|
| الحبيب الشوباني |
بدأت حرارة الحياة السياسية المغربية تزداد ارتفاعا مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية في السابع من الشهر القادم، منسجمة بذلك مع حرارة الجو التي سجلت أرقامًا قياسية في عدد من المدن المغربية هذه الأيام.
وقد وجد حزب العدالة والتنمية المغربي نفسه في مواجهة التداعيات السياسية والنفسية التي خلفها الفوز الساحق للعدالة التركي، وظهرت عشرات المقالات والتحاليل التي تقارن بين التجربتين وأوجه التشابه والاختلاف بينهما.
ويرى رئيس الفريق النيابي للعدالة والتنمية المغربي الأستاذ الحبيب الشوباني أن المقارنة بين الحزبين غير سليمة، للاختلاف الكبير بين آليات اشتغال الديمقراطية في البلدين معا.
وأوضح الشوباني في هذا الحوار الذي خص به إسلام أون لاين أن الاتهامات التي توجه إلى حزبه من كونه يضخم الخطاب الأخلاقي على حساب المحاور الطبيعية للعمل الحزبي (اقتصاد، سياسة... إلخ) "غير صحيحة"، مبينا في الوقت نفسه أن الحزب يشتغل ضمن إطار السياسة كما هو متعارف عليها على مستوى الواقع.
غير أنه لم ينف من جانب آخر أن الجبهة الدينية ذات وزن قوي في البلاد، وأن محاولة استيعابها هو أمر ضروري للمضي قدما في اتجاه الإصلاح.
أما عن المشاركة الحكومية المرتقبة للحزب بعد انتخابات 7 سبتمبر؛ فقد شدد الشوباني على أن الحديث عنها مسألة سابقة لأوانها، وأن النتائج هي وحدها ما سيحدد ذلك.
فوز تركي مستحق
س: لنبدأ من حيث انتهى العدالة التركي.. فوز كاسح. كيف ترون هذا الانتصار وهل باستطاعتكم تكراره كما لمح البعض إلى ذلك؟
ج: لا شك أن لكل بلد خصوصياته وتحديدا فيما يتعلق بالقوانين الانتخابية المعمول بها. تركيا تعمل بقوانين أكثر جدية في إرساء دعائم دولة ديمقراطية وبمؤسسات منتخبة ذات مصداقية وممثلة للتوجهات الكبرى للشعب؛ فكون عتبة الولوج إلى البرلمان هي 10% وكونها عتبة وطنية وليست محلية، يؤدي إلى تنافس حقيقي ومشاركة واسعة وهو ما يسمح بتحقيق ما حققه حزب العدالة والتنمية، دون أن نغفل بالطبع أداءه الجيد على المستوى الاقتصادي وتحقيقه لمعدلات نمو غير مسبوقة.
أما في المغرب فالأنظمة الانتخابية متخلفة والأغلبيات الحكومية المتعاقبة تحرص على عدم إصلاحها في اتجاه أن تكون رافعة للديمقراطية وتخليق المشهد السياسي؛ ولذلك نحن عندنا العتبة هي 6% وهي عتبة محلية والاقتراع لائحي، وهاتان الآليتان تنتجان البلقنة -المسماة تعددية!- وبالتالي عزوف المواطنين عن المشاركة، ولذلك لا تتعدى نسب المشاركة عندنا في أحسن الأحوال 50%! ومع ذلك فحزب العدالة والتنمية المغربي يحقق تقدما ملحوظا بالنظر إلى صورته الإيجابية العامة التي بناها من خلال أداء برلمانييه ومنتخبي المجالس المحلية واختياراته الشعبية المسئولة وخطابه الإسلامي التجديدي والوسطي.
خطاب أخلاقي؟
س: يتهم البعض حزبكم بتركيزه على القضايا الأيديولوجية القيمية الأخلاقية، وعدم تحديده فواصل مضبوطة للفصل بين العمل السياسي و"وظيفة الرقابة الأخلاقية" على ما يجري في المجتمع.
كيف السبيل إلى توضيح هذه العلاقة بين الهوية ومنهج الاشتغال الحزبي، ليستطيع حزبكم إقناع حتى خصومه بقوة برنامجه الاقتصادي مثلا حتى ولو لم يكونوا من أنصاره الفكريين؟
ج: الذين يتحدثون عن تضخم الخطاب الأخلاقي والهوياتي للحزب يعانون من علتين أساسيتين:
الأولى: فقرهم الشديد في مجال تخليق الحياة السياسية والسلوك السياسي؛ نظرا لأنهم أصبحوا جزءًا من منظومة الفساد، وبالتالي فخطاب الحزب يشكل بالنسبة إليهم حرجا كبيرا وتحديا قويا أمام الرأي العام الذي يتطلع إلى ممارسة سياسية لا تدوس على أخلاق المجتمع وقيمه؛ ولذلك تراهم يحقرون من قيمة الأخلاق.. ليس لأنهم يراعونها ويريدون المزيد ولكن لأنهم داسوا عليها ويريدون أن تعم البلوى.
أما الثانية: فهؤلاء القوم ليسوا منصفين ولا يجرؤون على التحدث بالحقيقة، إن حزب العدالة والتنمية حزب سياسي وليس حركة وعظ وإرشاد، وبضاعته في السياسة، بالإضافة إلى اعتزازه بالأخلاق وحرصه على تنمية دورها في مجال العمل السياسي، هي البرامج والأفكار ذات الصلة بتدبير شئون المجتمع في كل ما يتعلق باقتصاده وفلاحته وتجارته وصناعته وتعليمه وتدبير شأنه المحلي وما إلى ذلك من مجالات الفعل السياسي؛ ولذلك فالبرنامج الانتخابي للحزب يقوم بإنجازه أطر الحزب وخبراؤه وفعاليات مختصة متعاونة ويقوم على تشخيص الواقع ودراسة السياسات العمومية المعتمدة والتقارير الوطنية والدولية ذات الصلة بالبلد قبل اقتراح البرنامج الذي يمكن للحزب أن يعتمده في حالة وصوله إلى مواقع القرار التنفيذي. أضف إلى ذلك أن فعالية برلمانييه الرقابية والتشريعية والدبلوماسية والتواصلية تتناول كل مجالات الفعل البرلماني من غير تمييز.
الجبهة الدينية
س: صرح مسئولون بجماعة العدل والإحسان أنهم لن يصوتوا لكم، كما صرحت بعض قيادات العدالة والتنمية أنها لا تعتمد على أصوات الجماعة، لماذا فشل حزبكم في استيعاب الجبهة الدينية المغربية بمختلف مشاربها، عكس العدالة والتنمية التركي الذي صوتت له فئات دينية مختلفة من بينها طرق صوفية؟
ج: نحن حزب وطني يتوجه في المعركة الانتخابية إلى كافة المواطنين ولم يسبق أن قام بالتنسيق مع أو التعويل على أي حركة باستثناء حركة التوحيد والإصلاح الحليف الموضوعي للحزب؛ ولذلك فنحن نقدر أن الجبهة الدينية في المغرب واسعة ونعتبر أن المغاربة -باستثناء أقليات علمانية- قاطبة هم هذه الجبهة، ورصيد التعاطف مع الحزب واسع وفي تنامٍ مطرد، وليس مرد ذلك فقط إلى العامل الديني ولكن أيضا إلى فعالية الحزب في التعاطي مع كثير من قضايا المجتمع وقدرة أطره وأعضائه على انتهاج سياسة تقريب ناجعة في خدمة المواطنين والتعاون مع كافة الفرقاء على الإصلاح ومقاومة الفساد في إطار القوانين الجاري بها العمل.
المشاركة الحكومية
س: طرحتم برنامجا انتخابيا تضمن وعودا وصفتموها بالواقعية، كيف تستطيعون تطبيقها في ظل عدم قدرة أي حزب أو حكومة على تطبيق ما يتم تسطيره من برامج؛ لأن ما يوصف بـ"حكومة الظل" هي المسيطرة، خاصة وأنكم لا تجعلون من تعديل الدستور أولوية لكم؟.
ج: هذا الكلام غير دقيق، نحن نعتقد أن أي تشكيلة حكومية اتسمت بالفعالية بإمكانها أن تعمل إلى جانب الملك لتحسين أوضاع الشعب.
الإشكال موجود في الطبيعة المتنافرة للحكومة وكثرة أحزابها؛ وهو ما لا يمكن للحزب أن يعيد إنتاجه؛ لذلك فالحزب صريح في أن مشاركته في الحكومة يجب أن تكون قيمة مضافة لتدبير الشأن العام وتجاوز أعطاب التجارب السابقة.. أو لا تكون!.
س: من المنتظر أن تشاركوا في الحكومة كما تؤكد التقارير ذلك، وأنتم في نهاية المطاف حزب يقدم برنامجا حكوميا وليس للمعارضة.
ما هو تصوركم للمشاركة الحكومية، وما هي القيمة المضافة التي ستقدمونها، وما هو موقفكم من المشاركة في حكومة يضطلع فيها الاتحاد الاشتراكي بدور مهم؟
ج: هذا كلام سابق لأوانه؛ لأن نتائج الاقتراع هي التي ستحدد طبيعة التحالفات الممكنة. المهم أن حزب العدالة والتنمية جاهز للمشاركة في الحكومة قدر جاهزيته لاستئناف دوره في المعارضة وبشكل أكثر فعالية إذا ضمن له عدد مقاعده ذلك.
استقلالية القضاء
س: "معا من أجل مغرب العدالة".. طرحتموه كشعار جديد يهدف إلى تحقيق العدالة في جميع المجالات، لو اكتفينا بمجال العدل.. ما هو تصوركم لاستقلالية القضاء عن الجهاز التنفيذي على ضوء القضايا الساخنة العديدة التي ظهرت في هذا الشأن خلال الفترة الأخيرة؟.
ج: نعم، إن أبرز اختلالات الوضع في البلاد مرتبطة بعدم استقلالية القضاء؛ وهو ما ينعكس على حالة عدم الاطمئنان التي يشعر بها المواطنون ورجال الأعمال والسياسيون والصحفيون وغيرهم.
وأبرز الإشكالات في هذا الإطار هو كون وزير العدل هو الرئيس العملي للمجلس الأعلى للقضاء، وبالتالي فهو الذي يقف على رأس الهرم القضائي في البلاد فيكون القضاة تبعا لذلك مجرد موظفين تابعين للوزير.
نحن نقول بأن استقلال القضاء يمر عبر إصلاح دستوري جاد يجعل القضاء سلطة مستقلة لا تعلو فوقها أي سلطة أخرى، وهذا هو المدخل الأساسي لإصلاح واقع العدالة المتسم بكثيرة من الضعف والرداءة.
|