English

 

الأحد. أغسطس. 5, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية الفلسطينية » عمليات التسوية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

المرحلة القادمة.. أهداف أمريكية وخيول عربية

إلى أين يوصل انقياد المنطقة للرغبات الأمريكية

نبيل شبيب

Image
لم يعد أصحاب الأقلام في حاجة إلى البحث بين الكلمات وخلف السطور للعثور عما تعنيه التصريحات والمواقف الرسمية ذات العلاقة بقضايانا، وحاضرها ومستقبلها، وكيفية التعامل بين القوى الدولية والحكومات والشعوب في البلدان العربية والإسلامية، فما يراد صنعه يقال هكذا مباشرة بصريح العبارة، وما يستهدف تحقيقه معلَن جهارا نهارا، ولكن لهذه العلنية السافرة تغييبًا و"غموضًا مقصودًا" في ميادين بعينها، وذلك حيثما يخدم الغموض ما يُعلن من تلك الأهداف. وهذا ما يسري على جولة الوزيرين الأمريكيين للخارجية والدفاع، رايس وجيتس، في المنطقة (مطلع آب/ أغسطس 2007م)، بما يجعلها مثالا نموذجيا.

علنية الأهداف وغموض الوعود

استخلاصا مما قيل أمريكيا، تدور الأهداف الرسمية للجولة بإيجاز حول ثلاثة محاور:

- تسليح محور عربي بعد وقف مسيرة مزعومة لإصلاح سياسي، لمواجهة خطر إيراني وعربي، وهو أولا وأخيرا خطر على المطامع الصهيونية والأمريكية وليس على أطراف عربية وإسلامية أخرى.

- ثم "التطبيع أولا"، أي قبل إحلال "رؤية" سلام في الأرض الفلسطينية واتفاقات سلام في المنطقة.

- ثم تجذير عملية "التفتيت" إقليميا وداخل القطر الواحد، وفق أساليب التعامل المعتمدة غربيا والمدعومة إقليميا، كما هو واضح للعيان في التعامل مع شطرين فلسطينيين، ومع سوريا ولبنان، ومع السودان ودارفور، ومع المغرب والجزائر، كأمثلة.

أما "الغموض المقصود" فيظهر في القاسم المشترك للتصريحات والمواقف في مختلف محطات الجولة محيطا بأغراض "مؤتمر السلام"، وهذا بالذات ما تطرحه الأطراف العربية في هذه الأثناء، وبدأت عمليات تسويقه، وكأنه يمثل العطاء الأمريكي الجديد المنتظر منذ زمن بعيد. صورة متطابقة مع ما جرى تصويره بصدد مؤتمر مدريد عندما طُرحت "رؤية" بوش الأب حوله في أثناء الإعداد للحرب الأولى لتدمير العراق أو "حرب الخليج الثانية"، ثم انعقد المؤتمر وتمخض عن المسيرة التي أوصلت في المرحلة التالية إلى احتلال العراق وتدميره، وإلى مزيد من الاغتصاب والتقتيل والتدمير في فلسطين أيضا.

نهج قديم متجدد

إن ما لا لبس فيه ولا غموض يتمثل في الهدف الأهم في الجولة الوزارية الأمريكية، وفي المرحلة التالية للسياسة الأمريكية تجاه المنطقة، وهو تفتيتها، وتحويل محاور المواجهات السياسية فيها إلى محاور اقتتال عسكري، أو -في أدنى الاحتمالات- نشر أجواء التهديدات العسكرية، وممارسة سباق تسلح محموم، يغمض عينا عما يصنعه الإسرائيليون، ويسلط أضواء كاشفة على ما يصنعه ولا يصنعه، ويريده ولا يريده أطراف إقليميون آخرون، من الدول العربية والإسلامية، فضلا عن المقاومة.

من العسير استيعاب ما يقول به وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط؛ فهو ينكر أن يتسبب توريد مزيد من السلاح الأمريكي إلى مصر بانشقاقات إقليمية قائلا: "إن المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر قائمة منذ 25 عاما". وهذه مقولة تفقد مغزاها عندما نضع كلماتها مقابل كلمات الساسة الأمريكيين، ابتداء برئيسهم بوش الابن الذي علل صفقات السلاح الجديدة بالقول: "إن تسليح دول عربية معتدلة يستهدف إيجاد ما يوازن ازدياد نفوذ إيران الإقليمي".

ثم كلمات وزيرة خارجيته رايس قبل بدء جولتها مباشرة، إن مشاريع التسلح "موجهة ضد النفوذ السلبي المتزايد للقاعدة وحزب الله وسوريا وإيران.. نريد دعم القوى المعتدلة ودعم إستراتيجية واسعة النطاق ضد القاعدة وحزب الله وسوريا وإيران". وقولها أيضا: "إن لنا أهدافا متماثلة في المنطقة، وينطوي ذلك على الاقتناع القوي بأن إيران تمثل التهديد الأكبر لمصالحنا المشتركة". وقول وزير الدفاع جيتس: "نريد أن نضمن أمن حلفائنا منذ سنين عديدة في المنطقة".

ولئن أرادت الأطراف العربية فهم شيء آخر أو أرادت تسويق شيء آخر على المستوى العربي غير الأهداف المعلن عنها أمريكيا فإن الغربيين يرونها كما هي، سواء أكانوا ساسة أم خبراء، وكانوا (الغربيون) أقرب إلى التنصل من سياسات واشنطن إلا إذا كانوا من حلفائها الأساسيين، ومثال ذلك الساسة والخبراء في ألمانيا، فنجد وزير الخارجية الألماني الأسبق هانس دييتريش جنشر يتهم الولايات المتحدة الأمريكية بسياسة تسليح في المنطقة من شأنها أن "تزيد من صعوبة التوصل إلى حل للمشكلة الأساسية وهي مشكلة الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي"، بل رأى في الخطط الأمريكية ما "يوجد مزيدًا من المشكلات في العلاقة عبر شمال الأطلسي".

حتى كارتن فويجت الذي يحمل في الأصل مهمة التنسيق لشئون علاقات حكومة برلين بواشنطن، كان عاجزا عن مراعاة الاعتبارات الدبلوماسية وهو يقول: "إن المنطقة لا ينقصها السلاح، بل ينقصها الاستقرار". ثم يضيف مؤكدا وجود "تناقض بين الحديث الدعائي عن الحريات حتى الآن وبين الممارسات الأمريكية الحالية".

ولئن كان الاتحاد المسيحي والديمقراطيون الأحرار هم الحلفاء لواشنطن أكثر من سواهم في ألمانيا، فعلاقة التحالف لم تمنع من رؤية الأهداف الأمريكية وما تؤدي إليه في المنطقة بوضوح، والتصريح بذلك علنا، على لسان رئيس لجنة الشئون الخارجية في المجلس النيابي الاتحادي ببرلين روبريخت بولينس، وهو من الحزب المسيحي الديمقراطي؛ إذ يقول: "عندما يلقي المرء بمواد قابلة للاحتراق في منطقة تغلي كبرميل البارود فهو يزيد من حجم الخطر فيها ولا يزيد من أمنها شيئا". أو على لسان فيرنر هوير من حزب الديمقراطيين الأحرار وهو يصف الصيغة الأمريكية الجديدة بأنها "صورة بدائية للسياسة الواقعية"، وشبيه ذلك ما يقول به الخبير فولكر بيرث -مدير معهد العلوم والسياسة- الذي رأى في الخطوة الجديدة الأمريكية تحولا من نهج يقول بنشر الديمقراطية من أجل السلام، إلى النهج التقليدي القديم لواشنطن.

إن النهج التقليدي القديم هو من قبيل ما كان مع تسليح إيران الشاه، لتكون منطقة الخليج مرتبطة بالسياسة الأمريكية دعما لأحد الأطراف، ثم تصوير المصير الأمني للأطراف الأخرى معلقا بمدى ارتباطها بالإرادة العسكرية والسياسية الأمريكية، وهو أيضا من قبيل ما كان من تسليح العراق في حرب دامت 8 أعوام ضد إيران بعد ثورتها، لتنقلب السياسة الأمريكية والغربية ضد العراق وتجر معها دول المنطقة، إلى المشاركة المباشرة وغير المباشرة في الحرب والتدمير.

تلبية المطالب دون مقابل

النهج التقليدي القديم هو أيضا نهج المحاور المتصارعة من عهد حلف بغداد، أو الحلف المركزي لاحقا، لمواجهة النفوذ القومي العربي في مصر وسوريا آنذاك، في حين أصبحت مصر اليوم مستهدفة عبر ما يصنع ويراد صنعه في السودان والصومال، وفي الوقت نفسه الدولة التي يأتي تسليحها مقترنا بالإعلان عن هدف مواجهة "محور" آخر في المنطقة يضم سوريا.

إن من ضرورات سياسة الهيمنة ألا تنقطع المحاولات بعد إخفاق بعضها من قبل، ولكن ليس من ضرورات الدول المستهدفة بتلك الهيمنة أن تعود إلى نهج قديم ولا أن تمضي مع نهج جديد، إذا استهدف إحداها فسوف يستهدف الأخرى لاحقا، فذاك ما يعني الوقوع في الجحر الأمريكي مرة بعد مرة بعد مرة.

ومما يضاعف درجة الاستغراب من مثل تلك السياسة -إن صح وصفها بالسياسة- أن ما يجري تصويره بأنه ثمن تدفعه واشنطن في فلسطين لقاء فتح جبهة ما ضد أطراف عربية وإسلامية أخرى، سبق تصوير مثيله في حالات سابقة مرارا، وتبين فيه حجم الخداع السياسي إلى درجة لا تخفى على أحد، من العامة والخاصة، في عالم السياسة وخارجه.

إن كل عبارة صدرت في أي تصريح رسمي قبل الجولة وفي أثنائها تتعلق بالقضية المركزية المحورية في المنطقة، وتستهدف إعطاء شكل ما من الأشكال المجدية لمؤتمر السلام الذي أعلن هدفا جديدا، وكل موقف رسمي في واشنطن نفسها وفي محطات الجولة الإقليمية، لم يكن يتعدى في أي جانب من الجوانب الضبابية التي أحاطت برؤية الدولة الفلسطينية على لسان بوش قبل سنوات مع حرب احتلال العراق.

رايس التي استقبلها من استقبلها من الزعماء العرب على مختلف المستويات، لم تذكر كلمة واحدة عن انسحاب عسكري إسرائيلي، أو وقف لعدوان إسرائيلي، أو حدود دولية ما، حتى بمفهوم قرارات جائرة سابقة، ناهيك عن ذكر مدينة القدس، أو اللاجئين، أو حتى المستوطنات، بل كانت تصريحاتها حافلة بعبارات وألفاظ مائعة فضفاضة، من قبيل ضرورة التوصل إلى شيء ملموس، وضرورة "التفاوض" على مبادئ لتأسيس الدولة، ولم تكن فضفاضة في بيان ما تريده من أن يكون "التطبيع أولا"، وهي تؤكد مرة بعد أخرى مع الإسرائيليين وتجاه الأطراف العربية، ضرورة حضور "المعتدلين" للمؤتمر، وإقصاء كل من لا يكون "معتدلا"، أي لا يكون النهج الأمريكي في صلب سياسته، ليس عن المؤتمر، فهم لا يطلبونه أصلا، بل عن مجرد التواصل معهم.

حتى الإجراءات ذات الطابع العملي، اتخذت صيغة تعميق الشرخ الفلسطيني الذي صنعته سياسات وإجراءات سابقة، فكان الإعلان عن تقديم 80 مليون دولار لدعم تطوير الأجهزة الأمنية التابعة لمحمود عباس في الضفة الغربية، وكأن تشكيلها ثم دعمها ثم ممارساتها طوال سنوات أوسلو قربت مشروع الدولة خطوة واحدة، أو أوصلت إلى مجرد استثنائها هي من حملات التقتيل والتدمير الهمجية الإسرائيلية طوال تلك السنوات.

ثوابت أمريكية لم تتبدل

من العبث البحث في تفاصيل ما أعلن قبل الجولة وبعدها، لطرح السؤال عما يمكن الحصول عليه مقابل تجنيد عدد من الدول العربية لتشكيل محور جديد يحصل على أسلحة أمريكية لا يجوز استخدامها ضد العدو الإسرائيلي، مع مده بمزيد من السلاح الأمريكي، بما يبلغ 150% بالمقارنة مع ما تحصل عليه 8 دول عربية "معتدلة" معا، هذا إذا حصلت على ذلك فعلا، وهو سؤال غير مطروح بشأن حصول الإسرائيليين على ما يوعدون به.
 
والاستغراق في التفاصيل من شأنه أن يكشف عن جانب من جوانب الخطط الأمريكية للمرحلة القادمة، ولكن لا يحتاج الأمر إلى بحث في التفاصيل إذا أراد تثبيت معالم الصورة ليصل إلى النتيجة نفسها؛ فالسياسات الأمريكية لا تقوم على ردود أفعال وقتية، ولا على إحداث تغيير آن الآن، يليه آخر لاحقا، بل تقوم على صيغة إستراتيجية طويلة الأمد، تتبدل الحكومات ولا تتبدل، ولئن دخلت عليها تعديلات ما فهي مما لا يقع إلا مع تطورات عالمية كبرى، مثل نهاية الحرب الباردة، ومنذ ذلك الحين تسري على المنطقة العربية والإسلامية صيغة أمريكية ثابتة، من محاورها ذاك الذي يظهر للعيان فيما طرحته الجولة الأخيرة.
 
إن الارتباط الاندماجي الصهيو-أمريكي من ثوابت الإستراتيجيات الأمريكية في الماضي والحاضر، وفي المستقبل المنظور، وهو ارتباط يترجمه بذل كل ما يمكن بذله من أجل الحفاظ على هوة عسكرية عميقة مع الأطراف العربية الإقليمية منفردة ومجتمعة، كما أنه ارتباط تترجمه ممارسات مباشرة، مثل الانفراد بطرف عربي بعد آخر، وتهويد الأرض الفلسطينية قطعة بعد قطعة، وتفتيت الشعب الفلسطيني ما بين مشرد ومقاوم ومعتقل ومحاصر، ومن العبث تصور صدور دعوة عن الطرف الأمريكي إلى أي مؤتمر، أو تصدر خطوة من خطوات "التعاون" الثنائية أو الجماعية مع أطراف عربية، وفيها تناقض ما مع ذلك الثابت الإستراتيجي في السياسات الأمريكية.
 
إن أي وهم يُنشر تحت عنوان "مؤتمر سلام" جديد لا يختلف عن أوهام سابقة، ولا تختلف نتائجه المدمرة عما سبق أيضا.
 
وإن حصيلة كل محور وخطوة عداء جديدة يجري ترسيخها أو ممارستها ما بين الدول العربية والإسلامية تضاف إلى ما سبقها، وتزيد أسباب الفرقة والتخلف والعجز.

وليس من مخرج من هذه الدوامة بحلقاتها المتتابعة سوى طريق الصمود والمقاومة وقد بدأت مع احتضانها شعبيا تطرح معالم البديل المطلوب والممكن، في التعامل مع مختلف المخططات العدوانية تجاه المنطقة.


كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات