English

 

الأربعاء. يوليو. 25, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » ليبيا

 
أهم الأخبار  

مأساة إصابات الأطفال الليبيين على درب التقارب الأوروبي-الليبي

لوجه الحقيقة ..لماذا لا تُحاكم الممرضات البلغاريات أوروبيا؟

نبيل شبيب

فرحة غامرة في بلغاريا بعد عودة الممرضات
فرحة غامرة في بلغاريا بعد عودة الممرضات
بغض النظر عن جميع الخلفيات المعروفة والمجهولة بشأن الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني الذي منح الجنسية البلغارية، كان إقدام السلطات البلغارية على إصدار عفو شكلي عنهم، وإطلاق سراحهم، من قبل أن تطأ أقدامهم الأرض البلغارية، عملاً استعراضيًّا يؤكد عدة أمور، أولها: عدم الاستعداد لمجرد النظر القضائي في اتهام لا يمكن -وفق تفاصيل القضية- الجزم بعدم احتمال صحته، فحتى في حالة عدم الثقة بالقضاء الليبي، كان على بلغاريا ومن ورائها الاتحاد الأوروبي عرض القضية على القضاء البلغاري / الأوروبي؛ ليحكم فيها بمعزل عن الاعتبارات السياسية، ومراعاة للضحايا، كما تؤكد هذه الخطوة الاستعراضية، مدى استخفاف السياسة الأوروبية بالحكومات العربية، أو حكومات دول العالم الثالث، من خلال تجنب خطوة "تحفظ ماء الوجه" ولا تنطلق فقط من مضامين الحملات السياسية والإعلامية التي اعتبرت القضية على امتداد 8 سنوات ملفَّقة من بدايتها إلى نهايتها.

هذا علاوة على الاستخفاف بالإنسان، فوفاة 56 طفلاً وإصابة 439 طفلاً وأمًّا مرضعة، بأخطر الأمراض الحديثة وليدةِ الانحلال الجنسي في ظلّ الحضارة المادية الغربية المعاصرة، أمر لا يستوجب عند المسئولين الأوروبيين ولا مجرد الاستعداد للنظر القضائي، ما إذا كانت المسئولية عن هذه المأساة مسئولية الممرضات الأوروبيات الـ6، والطبيب الفلسطيني الذي أُلحق بهنّ أثناء التعاطي الليبي مع القضية.

فكر المؤامرة على الجبهتين

بداية لا يمكن القول بإمكانية الكشف بصورة قاطعة عن الملابسات التي أحاطت بقضية "حقن وباء نقص المناعة"، منذ بداياتها أواخر عام 1998، حتى نهايتها في تموز / يوليو 2007، ولكن يمكن النظر فيها على ضوء ما صدر عن الأطراف المعنيين بها، للسؤال عن عناصر ترجيح رواية أقرب إلى الصحة من بين العديد من المعلومات المتضاربة المنشورة، ثم السؤال عن العامل السياسي الذي تقدّم على ما سواه في صياغة الحلّ النهائي بعد مفاوضات لم تنقطع بين أوروبا -وليس بلغاريا فقط- وبين ليبيا.

في مقدمة ما يلفت النظر أثر ما يسمّى فكر المؤامرة على التعاطي "الرسمي" وليس التعاطي "القضائي" مع قضية الممرضات البلغاريات، فالجانب الليبي يعلن على أعلى المستويات، أن المخابرات الأمريكية والإسرائيلية كانت من وراء تجنيدهنّ ومن خلالهن تجنيد الطبيب الفلسطيني؛ لتنفيذ العملية بحقن الأطفال عمدًا بفيروسات نقص المناعة، كما ورد على لسان العقيد معمر القذافي خلال مؤتمر "مكافحة الإيدز" في نيجيريا في نيسان / إبريل عام 2001، مهددًا بتحويل القضية إلى محاكمة عالمية كما صُنع مع ضابط الاستخبارات الليبي المقرحي في قضية "لوكربي"، ولكن هذا الاتهام الذي يعني مشاركة المتهمين الـ7 بالتآمر على الأمن الليبي، أسقطته "المحكمة الشعبية الليبية" عنهم يوم 17-2-2002.

وبالمقابل لم تطرح جهة أوروبية القضية إلا من زاوية "الرغبة الليبية" في الانتقام؛ بسبب تعامل الغرب مع قضايا "لوكربي وميكونوس" وسواها، حتى إذا انتهت القضية بحل التعويضات المالية ليتنازل ذوو الضحايا عن الجانب القضائي من حقوقهم، كان المحور الأبرز للعيان في التعليقات الإعلامية الأوروبية، أن العقيد الليبي حقق هدفه، فاستطاع من خلال هذه القضية أن يثبت لشعبه أنه قادر على "تركيع" الغرب، بعد كلّ ما صنع الغرب معه بسبب "دعمه للإرهاب" عالميًّا.

أين الحقيقة؟..

هذه القضية -كقضايا سواها- موضع استغلال سياسي، تزداد بشاعته عند التأمّل فيه بمنظور مأساويتها، ولكن من المستحيل أن تكون مدبَّرة لغاية سياسية ما، ليس بسبب طبيعتها المأساوية فقط، بل لأسباب موضوعية عديدة، منها:

  1. كان مما يلفت النظر أن السلطات الليبية، لم تعطِ اهتمام ًا كافيًا للمعلومات الأولى الواردة في 18/6/1998م عن إصابة طفلين (سندس زكريا وسعيدة سالم)، بل ولم تتحرك النيابة العامة بعد وفاة (محمد غزي) يوم 9/9/1998م أوّل الضحايا الأطفال وشكوى والده إلى النيابة في 30/9/1998م، إنما كان التحرك بالتحقيقات بعد أن وصل العدد الذي كُشف عنه من الإصابات إلى 233 طفلاً، وكان توجيه التهمة إلى الممرضات والطبيب الليبي في آذار / مارس من عام 1999م، أي بعد 9 شهور من أول المؤشرات والمعلومات.
  2. تقارير المتخصصين الأوروبيين التي اعتمدها الدفاع عن المتهمين انطوت على محاولات واضحة لدفع التهمة عنهم، إلا أن فيها نقاط ضعف تثير الانتباه، منها مثلاً تأكيد أن منطلق الدعوى مريض واحد عولج في مستشفى "الفاتح" في بنغازي، حيث انتشرت الإصابات، ولكن لم تقدّم التقارير دليلاً على ذلك، فضلاً عن القول باستحالة تحديد اسم ذلك المصاب، يتفق مع هذه النظرية أن الإصابات وقعت نتيجة نوع واحد من فيروسات الإصابة، ولكن لا يمكن اعتبار ذلك دليلاً على عدم استخدامه عمدًا في نشرها.

ولكن كون القضية غير مختلقة، لا ينفي أن تكون أسباب الإصابات هي الأوضاع المتردية من ناحية الاحتياطات الصحية في المستشفى المعني، كما أنه لا يمكن التسليم -دون تحقيق قويم وحكم قضائي قطعي سليم- بأن المتهمين ارتكبوا الجريمة فعلا ً، فإسقاط "تهمة التآمر الخارجي" يجعل السؤال عن دوافع ارتكاب الجريمة "المشتركة" دون جواب.

لا بد أولاً من استبعاد أسلوب "فكر المؤامرة" عند الطرفين، فمع كلّ ما نعايشه من جرائم ترتكب باسم "حروب وقائية" وما شابهها، أو في شكل "اغتيالات" تحمل المخابرات أو القوات المسلحة الرسمية المسئولية عنها، لا يمكن رؤية سبب موضوعي، حتى بالمنظور الإجرامي؛ لتدبير عملية حقن مئات الأطفال بالفيروس القاتل، وهذا في فترة كانت قد بدأت تشهد بعض المساعي الليبية والغربية للخروج من أزمة العلاقات الثنائية المتدهورة من قبل.

كما تنفي تفاصيل مجرى الحدث المأساوي والكشف عنه أن يكون مدبرًا داخليًّا من أجل عملية انتقام ليبية تجاه الدول الغربية، لا سيما أن استهداف ممرضات من بلغاريا بالذات لا يتفق مع مثل هذه النظرية التآمرية.

والأرجح -دون التهوين من شأن الحدث- أن الإصابات وقعت لأسباب تعود إلى أوضاع صحية متردية، وأن توجيه الاتهام إلى أفراد بعينهم يرتبط بالرغبة في دفع التهمة عن المسئولين عن تلك الأوضاع، ولكن تصعيد القضية في الحسِّ الشعبي الليبي، لا سيما في بنغازي بالذات على ضوء ما يقال عن موقف أهلها السلبي من النظام أصلاً، وكذلك العنصر المأساوي في القضية، لعب هذا وذاك دوره في أن تمتدّ المشكلة لعدة سنوات، قبل البحث عن مخرج يستبعد صيغة "حل وسطي" يستثير المشاعر الشعبية، ويبدو على حساب الأطفال وذويهم، وعلى حساب مكانة القضاة الليبيين أنفسهم، ومع البحث عن "حلّ وسطي" تتحوّل القضية من الميدان الجنائي والقانوني، إلى الميدان السياسي، كما كان في العام الأخير من مجراها.

الطفل الليبي والإنسان الغربي

الاهتمام الرسمي الأوروبي بقضية الممرضات البلغاريات اهتمام "روتيني" بدم بارد إذا صحّ التعبير، فالمنطلق الأول فيه ليس النظر هل ارتُكبت الجريمة أم لم ترتكب، وكيف يكون التعامل مع الضحايا من الأطفال وذويهم، بل هو منطلق تقليدي في مختلف حالات توجيه اتهام إلى "إنسان غربي" في بلد غير غربي، وهو منطلق ثابت الهدف على إخراجه سالمًا وإعادته إلى حظيرة الغرب.

الأسباب التي ينطلق منها الغربيون عديدة، منها المقبول الذي يمكن تعليله بالأوضاع السائدة في البلدان الأخرى المعنية، ومنها ما لا يمكن القبول به ولا تعليله، ولهذا لا يكفي بالمنظور السياسي تقويم الموقف الأوروبي في قضية الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني، بالاعتماد فقط على استبعاد ثبوت التهمة على الرغم من الاعترافات التي صرّح بعضهم بأنها انتزعت منهم تحت التعذيب.

لا يمكن تبرئة التعامل الغربي مع مثل هذه القضايا، والأمثلة عليها كثيرة، فهو يضع مسألة ثبوت الجريمة أو عدم ثبوتها جانبًا، ويركّز الجهد الأكبر على استعادة الشخص المتهم بأي وسيلة ممكنة، ولا تكاد توجد حالة معروفة عن محاسبة لاحقة للمتهمين بعد استعادتهم، ومن المعروف أن المسئولين الغربيين يرفضون تسليم رعاياهم إذا كانوا في أوطانهم الأصلية، إلى أي جهة تحاكمهم على تهمة ما توجه ضدهم، والشاهد الآني كمثال بعض الروس المقيمين في بريطانيا التي ترفض تسليمهم لروسيا جنب ًا إلى جنب مع المطالبة بتسليم أحد الرعايا الروس المتهمين بارتكاب جريمة، ففي مثل هذه الحالة المعاكسة يمارس الغربيون أقصى درجات الضغوط؛ إذ يعتبرون أن محاكمة الآخرين أمام القضاء الغربي هي -وحدها- الوضع البديهي في التعامل الدولي.

الأسباب -كما سبقت الإشارة- عديدة وبعضها مرفوض من حيث الأساس، ومنها:

  1. الدول الغربية تزعم لنفسها بأسلوب احتكاري أن القضاء لديها مستقل، وأن أنظمة العقوبات لديها "إنسانية"، ومع صحة ذلك جزئيًّا على الأقل، يبقى أن عوامل عديدة تضعف هذه الميزة الكبرى للنظام الديمقراطي الغربي، ومن ذلك العامل العنصري الذي يميّز بين إنسان وإنسان، والعامل المادي الذي يجعل استخلاص الحقوق مقيّدًا بقوة المال.
  2. الدول النامية تعطي للأسف شواهد لا تنقطع على أن القضاء فيها يخضع للسلطة التنفيذية الحاكمة حكمًا استبداديًّا في غالب الأحوال، ومع أن هذا لا ينفي وجود قضاة مستقلين يتحدّون تلك السلطات -والشواهد على ذلك معروفة- إلا أن الحصيلة تبقى في نظر الرأي العام الغربي وفي البلدان النامية ومنها العربية والإسلامية، حصيلة سلبية على حساب ما ينبغي ضمانه من حيث حرية القضاء واستقلاله ونزاهته.
  3. لا تنطلق الدول الغربية فيما تطرحه من حلول وسطية لقضايا من قبيل الممرضات البلغاريات، من الاستعداد للاحتكام إلى تحقيقات نيابية وهيئة قضائية نزيهة، يجري تشكيلها ثنائيًّا أو دوليًّا على سبيل المثال، بل تنطلق من مركزها العالمي، أي من عنصر القوة والعمل على فرض ما تريد بوسائل الضغوط والإكراه والتهديد باستخدام القوة، الاقتصادية حصارًا ومقاطعة، وحتى العسكرية في بعض الحالات.

فيروسات سياسية واقتصادية

الاهتمام بالإنسان الغربي عندما يكون ملاحقًا أو متهمًا في بلد غير غربي، لا ينفي وجود العديد من الدوافع الاقتصادية والسياسية في التعامل مع قضية مثل قضية الممرضات البلغاريات والإصابات الليبية، بل يمكن الجزم أن تلك الدوافع ساهمت على الأقل في التعجيل بإنهاء القضية عن طريق حل ينطوي على دفع تعويضات مالية، على الرغم من محاولة التمويه على ذلك من الناحية الرسمية، وهي محاولة ضعيفة أو شبه مكشوفة، ربما عمدًا؛ إذ تجمع بين عنصرين، أحدهما الرغبة في عدم ظهور الدول الغربية في موقع الخضوع لما تعتبره "ابتزازًا"، والأمر الثاني الرغبة في تثبيت "ممارسة الابتزاز" على الطرف الآخر.

من تلك الدوافع بإيجاز شديد:

  1. ازداد ظهور التأثير الليبي في القارة الإفريقية بوضوح، وتزامن ذلك مع ازدياد الاهتمام الغربي بالقارة، إلى درجة تنذر بتصعيد صراع نفوذ جديد على ساحتها.
  2. لم تَعُد تخفى المخططات الآنية الجاري تنفيذها تجاه السودان عبر ثغرة دارفور، وتجاه الصومال، ثم ما يمكن وصفه بتضييق حلقة الحصار حول مصر على صعيد الماء جنوبًا والأمن شرقًا، ويمكن أن ينطلق الساسة الغربيون من قابلية أن يكون لليبيا دور خاص على هذه الأصعدة، فيفيد التعجيل بتوثيق العلاقات التي بدأت تنشط من جديد في أعقاب ما شاع وصفه بسياسة الانبطاح الليبي في قضية البرامج النووية، ومن قبل في التعامل مع قضية "لوكربي".
  3. تزداد حاجة أوروبا خصوصًا إلى سياسات جديدة على صعيد الطاقة، من أهم محاورها العمل على تعدّد مصادر استيراد النفط الخام والغاز الطبيعي، بعد نقل محور ثقلها سابقًا إلى الاتحاد الروسي، وتعتبر ليبيا القريبة جغرافيًّا مستهدفة أكثر من سواها بجهود تنويع مصادر الطاقة.

هذه العوامل وأمثالها لم تدفع الأوروبيين إلى القبول بحل وسطي يبدو في صالح ليبيا نسبيًّا فحسب، بل جعلتهم أيضًا يظهرون في خاتمة المفاوضات في موقع التسابق على إظهار الاهتمام بليبيا، وهذا ما سبَّب انزعاجًا أوروبيًّا من الرئيس الفرنسي ساركوزي تخصيصًا؛ إذ كانت فرنسا أقل حضورًا من سواها -كألمانيا وبريطانيا والمفوضية الأوروبية- أثناء المفاوضات في السنوات الماضية، ثم ظهر ساركوزي في موقع من يريد "قطف الثمرة" ومشاركة زوجه فيها أيضًا، ولكن لا يصح تفسير ذلك فقط بطموح ذاتي بعد الوصول إلى منصب الرئاسة، و"هدية أسرية" ليكون للسيدة الفرنسية الأولى دور لافت للنظر، إنما هو سباق مدروس ومقصود في حلبة المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية، وهذا ما ينعكس فيما حمله في جعبته من مواضيع للبحث مع المسئولين في ليبيا، قبل أن يغادرها ليقوم بجولته المخطط لها من قبل في عدة بلدان إفريقية.


كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات