|
| هل يعود زعماء فتح وحماس للحوار؟ |
منذ توقيع اتفاق أوسلو والقضية الفلسطينية تدخل في مآزق متلاحقة، ودخلت معها الوحدة الوطنية في مراحل الخطر الكبير، وشكلت تبعات والتزامات أوسلو سببًا دائمًا للشقاق في الساحة الفلسطينية وذلك منذ العام 1994.
انفجرت الأوضاع في وجه حركة حماس في مايو 2007 في قطاع غزة، واتخذت حماس قرارها بحسم المواجهة الأمنية مع تيار محدد تم تشخيصه تماما على ما يبدو من النتائج التي وقعت بدقة متناهية قادت إلى تصفية التيار وتحجيمه في قطاع غزة وإسقاطه كخيار فتحاوي أساسي في الضفة الغربية أيضا؛ وهو ما تسبب بتفاعلات كبيرة لا تزال نتائجها تتواصل في صفوف حركة فتح؛ الأمر الذي يقود حركة فتح إلى واقع جديد ربما يفضي إلى تراجع مكانتها الفلسطينية من الدرجة الثانية إلى الدرجة الثالثة، خصوصا أن بعض القوى قد تكون مؤهلة أو تعد نفسها لتأخذ الموقع الثاني.
وبرغم الصدمة الكبرى في نجاح حماس في استئصال تيار الفلتان الأمني داخل الأجهزة الأمنية بأقل الخسائر المتوقعة، غير أن السلوك السياسي لحركة فتح بمجموعها ولقيادتها الأولى -وبالذات الرئيس محمود عباس- كان أكثر مفاجأة، عندما نحا منحى المقاطعة والحرب والحصار والعقاب الجماعي لكل من يؤيد خطوة حماس أو يعيش في قطاع غزة، ناهيك عن تخلي الرئيس عن مسئولياته إزاء السلطة في القطاع بحجة أن حماس خطفته، ورفضه إدارة الشئون العامة في غزة من مقره فيها؛ حتى إن الكثير من حلفاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس استهجنوا التطرف الذي بدا فيه موقفه، وخصوصا استخدام مؤسسات منظمة التحرير المتبقية وبما هي عليه، للاستقواء على السلطة في قطاع غزة وعلى المجلس التشريعي وخارج القانون.
الشرخ السياسي وتعميقه
بذلك تراكمت المآزق الفلسطينية لتشكل حالة من الأزمة المتفاقمة متعددة الأبعاد والأجنحة؛ وهو ما أعطى الفرصة لدخول الأمريكيين والإسرائيليين بقوة على الخط، في محاولة لعزل محمود عباس عن قوته الطبيعية بقيادة السلطة ومنظمة التحرير وحركة فتح في الضفة والقطاع، والسعي للضغط عليه لتقديم المزيد من التنازلات في نفس الوقت الذي يعمّق الشرخ الفلسطيني، ويزيد من أزماته الداخلية لإضعاف الكل الفلسطيني أمام الاحتلال الإسرائيلي، ضعيف الحكومة ومهزوم الجيش. وهو ما وفر الأجواء لممارسات بقايا تيار الفلتان الأمني في الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية مع بعض العصابات المسلحة لتقوم بجرائم كثيرة ومتواصلة ومتصاعدة ضد أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، بما في ذلك اقتحام الجامعات والمساجد والمؤسسات المدنية والاستيلاء على البلديات، وليعيش الشعب الفلسطيني في رعب وخوف وفقدان تام للأمن، حيث لم تفلح جهود رش الأموال المحدودة على قطاعات متعددة، ووعود الازدهار التي حملها سلام فياض لتشكل شبكة أمان، لا يحميها الأمن ولا تشكل الحرية أداة أساسية فيها.
إن التشخيص الموضوعي للأحداث، بل وصفها كما هي، يثير حفيظة الأطراف المعنيين على المحللين، وربما يتهمهم بالانحياز، وهو ما نضطر كباحثين إلى تجاوزه؛ حيث إن الاعتداء على القانون وسلب الصلاحيات وسحب المؤسسات التنفيذية وقيادة التمرد العسكري والعصيان المدني وقصف وحرق مقرات السلطة المركزية في الضفة وغزة، وإشهار السلاح في وجه الوزراء والنواب وخطفهم، وإطلاق النار على بيوتهم وأهلهم، وكذلك استخدام القوة المسلحة لحسم الخلافات الداخلية، أمور لا يمكن تجاوزها عند تناول المأزق الفلسطيني والأزمة الفلسطينية. ولكن المهم في هذه المرحلة هو القدرة على تقديم رؤية واقعية وعملية يمكن لها أن تفرج جزءًا من الأزمة، أو تفتح الباب أمام حراك وطني لبلورة واقع فلسطيني جديد يُعتبر من التجربة الصعبة، ويُخرج الشعب من الأزمة بأقل الخسائر، ودون الرجوع إلى الوراء عن اتفاقات تم التوصل إليها بصعوبة بالغة.
ملامح حل مقترح
ولذلك ترى هذه الورقة بعض ملامح للخروج من المأزق الفلسطيني القائم اليوم، وهي تنطلق من نظرية تفاؤلية تعتقد بأن الخروج من المأزق أمر حتمي لا مفر منه، ولكن الزمن جزء من العلاج كما يقولون، وأهم هذه الملامح:
-
الشروع بالحوار بين فتح وحماس للتوافق على الخروج من المأزق الحالي وفق رؤية وطنية مشتركة، ويمكن أن يتم ذلك برعاية سعودية بالتعاون مع مصر وسوريا.
-
اعتماد مرجعيات أساسية في الحوار والحالة القادمة ومعالجة المأزق تلك التي تم التوصل إليها بعد معاناة طويلة، وأهمها:
-
وقف أعمال الانتقام والتخريب والفلتان الأمني وانتهاك حقوق الإنسان في الضفة الغربية وأي مثيل لها في قطاع غزة.
-
تحييد الخدمات الإنسانية والأمن والمؤسسات المدنية من أي خلافات تؤثر على مصالح المواطن الفلسطيني.
-
إلغاء حالة الطوارئ واستئناف الحياة المدنية والسياسية المعتادة، والابتعاد عن المس بالمؤسسة التشريعية تحت أي ذريعة.
-
العمل على تفعيل دور المجلس التشريعي بطريقة مبتكرة فلسطينية تتناسب مع واقع الاعتقال والاحتلال وتوزع الجغرافيا والحواجز... إلخ، ليأخذ دوره الطبيعي وبنفس صلاحياته والسعي في نفس الوقت للإفراج عن النواب والوزراء السابقين المعتقلين لدى سلطات الاحتلال بأسرع وقت ممكن.
-
السعي لتشكيل حكومة توافقية جديدة خلافا للحكومتين القائمتين وفق اتفاق مكة وعلى أساس وثيقة الوفاق الوطني.
-
استكمال تطبيق اتفاق مكة وتفاصيله المتعلق بالبنود التي لم تستكمل بعد تشكيل الحكومة.
-
إعادة بناء الأجهزة الأمنية وفق ما يلي:
-
بناء وتقوية جهاز "الشرطة والأمن العام"، وضم مختلف الأقسام التي تلزم الأمن الوطني والاستخباري الفلسطيني، فيما يخص ضبط الأمن والنظام الداخلي وخدمة المواطنين بوصفه جهازًا للأمن الداخلي، وتدمج فيه القوة التنفيذية تماما مع إلغاء مسماها الحالي.
-
إنشاء "قوات الدفاع الوطني" المختصة بمواجهة عدوان الاحتلال على الأراضي الفلسطينية والشعب الفلسطيني وتتشكل نواتها أساسا من فصائل المقاومة، ويُفتح فيها باب التجنيد التطوعي الدوري لبقية أبناء الشعب الفلسطيني وخاصة لأبناء الشهداء.
-
إلغاء كافة الأجهزة الأمنية الأخرى وفي أي مستوى.
-
تتبع الأجهزة الأمنية لوزير الداخلية والأمن الوطني مباشرة.
-
تعديل القوانين النافذة المتعلقة بذلك وفق هذه الرؤية.
حوار وطني وغطاء عربي
إن مسئولية السعي لتحقيق جزء من هذه الرؤية أو بديل أفضل عنها إنما يقع أساسا على النخب الفلسطينية السياسية والأكاديمية والإعلامية، وخصوصا الفصائلية منها، وإن ما تبدى من تحيزات غير واقعية ومضرة من قبل البعض لطرف ضد طرف آخر لا يخدم اتجاهات الحوار والمصالحة الوطنية البناءة، بل يعمّق الأزمة ويزيد من توسيع دائرة المأزق، ويجعل الجميع طرفًا في المأزق والأزمة. وهذه الورقة لا تدعو بذلك إلى الحياد المطلق أو الكلي أو السلبي من قبل هذه الفصائل والشخصيات، بل تدعو إلى الحياد الإيجابي الذي يتعامل مع الحقائق، ويسعى إلى الصالح العام، ولا يقف عند الجزئيات والأخطاء الصغيرة التي تعتبر من التداعيات البديهية في مثل الحالة التي وصلت إليها العلاقات الفلسطينية الداخلية اليوم. ولذلك فإن الخطوة الأولى نحو نجاح مثل هذه التوجهات هي إعادة التموضع الفصائلي والشخصي في الساحة الفلسطينية بتعريف وطني واسع، وبعيدا عن الإغراءات أو التهديدات من قبل أي طرف، ومن ثم السعي لإيجاد حاضنة عربية من نفس النوع الشعبي وعلى نفس الأسس لجمع الفرقاء والشروع بحوار مسئول بينهم، وهو أمر لا يتعارض مع جهود الدول العربية لتوفير الغطاء العربي لأي اتفاق يتم التوصل إليه في مواجهة إسرائيل وبعض أطراف المجتمع الدولي، ولتقوم بتوفير مستلزمات نجاح هذه الاتفاقات. ولعل بعض المواقف العربية تقدمت على مواقف أطراف فلسطينية في هذا السياق، خصوصا موقف البرلمان العربي ومواقف عدد من الحكومات العربية ذات الصلة.
كما يشار إلى أن بناء مشروع وطني متكامل هو مسئولية الحوار المتواصل وليس مجرد ورقة يطرحها البعض لتُقبل أو ترفض، وتشير هذه الورقة إلى التحذير من الخطر الذي تحمله فكرة إعادة الأوضاع في غزة إلى ما كانت عليه، حيث يعني ذلك العودة إلى حالة الفوضى والفلتان الأمني وفقدان الأمن للمواطنين، ولكن المطلوب هو إعادة توحيد السلطة برئيسها ومجلسها التشريعي وحكومتها، وفي نفس الوقت القبول المبدئي بإعادة الهيكلة والبناء للأجهزة الأمنية التي كانت مصدر الخلاف الكبير، وللصلاحيات بين السلطات وتفسيرها التي شكلت مصدر الأزمة السياسي أيضا. ومن هنا فإن اللجوء إلى تحكيم العقل والمصلحة الوطنية هو الأساس في وضع جدول أعمال الحوار المفترض لتتوفر له أسباب النجاح على مستوييه الشعبي والرسمي، ووفق الملامح المذكورة آنفا.
|