English

 

الثلاثاء. يونيو. 26, 2001

ثقافة وفن » أوتار وأنغام

 
   
روابط من إسلام أون لاين

الموسيقى في العصور الوسطى.." التكوين"

يبدأ تاريخ الموسيقى الدنيوية في أوروبا في العصر الوسيط، في القرن التاسع؛ ذلك لأن فن الموسيقى ظل خلال ثلاثة قرون حكرًا على الأديرة في فرنسا وألمانيا وإيطاليا، ففيها كان الرهبان ورؤساء الأديرة يجرون التجارب ويقومون بإجراء الأبحاث ويُعلمون الموسيقى غناء وعزفًا، وينسخون الأناشيد الكنسية وخاصة "الجريجوريانيه" التي ظلت ترتقي وتزدهر طوال خمسة قرون حتى أصبحت تجمع كل ما اتصف بالرصانة وجمال التعبير في أفكار العصر الوسيط الموسيقية.

ويضم تراث الأناشيد "الجريجو ريانية" عددًا كبيرًا من الألحان تعتمد كلها على أداء الصوت الواحد أي بدون هارمونية أو آلات مصاحبة؛ لذلك كان الاهتمام في صناعتها يتركز على تكوين اللحن والصلة بينه وبين الكلمات، ولكنها جميعًا تتصف بالهدوء الوقور والرقة والبساطة الفنية وسهولة الأداء. إلا أن هذه الألحان في تصميمها ليست بالبساطة التي تبدو بها، ففيها فن إنشائي عظيم وعلى جانب كبير من الإتقان يعبر عن فحواها الروحي تعبيرًا عميقًا ولكن على أبسط أسس ممكنة.

ويضم تراث الأناشيد الجريجورية حصيلة التراثين اللاتيني والشرقي البيزنطي معًا، وبهما بلغ الغناء الديني قمة من الكمال لم يكن في الإمكان الذهاب أبعد منها في ذلك العصر.

العصر القوطي

وظهرت بعد ذلك اتجاهات جديدة في الفن والفكر، أصبحت تعرف باسم "المذهب القوطي" ويناظره في الموسيقى ظهور "البوليفونيه" أي تعدد الألحان التي تسمع في آنٍ واحد، وهو فصل من أهم فصول الموسيقى العالمية.

كان ذلك حوالي عام 1000 عندما ظهرت البوليفونية في شكلها البدائي الأول إلا أنها فتحت أمام فن التأليف آفاقًا جديدة ما زالت بالغة الأثر إلى يومنا هذا، وكان منبعها الكنيسة الكاثوليكية والقوى الروحية التي كانت قائمة في الفترة ما بين 1100 و 1400م.

في ذلك العصر كانت العلوم والمعارف تضع الحساب والهندسة والفلك والموسيقى ضمن علوم الرياضة، وبالرغم من أن الصلة الوثيقة بين الموسيقى والرياضة لا تبدو ظاهرة في العادة فإنها تتكشف عند دراسة علم السمعيات "اكوستيك".

وفي القرنين الثاني والثالث عشر تمكنت المدرسة الباريسية من إبداع الموتيت"motet" الفرنسي بشكله القوطي الذي تعتمد فكرته على ابتكار لَحْنَين مختلفين لكل منهما مسار مختلف تمامًا عن الآخر، ولكنهما يتحركان على أساس لحني ثالث ثابت.

وسمي هذا الأسلوب "كانتوس فيرموس" وكان من الواجب أن يتبع أحد أوزان عروض الشعر الكلاسيكي القديم.

كانت هذه مرحلة من مراحل تطور علم البوليفوني، وعلى الرغم مما فيها من جرأة وغرابة فإنها افتقرت إلى النضج في نواحي تقنية الصنعة نفسها.

غير أنها كانت محاولة للجمع بين صرامة الألحان الكنسية القديمة وعناصر لحنية مستمدة من سحر أغاني عهد الفروسية العاطفية.

فن الدولة

أيضا حوالي سنة 1200 ظهر النوع الذي لم ينشأ في الأديرة ولم ترعه الكنيسة، وهو أغاني "التروبادور" المطربين الشعبيين، ويقال أيضا: إنهم من تلاميذ مدرسة زرياب التي تأسست مع الحكم العربي الأندلسي، والتي تعلم فيها الموسيقى والغناء الطلبة من جميع أنحاء أوروبا ومن مختلف طبقات مجتمعاتها بعيدين عن احتكار الدين لهذا الفن.

وانتشر التروبادور في أنحاء فرنسا وألمانيا وإيطاليا وصادفوا ترحيبًا كبيرًا عند طبقة النبلاء المولعين بالفنون الرفيعة والترفيه عن أنفسهم، فهم يمثلون السلطة الدنيوية وجلال البلاط الإمبراطوري.

وتاريخ هذا العصر مليء بالصراعات بين البابا والإمبراطور، فكما كان للكنيسة شعرها وألحانها قامت الدولة بإنتاج شعرها وموسيقاها التروبادورية واعتبرتها الكنيسة شيئًا مبتذلا غير جدير بالبقاء لا ترغب في تشجيعه أو نشره في مراكز العلم والمعرفة "الأديرة".

وقد أدى الصراع بين السلطتين البابوية والإمبراطورية إلى انفصال عدد كبير من الفرسان عن الكنيسة، واتجهوا إلى تحوير أسلوب الغناء الشعبي إلى ما يتناسب مع أذواقهم المصقولة، واستمر هذا الاستقلال عن الكنيسة ما بين سنة 1200 وسنة 1400.

وبرزت أسماء كثير من الفرسان والنبلاء الذين كانوا شعراء وموسيقيين في نفس الوقت بفضل ما كانوا يتغنون به من ألحان الحب الشاعرية ومن قصص الفروسية والشجاعة.

وكذلك كانت أغاني التروبادور تدور معانيها الشاعرية حول الغزل وحب الفارس الشاب، وهكذا ظهرت المرأة في الأغاني والموسيقى لأول مرة منذ العصور القديمة.

وهكذا أصبح للفن الدنيوي مكان، وصار له قوة يحسب حسابها.

من جهة أخرى لم يقف الغناء الدنيوي عند الغناء الفردي الذي تصحبه آلة موسيقية، بل تكيف تدريجيًا مع البوليفونية التي كانت مقصورة حتى ذلك الوقت على ألحان الكنيسة.

وقد ترتب على سرعة نمو الحضارة في المدن الإيطالية ازدياد الطلب على هذا النوع من الموسيقى؛ لأنه يصلح للترفيه عن الشعب وإشباع رغبات المولعين بالفن.

الغناء بين الروحي والدنيوي

ظل الغناء الدنيوي يتجدد حتى ظهرت أولى محاولات "المارديجال" وهو نوع من الغناء تتخلله فواصل ورقصات وغناء جماعي، أي أنه كان بمثابة البذرة الأولى لفن الأوبرا، وبطبيعة الحال لم تعد المصاحبة الموسيقية مقصورة على آلة واحدة، بل تعددت وتنوعت بين آلات وتريه وأخرى خشبية أو نحاسية.

وانتقل المادريجال من إيطاليا إلى فرنسا وهولندا ثم إنجلترا، وفي كل بلد كان الفنانون يضيفون ويجددون في هذا الفن المسرحي الذي طغى على الغناء الديني إلى حد جعل البابا يوحنا الثاني والعشرين حوالي سنة 1324 يصدر قرارًا بمنع الغناء البوليفوني في الكنيسة لما فيه من تركيبات صعبة وأساليب مصطنعة نفر الناس منها وبالتالي بعدوا عن الكنيسة.

ولم ينقذ الغناء الديني من تدهوره إلا ظهور المدرسة الفلمنكية التي ظهرت في الشمال، والتي كانت تتميز موسيقاها بالبساطة الشديدة في الكتابة البوليفونية وتفوق التآلفات الصوتية على التنافرات والتعقيدات في أسلوب الموتيت الفرنسي العتيق.

ولما ذاع صيت الموسيقى الفلمنكية في جميع أنحاء أوروبا في القرن الخامس عشر اتجهت الكنيسة للحصول على موسيقيين ومؤلفين مهرة يستطيعون تجديد ثوب الغناء الديني ومن بين هؤلاء نذكر:

جوسكان دي بريه 1521-1450

أدريان فيلارت 1562-1490

ولقد تتلمذ على هؤلاء المؤلفين الفلمنكيين جيل من المؤلفين الإيطاليين الذين عملوا على تأكيد طابعهم القومي والتخلص من تأثير الفن الفلمنكي الذي مثل بوجه عام روح العصر القوطي.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم