحظ هؤلاء المخطوفون بأي تعاطف سواء في أفغانستان أو بلدهم كوريا، لسببين: (الأول) أن الكوريين أنفسهم استاءوا بشدة من قيام مبشرين كوريين بالعمل في بلد إسلامي بصورة مستفزة للغاية، وانتقدوا سعي هؤلاء الكوريين المسيحيين لإظهار كوريا على أنها دولة مسيحية تنصيرية، في حين أن غالبية سكانها بوذيون (23%) وملحدون (49%)، وقرابة 27-31% فقط مسيحيون وفق إحصاءات مختلفة.

و(الثاني) أن الأفغان -المتدينين بطبعهم- يعادون أنشطة التنصير في بلادهم ويرفضونها، ويرون أن قضية خطف الرهائن أو المنصرين الكوريين تلقي الضوء على هذه الظاهرة الخطيرة التي بدأت تنتعش مع قدوم الاحتلال الأمريكي لبلادهم، خصوصا أن هناك سوابق لتصرفات مسيئة للإسلام، قام بها جنود الاحتلال وثار ضدهم الأهالي، ويصعب تصور خطف طالبان لهؤلاء الرهائن بدون مساندة شعبية.

بل إن المتحدث باسم وزارة الداخلية الأفغانية زماري بشاري انتقد الرهائن الكوريين (المنصرين) وما أسماه "استهتارهم وإهمالهم"، قائلا: "إن هؤلاء الناس يعرضون أنفسهم للخطر ويتسببون لنا بمشاكل، لكننا سنبذل ما بوسعنا للإفراج عنهم"، ويبدو أنه كان يقصد تكرار تجارب هؤلاء المنصرين المسيحيين الكوريين في أفغانستان، وعدم مراعاة كونهم في دولة يدين 100% تقريبا من سكانها بالإسلام. لأنه في صيف 2006 فوجئت حكومة كرزاي بنحو ألف مسيحي كوري جنوبي قدموا لأفغانستان بدعوى المشاركة في مسيرة من أجل السلام؛ وهو ما اضطر الحكومة لطردهم خشية أن يفتك بهم الأفغان في الشوارع بسبب التنصير السافر الذي يقومون به!.

وربما لهذا تواجه حكومة كرزاي معضلة في قضية الرهائن الكوريين الجنوبيين والألماني المختطف؛ فهي إما أن توافق على مطالب حركة طالبان بالإفراج عن معتقلين لها، وتتوقع بالتالي مضاعفة عمليات الخطف التي تصاعدت بالفعل مؤخرًا، أو أن ترفض، مع المجازفة بتعريض الرهائن جميعهم للموت وتعريض نفسها لمزيد من الضغوط الخارجية باعتبار أنها لا تمسك بزمام الأمور في بلادها.

ويزيد من الضغوط عليها أنها سبق أن أفرجت عن معتقلين من طالبان مقابل إطلاق سراح الصحفي الإيطالي دانييلي ماستروجياكومو في مارس الماضي، ومن ثَم رضخت لطالبان وأرست قواعد سياسية إيجابية لسياسية الخطف، ودفعت ثمنا لهذا الخطأ الآن في ضغوط رهيبة بعد خطف عدد كبير من الرهائن دفعة واحدة (24 رهينة أجنبيا) وبلغ عدد عمليات الخطف منذ مارس الماضي 45 عملية خطف، خصوصا في جنوب وشرق البلاد حيث نفوذ طالبان أكبر.

وقد أقر أحد قادة طالبان -منصور داد الله- مؤخرًا بأن عمليات احتجاز الرهائن تشكل وسيلة "فعالة" للحصول على إطلاق سراح معتقلين من الطالبان، وأكد أن رجاله تلقوا الأمر بخطف أجانب "أينما استطاعوا"، علما أن "داد الله" المقرب من القاعدة كان هو نفسه في عداد خمسة مسئولين من طالبان أفرج عنهم مقابل الإفراج عن الصحفي الإيطالي!.

كذلك فإن قتل طالبان لأربعة قضاة في إقليم "دا-ياك" بعد خطفهم في 20 يوليو (تموز) الماضي غداة خطف مجموعة الكوريين الجنوبيين في ولاية غزنة، يضع مزيدا من الضغوط على حكومة كرزاي بشأن الاستجابة لمطالب طالبان.

طالبان تفضح التنصير

وربما جاءت قضية خطف المنصرين لتلقي الأضواء بصورة أكبر على قضية التنصير المسيحي (الكوري) في أفغانستان ودول إسلامية أخرى، والذي تكرر بشكل فج مستغلا أجواء الفوضى، بل وأثار مشكلة لدى حكومة كوريا الجنوبية نفسها بالنظر إلى أن المسيحيين فيها أقلية ومع ذلك ورطوا الدولة (البوذية) في مشكلات سياسية ودينية.

فخطف الرهائن دفع حكومة سول لإصدار قرار (27/7/2007) بحظر سفر مواطنيها إلى كل من أفغانستان والعراق والصومال، مع معاقبة كل مواطن كوري يدخل هذه الدول بدون إذن من الحكومة، وضرورة أن يترك الكوريون الجنوبيون المقيمون هناك تلك الدول في أسرع وقت ممكن؛ وهو ما دعا كنيسة "سايمول" الواقعة في ضواحي العاصمة الكورية الجنوبية سول، والمسئولة عن إرسال "المنصرين" الرهائن لأفغانستان، لسحب 42 مبشرًا آخرين كانوا يعملون في أفغانستان.

أيضا دعت صحف محلية الكنيستين الكاثوليكية والبروتستانتية في البلاد إلى إعادة النظر في سياستها الخاصة بإرسال البعثات التنصيرية إلى الخارج، خصوصًا للدول الإسلامية، وانتقدوا سيطرة المسيحيين على سياسة الدولة الكورية وإظهار توجه مسيحي لها، لحد تسفير 17 ألف مبشر مسيحي للدول الإسلامية -ومنها العراق حيث خُطف أيضا ثمانية منهم- في حين أن المسيحيين أقلية.

بعبارة أخرى نقلت طالبان أزمة الرهائن إلى سول نفسها، ليدور صراع بين الساسة والأحزاب والقوى الدينية المختلفة هناك حول الدور الذي يقوم به المنصرون المسيحيون في العالم الإسلامي، وانخراطهم في أعمال تنصير تؤدي إلى تشويه صورة كوريا الجنوبية في أعين العالم الإسلامي، وتضر بأنشطة البلاد الخارجية.

حرق "كرزاي" بعد "الاحتلال"

واللافت هنا أن إستراتيجية طالبان تبدو كأنها انتقلت من مرحلة حرق هيبة الاحتلال الأمريكي عبر سلسلة من العمليات العسكرية الناجحة التي تنهج نهج قاعدة العراق، والتي نتج عنها أسوأ الخسائر الأمريكية بسقوط عدة طائرات مروحية شينوك كل منها تحمل 17 جنديا، إلى إستراتيجية حرق هيبة حكومة الرئيس كرزاي نفسها عبر السيطرة على مدن بأكملها، والكر والفر مع الاحتلال بشأنها (مدينة موسى قلعة في فبراير الماضي ثم مدينة زابل كبرى مدن إقليم في ولاية زابل جنوب شرق أفغانستان المحاذي لباكستان في إبريل الماضي).

ويبدو أن هذه السياسة الطالبانية المتبعة في حرب العصابات (الكر والفر)، وأخيرا خطف الرهائن الأجانب أثمرت نجاحا تمثل في بوادر تغيّر في سياسة واشنطن نفسها تجاه أفغانستان -مشابها لما قامت به في العراق- من حيث تسريع العملية السياسية (انتخابات رئاسية ثم برلمانية تعزز سيطرة الموالين للغرب) من جهة، وتسريع عملية تقنين الوجود الأمريكي هناك عبر فكرة إنشاء قواعد عسكرية دائمة من جهة أخرى، مع سحب قوات الاحتلال الأخرى، وترك الساحة لقوات حكومة كرزاي لتقاتل قوات طالبان مع توفير الدعم اللوجستي والحربي لها.

فطالبان تؤكد أن نجاحاتها العسكرية في أفغانستان ضد الاحتلال كثيرة، ولكن الإعلام لا يركز عليها، كما هو الحال في العراق، لأسباب عديدة، ولكن تؤكدها سيطرتها المتتالية على العديد من المدن الأفغانية الكاملة، ثم تركها تحت وطأة ضربات طائرات الاحتلال الأمريكي والأوروبي؛ وهو ما يعني أنه لو تركت لها الساحة وحدها لقتال حكومة كرزاي لهزمتها.

كذلك يظهر اهتمام أمريكي متزايد ببناء قواعد عسكرية ثابتة هناك تمهيدا لإنهاء الدور الأمريكي، وهو توجّه ظهر عام 2005 بقوة عقب عدة هجمات ناجحة لطالبان ضد طائرات أمريكية ومدن أفغانية، خصوصًا عندما زار وزير الدفاع السابق رامسفيلد كابول لبحث إقامة قواعد أمريكية في أفغانستان؛ وهو ما يكشف الرغبة الأمريكية في البقاء ولكن بشكل مقنن عبر اتفاقات مع حكومة كرزاي وإنهاء مظاهر الاحتلال التي تزيد تعاطف الأفغان مع طالبان.

وظهر ذلك أيضا خلال زيارة وفد من الكونجرس الأمريكي لأفغانستان في مارس 2005، قيل إنه ذهب لتفقد حالة الجنود هناك، ثم كشف رئيس الوفد الأمريكي السناتور "جون ماك كين" عن البحث بشأن هذه القواعد عندما قال: "تعهدنا بأن تكون لنا برامج إستراتيجية ومساعدات طويلة الأمد في أفغانستان يجب أن تستمر لسنوات طويلة، وستشتمل هذه البرامج على المساعدات التقنية والاقتصادية والعسكرية، ويمكن أن تشمل المساعدات العسكرية إنشاء قواعد عسكرية أمريكية دائمة في أفغانستان"!!.

إستراتيجية طالبان في الكر والفر عسكريا، وإسقاط طائرات الاحتلال وضرب تجمعاته، فضلا عن السيطرة على مدن وتركها، وأخيرا خطف الرهائن الأجانب تبدو بالتالي كأن طالبان اعتمدت نفس الأساليب الناجحة للمقاومة في العراق، وأن إستراتيجيتها هذه حققت نجاحا في الضغط على الاحتلال وحكومة كرزاي وكوريا، وتفجير قضايا التنصير في العالم الإسلامي.


المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات