|
| بابا الفاتيكان |
تناقلت وكالات الأنباء ووسائل الإعلام يومي 26 و27/7/2007م ما صدر عن جورج جينزفاين "السكرتير الشخصي" للبابا الكاثوليكي بنديكت السادس عشر، من تصريحات، خلال مقابلة مع الإصدارة الأسبوعية التابعة لصحيفة "زود دويتشه" الواسعة الانتشار في ألمانيا.
والمقصود هنا عبارات محددة ترتبط بوجود الإسلام والمسلمين في الغرب عامة، وظهر للعيان أنها تمس قضية حساسة بأسلوب مثير إن لم نقل خطيرا؛ فهذا ما جعل التركيز الإعلامي عليها كبيرا، كما بدأت تظهر ردود الأفعال من جانب عدد من الجهات الإسلامية لا سيما في ألمانيا وفي أوروبا عموما.
لا مجال لسوء الفهم
جورج جينزفاين أقرب المقربين إلى البابا الكاثوليكي بنديكت السادس عشر، لا يفارقه حيثما كان، ولا يوجد من هو أقرب إلى الوصف بأنه الناطق بلسانه، وتذكّر كلماته المثيرة الآن بالإساءة البابوية المعروفة قبل أقل من عام، وبالمزاعم التي قالت إن المسلمين "أخطئوا فهمها"، ومن العسير تكرار هذه المزاعم الآن وإن صدرت ردود فعل قد لا تروق لقائل تلك الكلمات، فمن قبلِ أن يدلي المسلمون بموقف، أو يظهروا انزعاجا، نجد وسائل الإعلام الألمانية والوكالات الغربية التي تناقلت كلمات جينزفاين، قد فهمت منها بوضوح ما وضعته في عناوينها للخبر، من مثل:
أما نص العبارات المعنية على لسان جينزفاين نفسه، والتي لا تحتمل التأويل، فهي:
ينطوي الفهم المباشر لنص العبارتين على جملة من المقولات هي:
-
وجود جهات تحاول "أسلمة" الغرب، والمحاولة هي السعي المتعمّد، سواء انتهى إلى نجاح أو إخفاق.
-
المقصود هنا بطبيعة الحال هم المسلمون ومنظماتهم في الغرب نفسه، أو زعم قبولهم بدور الأداة لصالح جهات تصنع ما تصنع من خارج حدود الغرب، بهدف "أسلمته".
-
أصبحت المحاولات بمنظور صاحب تلك العبارات منتشرة ظاهرة للعيان؛ فهي مما لا يمكن إنكاره، وإن وُجد مَن ينكر، تأتي هذه التصريحات لتنبّهه.
-
بلغت المحاولات بمنظور صاحب تلك العبارات درجة من "الخطورة" تدفعه وهو يتحدّث باسم أعلى الهيئات الرسمية الممثلة للكاثوليكية الرومية إلى التحذير العلني منها عبر وسائل الإعلام.
-
التصريح وارد نصّا أيضا بأنها محاولات "خطيرة" في نظر صاحبه، وهو لا يرى تلك الخطورة بسيطة أو جانبية بل يعتبرها "ضخمة" بمستوى تهديد "هوية" القارة الأوروبية نفسها!.
-
يتكرّر هنا التحذير من تجاهل وجود تلك "المحاولات الخطيرة".
-
يضاف إلى ذلك التحذير الشديد تشكيكٌ مباشر في سلوك "مراعاة الآخر"، فيوصف هذا المسلك بأنه بات يُفهم فهما خاطئا، ويوضع في موضع مرتكزٍ للخطر "الكبير" على هوية أوروبا!
نسف أسس الحوار
اقترنت إساءة جينزفاين الجديدة هذه بالدفاع عن الإساءة التي لم تصبح قديمة بعد، وصدرت مباشرة عن البابا الكاثوليكي، في "محاضرة" كان من المفروض أن تكون منهجية على مستوى جامعي. ويرى جينزفاين الآن، أن قول ما قيل فيها بصدد الإسلام (عنف.. سوء.. لاإنسانية.. لا عقلانية.. إلى آخره) كان "ضروريا من أجل تصحيح نظرة خاطئة عن الإسلام" -ويوجد من ترجم التعبير الألماني المتعدد المعاني إلى النظرة الساذجة- وفي هذا ما يؤكد ثانية، أن البابا الكاثوليكي تعمّد في حينه قول ما قال، ولم يكن زلة لسان أو شطحة من الشطحات غير المقصودة، بل بلغ الأمر بسكرتيره الشخصي أن يصف تلك المحاضرة الآن بأنها كانت "خطبة نبوية"، (إني أرى تلك الخطبة في ريجينسبورج، كما ألقيت تحديدا، نبوية-prophetisch).
هذا الموقف الجديد هو تراجع رسمي لدولة الفاتيكان، وبكل معنى الكلمة، عن جميع ما قيل بشأن اعتذارات أو شبه اعتذارات من جانب البابا الكاثوليكي.
ومعروف أن الإساءة البابوية المعنية قد تضمّنت استشهادا تاريخيا عتيقا على لسان قيصر بيزنطي قال إنه لا يمكن للمرء أن يجد في الإسلام إلا السوء واللاإنسانية"، وربط بنديكت السادس عشر هذا الاستشهاد بمضمون محاضرته عن "العنف واللاعقلانية" مبرئا المسيحية الكاثوليكية منهما!.
"نغم في جوقة"
موقف "جينزفاين" والبابا الكاثوليكي من قبله -وبتعبير أصح وفق تلك التصريحات والمقولات- الدور السلبي للكنيسة الكاثوليكية الرومية، أو دولة الفاتيكان، على صعيد "العلاقة" مع الإسلام والمسلمين، ليس نشازا قدر ما يمثّل نغما في جوقة، لا يكاد يغيب صوتها في زاوية، إلا وينبعث من زاوية أخرى، وقد أصبح على أعلى المستويات السياسية، وليس الدينية الكنسية فقط، وإن ورد أحيانا في صياغة ملغومة، كتأكيد احترام الدين الإسلامي على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس، جنبا إلى جنب مع الإعلان أنه أسرع الأديان انتشارا في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يذكّر بأسلوبها في ابتكار شعارات مثيرة عبر تناقض مضمونها مع نفسه، (مثل الفوضى.. الخلاقة).. وصحيح أنها تصف "واقع انتشار الإسلام"، ولكن ذكر "واقع ما" لا يأتي اعتباطا على لسان مسئول سياسي، بل يتحيّن الفرصة المناسبة لقول ما يريد قوله من الأصل، تنبيها إلى ما يريد تسليط الأضواء عليه، وعند اختيار "عبارات حيادية"، يتوارى القصد، فيكون إمّا ابتهاجا أو انزعاجا، وتأييدا أو تحذيرا، ومن العسير في إطار الممارسات السياسية لحكومة بوش الابن ومن معه القول إن هذا الإعلان الجديد جاء بقصد التعبير عن الابتهاج والتأييد إزاء انتشار الإسلام بين الأمريكيين، أي انتشاره رغم كل ما صُنع ويُصنع لتشويه صورته وربطها بكل ما باتت تَحْمله كلمة "إرهاب" أو تُحمّل.
وينسجم مع "أنغام الجوقة" أيضا تكرار التعبير عن ضرورة "الدفاع" عن القيم اليهودية والمسيحية في المجتمع الأوروبي وثقافته وواقعه؛ فكلمة الدفاع ليست "حيادية" أصلا، بل تستثير الانطباع بوجود "جهة تهاجم أو تخترق.." وليس المقصود هنا قطعا زعم أن "تفجيرات الإرهاب" تهدد "القيم الأوروبية"، بل هو وضع الإسلام وقيمه في موقع "الهجوم" عليها، وذاك هو المغزى من الموقف الذي كرّرت ذكرته المستشارة الألمانية أنجلا ميركل –وآخرون معها- تارة عند استقبال البابا الكاثوليكي، وأخرى في معرض الحديث عن "الدستور الأوروبي"، وثالثة من أجل تسويغ استصدار تشريعات قانونية جديدة مثيرة للجدل، تتعلّق بسياسات الاندماج لا سيما على صعيد فئة المسلمين من غير ذوي الأصول الألمانية "الخالصة.
ويمكن ذكر المزيد من الأمثلة على تصريحات سياسية من هذا المستوى، إلى درجة تستدعي التساؤل:علام يُظهر السياسيون أحيانا "الاستغراب" ممّا يصنعه الإعلام في اتجاه مماثل؟. ما قيمة مطالبتهم هم وسائلَ الإعلام بالحرص على الاعتدال، كيلا يستمر نشر صور نمطية مسيئة عن الإسلام والمسلمين، بما يزيد من مخاطر التوترات داخل المجتمع الغربي؟. هل الاستغراب مصطنع لدفع التهمة عن أنفسهم، أم هو لذر الرماد على العيون، أم أن المسئول من مستوى جينزفاين وخبرته الطويلة، يتوقع أن يقول ما قال، ثم لا يتحول إلى مادة إعلامية واسعة الانتشار، لتعزيز نشر عبارات التحذير والاتهامات، والإسهام في نشر الصور النمطية المسيئة والمخيفة عن الإسلام والمسلمين؟!.
الهاجس التركي
إن التصريحات الرسمية جزء من أجواء يساهم كثير من السياسيين والإعلاميين في صنعها، كما يساهم فيها "فريق" من كتّاب معروفين بحملاتهم على الإسلام والمسلمين في تهييج أجواء سلبية.
ليس من باب المصادفة مثلا أن تصدر الطبعة الثانية المزيدة لكتاب بعنوان "مع الحجاب إلى أوروبا" بقلم بسام طيبي، وكان قد نُشر قبل عامين للتحذير بشدة من "عواقب" قرار بدء مفاوضات انضمام تركيا إلى أوروبا، وتصدر الطبعة الثانية الآن عقب فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات، أي لمواكبة حدث يجري توظيفه مع سواه في حملات التحذير من قيم إسلامية "تتسلّل" إلى الواقع الثقافي والتشريعي القانوني في أوروبا، إلى جانب المزاعم القائلة باستحالة "تبرئة" الإسلام من الدعوة إلى استخدام العنف.
من العسير استبعاد وجود علاقة بين الحدث الانتخابي في تركيا وتوقيت كلمات "جينزفاين". هذا رغم وجود سلسلة من وقائع أخرى تصلح أيضا لتفسير التوقيت واختيار دورية إعلامية ألمانية، ومن تلك الوقائع في ألمانيا بالذات ازدياد العراقيل الرسمية في وجه طلبات الترخيص ببناء بعض المساجد والمصليات، وصدور تهديدات بالقتل من جانب جماعات متطرفة ضد ناشطين إسلاميين، ثم الطرح المتجدد لقضية إلزام المسلمين بعدم استثناء أولادهم ولا سيما بناتهم من الدروس الرياضية والسباحة المختلطة، وما شابه ذلك.
إنما تبدو كلمات جينزفاين، في إطار ما انتشر عن الكنيسة الكاثوليكية في عهد بنديكت السادس عشر من تعصب تجاه الآخر عموما، وليس المسلمين فقط، قد استهدفت فيما استهدفته التأثيرَ على ساحة التفاعل الأوروبية، الرسمية والشعبية، مع حدث الانتخابات التركي.
ربما ساء الفاتيكان ما نُسب إليه من موقف إيجابي تجاه نتائج الانتخابات ومفاوضات الانضمام، أي بعد تصريحات رسمية للفاتيكان يوم ظهور النتائج، فجاءت كلمات جينزفاين "للتصحيح"، أي للقول إن أداء واجب مجاملة دبلوماسية لا يعني تأييدا حقيقيا. إن التحذير من "أسلمة الغرب" يبدد الظن في تأييد الكنيسة الكاثوليكية أن تصبح تركيا يوما ما الدولة الثانية أو الأولى من حيث عدد سكانها -وهم مسلمون- في الاتحاد الأوروبي، لا سيما وأن الكرسي البابوي "يخشى" على الهوية الأوروبية من القيم الإسلامية!!.
والمعروف أن موقف تأييد الانضمام صدر عن البابا الكاثوليكي في أثناء زيارته الأخيرة إلى تركيا، وهو موقف معاكس لمواقف الاعتراضات السابقة على الانضمام، والمنسجمة أكثر مع البابا الجديد "المتعصب" بالمقارنة مع سلفه، فبدا التأييد في حينه أشبه بتنازل اضطراري وشكلي، أو هو الثمن الذي دفعته دولة الفاتيكان للتغطية على الإساءة البابوية من قبل؛ إذ كادت تؤدي إلى إلغاء زيارة تركيا أصلا أو إلى تفريغها من مضمونها السياسي، مثلما أدت إلى نسف أسس الحوار بين الكنيسة الكاثوليكية والإسلام.
شماعة الحرمان من حقوق المواطنة
وكالمعتاد مع مقولات مشابهة كالتحذير من "أسلمة الغرب" ومن المخاطر على "الهوية الأوروبية"، كما ردد "سكرتير البابا الكاثوليكي" يأتي دور الإعلام، للتعليل والتفسير.. والإضافة، والخط العام الذي غلب على الإعلام الألماني في نشره للخبر والتعليق عليه هو ما تقول به عبارة ذات مغزى:
- إن سكرتير البابا "يشاطر" الأوروبيين "مخاوفهم".وهي عبارة توحي بأسلوب إعلامي معروف بأن المخاوف موجودة بداهة، وبالتالي لها ما يعلّلها وليس في تلك المقولات ما يساهم في نشرها. وهي مخاوف منسوبة إلى "الأوروبيين" أي إلى المواطن، بمعنى القارئ المستهلك لهذه العبارة، أما المسئول عن مثل هذه التصريحات فهو "يعبّر عن المواطن" فحسب!.
ويمكن المضي مع عبارات مشابهة بأسلوب مماثل، والحصيلة واحدة. هل هو فعلا تعبير عن خوف ذاتي من الإسلام وقيمه والمسلمين وأنشطتهم؟!.أم هو خوف مرضي من الإسلام كما بات يتردد في الأوساط الإسلامية باستمرار، حتى كاد يتحوّل إلى تبرئة "المصاب" من المسئولية، استنادا إلى تلك الحالة النفسانية المرضية من وراء ما يقول؟!. أم أنه ببساطة "التخويف" المتعمّد من الإسلام؟..
صناعة التوتر والتشكيك
في جميع الأحوال أصبحت حصيلة مثل هذه المواقف، أنها ترد على مواقف أخرى منصفة ومتعقلة تجاه الإسلام والمسلمين، وكأنها تريد إبطال مفعولها، لا سيما على صعيد جيل الشبيبة، وقد أقبل على التعرف على الإسلام، ومنهم من يعتنقه بعد التعرف عليه، أو أنها تريد شحن الرأي العام ضدها، أو تحرض عمدا على الامتناع عن الإدلاء بها أصلا أو الرجوع عنها من بعد الإدلاء بها.
هنا لا بد من التنويه إلى تلك المواقف، فتغييبها بات مقصودا في حمأة إثارة الخوف والخوف المضاد، وتحويل علاقة المسلمين بسواهم في البلدان الغربية إلى علاقة متوترة، متوجسة شرا.
يظهر حجم تلك الحملة ونوعيتها مثلا عندما نرصد أقلاما تدعو علنا إلى عدم تصديق المسلمين عندما ينفون عن قرآنهم الكريم مثلا الدعوة إلى عنف غير مشروع، فهذا -بتعبير تلك الأقلام- نفيٌ كاذب من باب "التقية"؛ فالمسلمون يقولون -بزعم تلك الأقلام- غيرَ ذلك في "اجتماعاتهم السرية". كذلك تدعو تلك الأقلام إلى عدم تصديق المسلمين عندما ينكرون مثلا الانتماء إلى تنظيمات متطرفة، لا سيما الإخوان المسلمين باعتبارهم أشهر من سواهم في الغرب وأكثر تعرضا لتهمة التطرف؛ فالتعليمات السرية للأعضاء -وفق أولئك الكتاب- تدعو المسلمين إلى إنكار العضوية التنظيمية!.
لا داعي هنا إلى استغراب أن يكون أولئك الكتاب قد اطّلعوا من دون سواهم على تلك "الأسرار" المزعومة؛ فكلامهم موجه إلى "العامة" من أهل الغرب، ممن يمكن أن يصدق دون تمحيص، لا سيما مع كل ما سبق من حملات لنشر الجهل أو نشر الصور النمطية المشوهة والمعادية المسيئة، عن الإسلام والمسلمين!.
إن أجواء التوتر، واغتيال الثقة المتبادلة، والتشكيك في الكلام اليومي بين المسلم ومن حوله، جميع ذلك يطغى على مواقف الإنصاف المعتدلة، أو يستهدف تعطيلها أو يحرض على الرجوع عنها، وليس هنا مجال تعدادها، إنما يكفي مثالا قريبا على ذلك هو إقدام لوكسمبورج على الاعتراف رسميا بالدين الإسلامي، مع ما يترتب على ذلك من نتائج، لصالح بضعة ألوف من المسلمين يعيشون فيها، وقد تزامن هذا الإعلان مع كلمات "جينزفاين" تلك.
"الأسلمة" المزعومة
"أسلمة أوروبا".. ماذا تعني هذه الكلمة؟. هل توجد في أوروبا منظمات وهيئات ومؤسسات دعوية تتحرك بين غير المسلمين وتدعوهم بالأسلوب التبشيري والتنصيري المعروف في كثير من بلاد المسلمين وسواهم، إلى اعتناق الإسلام؟.لا يستطيع أحد أن يقول بذلك فهو غير موجود قطعا أم أن المسلمين يطرحون مطالبَ ما بتعديل الدساتير والقوانين الأوروبية لتكون إسلامية ناهيك عن إدخال "أحكام الشريعة" فيها، وهو ما يتردد في بعض الكتابات بشأن سعي المسلمين المزعوم لتطبيق الشريعة في البلدان الغربية؟.
يستحيل تحقيق ذلك، ولا يصح الزعم بوجوده، وإن صدر أحيانا في إطار أصوات متفرقة متشنجة، والأهم من ذلك أنها شاذة داخل الأوساط الإسلامية نفسها، من حيث تعدادها الأقل من قليل، ومن حيث أساليب تفكيرها على السواء، فلا يمكن دون نية التحامل أن توضع أقوالها في الصدارة من دون ما تراه وتقول به الغالبية العظمى للمسلمين في الغرب، كي يمكن تسويغ نشر عناوين "التخويف" المؤثرة على الفرد الغربي من مثل "أسلمة الغرب!"؟.
إن مثل هذه الحملات من التخويف تتجاهل على سبيل المثال إعلان ما سمي "الميثاق الإسلامي في ألمانيا" منذ سنوات عديدة، ولا يزال يوجد نصه على الموقع الشبكي للمجلس الأعلى للمسلمين بألمانيا، وهو يؤكد مثلا الالتزام بالدستور والقانون، ويؤكد انتماء المواطنة في المجتمع المشترك، ويبادر إلى تأكيد استبعاد الدعوة إلى الشريعة في المجتمع. وهذا الموقف الرسمي العلني ينسجم مع مواقف وتصريحات رسمية مشابهة صادرة عن التنظيمات الإسلامية الكبرى في البلدان الأوروبية عموما، ومن ورائها المنطلق الفقهي، وفق ما صدر عن المجلس الأوروبي للإفتاء، من فتاوى واضحة الدلالة على هذا الصعيد.
أليس ما تعبّر مواقف التحذير من "أسلمة أوروبا" عنه هو الخوف من "القيم الإسلامية" وليس من نتوءات وانحرافات شاذة عن الإسلام، وإن حملت عنوان الإسلام افتراء عليه واستغلالا للجهل بحقيقته عموما؟.
أليس في الخشية من انتشار "قيم الآخر" -وهي هنا الإسلامية- قدر كبير من عدم الثقة بالقيم الذاتية؟.
ما الذي يبقى إذن من قيمة لتلك "القيم الذاتية" لا سيما التي تؤكد بأسلوب "احتكاري"؛ لأن محورها هو "الحرية" في مختلف الميادين، بما في ذلك حرية التعبير وحرية اختيار الفرد ما يراه لنفسه من اقتناعات عقدية ومنظومات قيمية؟.
هذا مع التأكيد مجددا أن بلدان الغرب لا تعرف أنشطة لنشر "القيم الإسلامية" على غرار البعثات الكنية التبشيرية والتنصيرية، اللهم إلا إذا اعتبرنا السلوك الفردي للمسلم في حياته المعيشية اليومية نشاطا "تبشيريا"، وما ضاعفت بعض المنظمات الإسلامية جهودها من أجل نشر معلومات عن الإسلام والمسلمين -وهو ما لا يزال دون المستوى والحاجة بل والضرورة- إلا في إطار "الدفاع عن النفس"، بعد أن تعرض المسلمون في الغرب إلى درجة مكثفة من الضغوط على مختلف المستويات وفي مختلف الميادين، بذريعة ذلك العنوان المثير المخيف "الحرب على الإرهاب"!!.
الحرمان من حقوق المواطنة
ليس ما يطالب به المسلمون، بغالبيتهم الكبرى، من العامة، ومن التنظيمات الإسلامية الرئيسية في الساحة، "أسلمة الغرب" بل هم يطالبون واقعيا بأن يسري عليهم تطبيق ما يسري من الحقوق والواجبات على سواهم من المواطنين غير المسلمين على اختلاف معتقداتهم ومشاربهم، كيلا يكون تمييز ضدهم بالذات في الحياة اليومية؛ لأنهم مسلمون، ناهيك عما يجري من تمييز كبير تحت عناوين من قبيل القوانين الاستثنائية التي تضعهم جميعا في "قفص الاتهام"، فلا يخرج منه إلا من يتبرأ من دينه علنا، فجميع ذلك من شأنه أن يصنع من التوتر ويفرز من الأخطار، ما لا يحقق مصلحة المسلمين ولا سواهم في المجتمع الغربي.
المسلمون في أوروبا يطالبون مثلا بتعليم أبنائهم الدين الإسلامي في المدارس، ويطالبون بعدم محاربة فرض "الحجاب" بعد تسييسه المصطنع، إذا ما قرّرت الفتاة المسلمة ارتداءه حيثما كانت في المجتمع سواء المدرسة أو دائرة رسمية أو مكان عمل، ويطالبون بتمكينهم من الذبح على الشريعة الإسلامية، وبمقابر إسلامية، وبمساجد أو مصليات لأداء الشعائر الدينية.. وجميع ذلك وما يشابهه يدخل في الأصل في صلب منظومة الحقوق والحريات الشخصية الفردية والجماعية للأقليات، في مختلف الدساتير الأوروبية السارية المفعول، ويجد التطبيق على صعيد غير المسلمين إلى حد بعيد، وعندما يطالب المسلمون بذلك يعلنون في الوقت نفسه الالتزام بالدساتير والقوانين وأداء ما ينبثق عن ذلك من واجبات.
هل في هذه المطالب أسلمة الغرب، أم أنها في حصيلتها مطالبة الغرب أن يكون "غربيا" فعلا، أي أن يطبّق على المسلمين باعتبارهم جزءا من مجتمعاته، ما يزعم أنه ملتزم به وفق أنظمته الديمقراطية تجاه جميع المواطنين والمقيمين عموما فيه؟.
الواقع هو أن المسلمين الذين سرى عند غالبيتهم الاقتناع بالانتماء إلى الدول الغربية، دون فقدان هويتهم الإسلامية، ويضعون ثقتهم في شعارات ومقولات معروفة بصدد التنوع والتعددية، إنما يطالبون حكومات "بلدانهم الغربية" بحقوق وواجبات مماثلة لعموم المواطنين، وهو ما تعبّر عنه إلى حد كبير العبارة القائلة "لهم ما لنا وعليهم ما علينا" التي ترددها الكتابات الإسلامية المعتبرة، لا سيما مع ازدياد تأكيد عنصر "المواطنة" للتعبير عن وضع المواطن غير المسلم في بلد غالبية سكانه مسلمون، إذا ما كان الإسلام هو مرجعية الحياة والحكم فيه.
إن الضمان الإسلامي لحق الآخر على هذا النحو، لا تصل إلى مستواه قطعا تلك المواقف الاستفزازية المسيئة، والتي تتهم الإسلام والمسلمين بما في أصحابها، مهما زعموا أنهم ينطلقون من المثل والقيم الغربية بدءا بالعقد الاجتماعي ومواثيق حقوق الإنسان، انتهاء بدعوات حوار أصبح الهدف في كثير منها "علمنة الإسلام والمسلمين".
الرد الإسلامي المطلوب
القائمون على حملات الخوف والتخويف من الإسلام في الغرب، وهم قلة وإن كانت غالبيتهم في مواقع صنع القرار، يكشفون من خلال تلك الحملات، عن تفريغهم هم للديمقراطية الغربية ومنظومة حقوق الإنسان وحرياته فيها من مضامينها، ويثبّتون عليها صبغة العنصرية، فيسيئون لها ولمجتمعاتهم، بمقدار ما يسيئون إلى الإسلام وأهله.
وفي هذا بالذات ما يشير إلى الأهمية الكبرى لأن تتوافر للمنظمات الإسلامية في الغرب، ولكل من يدلي بدلوه ردًّا على الافتراءات الموجهة للإسلام والمسلمين، القدرة الفائقة على استيعاب القضية بأبعادها الحقيقية، وضبط النفس، وتجنّب الانزلاق إلى رد الإساءة بمثلها، أو إلى المبالغة والتعميم في الرد على استفزازات متكررة لن تنقطع في المستقبل المنظور، فرغم أن كثيرا من أصحابها في مواقع صناعة القرار، يبقى أن ما يمكن وصفه بالمعركة، إنما هو معركة تدور بين فئات محدودة العدد، متطرفة، على الجانبين وليس على جانب دون الآخر، وإن بيان تطرفها دون تعميمه على سواها، في مقدمة ما يمنع أن تتحول إلى "تيارات" لها وزنها ومفعولها.
وإن ما يجري تحت دعاوى "مكافحة الإرهاب" وقد أصبحت الشماعة المناسبة لتعليق مختلف المظالم عليها، يضع في حصيلته الواقعية فئة المتطرفين المتشددين عمدا في تلك الدعاوى داخل الغرب حربا على الإسلام نفسه، في تحالف رهيب وخطير النتائج مع من يمارسون باسم الإسلام عمليات إرهابية بالفعل، فيوجدون الذرائع لمن يطلبها.
ولا نغفل من وراء ذلك كله أن ما تشكو منه تلك الفئات بأسلوب استفزازي مسيء، من حيث انتشار الإسلام أكثر من سواه عالميا، يأتي نتيجة بقاء الإسلام في الساحة، في بلاده وعالميا، رغم حملات افتراء واستفزاز وإساءات وعدوان أشد مضمونا وأطول من حيث الفترة الزمنية، قد عايشتها الأجيال الماضية، وكانت حصيلتها على غير ما أراد أصحابها.
إن كلمات الإساءة إلى الإسلام لا تبدّل حقيقة الإسلام، ولئن وجد خوف حقيقي من الإسلام في الغرب، فهو خوف من حقيقته، وليس من مواصفات تُلصق به على سبيل الافتراء، ووصول الإسلام على حقيقته إلى القلوب والعقول، هو الذي ينشره في المجتمعات، الغربية أو غير الغربية، ولا يصل إلى القلوب والعقول من خلال حملات "ساخنة" وحملات "ساخنة" مضادة، كما أن هذه الحملات لا تحجب الإسلام قطعا، إن وجد ما يكفي من الجهد اليومي المخلص الواعي للتعريف به، كما هو، وبأسلوبه الذي ينطوي على الحكمة والموعظة الحسنة دون تغيير، فهو أولا وأخيرا خاتم الرسالات، أنزله رب العالمين ليكون رحمة للعالمين.
كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.
|