English

 

الاثنين. يوليو. 30, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا » أوروبا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

استقلال كوسوفو.. بضاعة للمقايضة؟

محمد جمال عرفة

Image
بوسنيون يشيعون رفات العشرات
من ضحايا حرب التطهير العرقي
ليس من المستغرب أبدا أن تجري التضحية بالمسلمين ومصالحهم في الشرق أو الغرب ما دام الثمن هو المصلحة الغربية والأمريكية تحديدا، فلم تكن مفاجأة أن تسحب الدول الغربية مشروع القرار الذي كانت قد قدمته إلى مجلس الأمن الدولي، والذي كان سيضع إقليم كوسوفا ذا الأغلبية المسلمة على طريق الاستقلال عن جمهورية صربيا؛ بسبب المعارضة الروسية لمشروع القرار كما قيل، وربما السعي لإرضائها في ملف الدرع الصاروخي!.

فقد تعرض مسلمو إقليم كوسوفا (15% من مساحة صربيا) لمجازر وقمع شديدين من قبل الصرب في دولة صربيا، على مدار قرابة 10 سنوات منذ عام 1989م حينما قام الرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش بإلغاء ميزة الحكم الذاتي لكوسوفا والذي منحه إياها الرئيس اليوغسلافي الأسبق تيتو عام 1974؛ ولقي -نتيجة لهذا- 10 آلاف مدني ألباني حتفهم، فيما تم تشريد 800 ألف عن مناطقهم في كوسوفو، وردّ المسلمون على ذلك بإجراء استفتاء عام حول استقلال الإقليم في سبتمبر 1991 انتهى بتصويت السكان على الاستقلال بنسبة 99% وانتخاب رئيس مسلم.

وبعد 8 سنوات من بحث الأمم المتحدة مشكلة أهالي كوسوفا، قرّر المبعوث الأممي الخاص إلى كوسوفا (مارتي اهتساري) في فبراير الماضي 2007 أن الإقليم يجب أن ينفصل عن صربيا وأن يكون له دستور وعلم ونشيد خاص، وينضم للمنظمات الدولية مثل أي دولة دون أن ينفصل كليا عن صربيا، على الرغم من أن المواصفات الأممية تعطي له ضمنا حق الاستقلال، بيد أن روسيا رفضت بشدة وعارضت صدور قرار من مجلس الأمن يقرّ هذه التوصية الأممية.

وقد سعت الدول الغربية وهي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا لطرح قرار بديل في الأمم المتحدة لقرار استقلال كوسوفا الذي ترفضه روسيا، يقترح وجود فسحة من الوقت مدتها 120 يوما بحيث تكون مهلة للصرب وألبان كوسوفا للتفاوض قبل أن يتم تطبيق خطة أهيتساري مبعوث الأمم المتحدة آليا لفصل الإقليم، إلا أن روسيا رفضت مرة أخرى هذه الخطة أيضا بهدف أن يبقى الوضع على ما هو عليه ويظل الألبان المسلمون خاضعين للصرب!.

واللافت أن الولايات المتحدة -التي كانت تشجع المسلمين من قبل على الاستقلال وتعد بدعمهم- باتت أقل تحمسا لاستقلال كوسوفا الكامل، خاصة في أعقاب تفجّر مشكلة الردع الصاروخي مع روسيا، ما فسره بعض المحللين على أنه ربما يكون نوعا من المقايضة.. التخلي عن خطط استقلال كوسوفا المسلمة مقابل تليين الموقف الروسي من الدرع الصاروخي!.

ووسط هذه الأجواء وتوقّع أن تعترض روسيا بالفيتو على أي قرار في الأمم المتحدة لصالح استقلال كوسوفا، أعلن جان مارك دو لا سابلييه، السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة أنه لم يعد بالإمكان التوصل إلى أي قرار في الوقت الراهن، وأنه تم تجميد مشروع قرار الاستقلال، وإحالة الملف إلى مجموعة الاتصال حول كوسوفا (تضم بريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وألمانيا، والولايات المتحدة، وروسيا) مرة أخرى من أجل مناقشته، أي العودة لنقطة الصفر!!.

استقلال من جانب واحد

والحقيقة أنه لم يعد أمام مسلمي كوسوفا سوى أن ينفذوا خطة قديمة تتعلق بالاستقلال من جانب واحد عن صربيا، بعدما ظهر أن المقايضات الدولية يمكن أن تعصف بحقوقهم، وهو ما ألمح إليه بالفعل أجيم تشيكو-رئيس حكومة كوسوفا- الذي قال إنه من المفترض أن يعلن الإقليم الاستقلال من جانب واحد عن صربيا يوم 28 نوفمبر المقبل، وأنه من المقرر أن يتبنى برلمان كوسوفو قرارًا يحدد موعد الاستقلال.

ربما يكون تراجع الغرب عن مشروع القرار يهدف إلى تهدئة التوترات المتصاعدة بينه وبين روسيا؛ بسبب العديد من القضايا الخلافية، وفي مقدمتها أزمة الدرع الصاروخي الذي تريد الولايات المتحدة نشره في أوروبا وترفض روسيا، بالإضافة إلى عمليات الطرد الدبلوماسي المتبادلة بين الروس والبريطانيين على خلفية مقتل عميل المخابرات الروسي السابق ألكسندر ليتفينينكو في بريطانيا قبل أشهر.

وربما يكون التدخل الروسي غرضه عرقلة انضمام صربيا للاتحاد الأوروبي وفقد دولة حليفة، بعدما خيَّرت واشنطن بلجراد في وقت سابق ما بين الاحتفاظ بالإقليم والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي!.

وما يدفع مسلمي كوسوفو للتفكير في هذا الخيار المستقل وعدم التعويل كثيرا على مساندة الغرب لهم -وهي المساندة التي ترتكز على محاولة إضعاف الروس وحليفتهم صربيا لا الأسباب الإنسانية أو الأخلاقية- أنّ هناك رائحة صراع ديني تفوح على خلفية استقلال كوسوفا.. فالحرب في كوسوفا نشأت لأسباب دينية، وعوامل استمرارها لا تزال قائمة، وهناك أصوات أوروبية تطالب بمنع نشوء هذه الدويلة المسلمة في قلب أوروبا؛ فالكنائس الأرثوذوكسية في روسيا وباقي دول أوروبا الشرقية تلعب دورا كبيرا في إجهاض خطة الأمم المتحدة وإثارة العراقيل في وجهها، والتحذيرات الصربية والمسيحية الشرقية عموما عادت لتكرر نفس النغمة الطائفية التي قيلت عن البوسنة، من أن كوسوفا قد تتحول لمرتع للمتطرفين إذا استقلت، وربما لتنظيم القاعدة لاحقا، بهدف تخويف الأوروبيين من السماح بأي مبادرات انفصالية قد تؤدي لاستقلال الإقليم لاحقا.

أيضا يلفت الأنظار تهديد قادة الصرب المتطرفين بمنع هذا الاستقلال واستئناف حرب الإبادة ضد المسلمين، ومعارضة الكنيسة الأرثوذكسية الصربية لخطة الأمم المتحدة، والأهم وضع الصرب حججا واهية لرفض استقلال كوسوفا مثل الزعم أن في كوسوفا أهم الأديرة المسيحية وتراثهم التاريخي، ومع أن خطة مبعوث الأمم المتحدة وعدت بالتغلب على هذا بتحديد 40 منطقة وموقعا من كوسوفا ستحظى بالحكم الذاتي! لمجرد أن بها أديرة مسيحية، فهم يرفضون بإصرار هذه الخطة لاستقلال كوسوفا كلها ويريدون تعطيله بـ"مسمار جحا" جديد، وهو الأديرة والتراث المسيحي في كوسوفا.

ويبدو أن تعلق الأمر بمسلمين -وفي أوروبا- يسهل على الطرفين الروسي والأمريكي عقد صفقة تحظر في نهاية الأمر ظهور هذه الدويلة الإسلامية في البلقان قرب روسيا الأرثوذوكسية، تماما مثلما حدث مع البوسنة التي حولوها إلى كيان مشترك بين الصرب والكروات والبوسنة وذات حكم ثلاثي علماني، على الرغم من أن غالبية السكان مسلمون (90%)، ولهذا بدأت المحاولات الصربية –مدعومة بالكنائس الأرثوذوكسية في روسيا وباقي دول أوروبا الشرقية- لإجهاض خطة الأمم المتحدة وإثارة العراقيل في وجهها.

وتبلغ مساحة إقليم كوسوفا حوالي 11,000 كم، وعدد سكانه 2,500,000، وتبلغ نسبة المسلمين الألبان داخل كوسوفو حوالي 92%، والأقليات هناك (8%) تشمل الصرب والمونتنيغري والبوسنيين والغجر والأتراك، ويُعتبر الإسلام هو الدين الرسمي داخل الإقليم حيث تبلغ نسبة المسلمين وسط الألبان حوالي 99%، كما أن هناك أقلية ألبانية صغيرة جدا تعتنق المذهب الكاثوليكي تتمركز في شمال كوسوفا.

لقد تنفس مسلمو كوسوفا الصعداء وتصوروا أن مشكلتهم تقترب من الحل حينما صدر التقرير الخاص لمبعوث الأمم المتحدة الذي يعطيهم حق الاستقلال الذاتي مع تقييد انفصالهم التام عن صربيا لمراحل لاحقة، ولكن هذا القرار الدولي أصبح مجرد حبر على ورق لا قيمة له بعد رفض روسيا له والتهديد بالفيتو لمنع تمريره، وبدلا من إصرار الغرب كما يفعل في قرارات مماثلة تتعلق بعقاب دول عربية إسلامية، نشهد نوعا من المساومات والتفاوض حول هذا الاستقلال والمقابل له في حالة تخلي الغرب عن دعم استقلال الدولة المسلمة.

لم يعد بالتالي أمام مسلمي كوسوفا حل نهائي لإقليمهم غير الاستقلال التام، لأن بلجراد لا تريد منح السيادة لسكان الإقليم، وترفض مع روسيا خطة الأمم المتحدة، كما أن مساندة الغرب وأمريكا لهم "فاترة" ومتوقفة على مصالحهم مع روسيا ومقايضة الاستقلال بقضية الدرع الصاروخي.

ويبقى السؤال الصعب، وهو: في حالة إعلان مسلمي كوسوفا الاستقلال من جانب واحد.. من سيساند هذه الدولة المستقلة الجديدة؟ وهل سيكون استقلالها مجمدا بحيث تصبح ثاني دولة مسلمة محاصرة وغير معترف بها دوليا كدولة مستقلة على غرار "قبرص التركية" التي لا يعترف بها سوى تركيا؟ وهل يمكن أن تعترف بها الدول العربية والإسلامية التي تباكت على مذابح مسلمي البوسنة وكوسوفا؟ أم أن المصالح الدولية ستمنع حتى الاعتراف العربي والإسلامي بهذه الدويلة ذات الأغلبية المسلمة؟!.


المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات