|
في منتصف القرن الثامن عشر ازدادت في أوروبا أهمية الطبقة الوسطى "البورجوازية"، وازدادت معها حاجة تلك الطبقة للاستمتاع بالموسيقى والغناء خارج الكنيسة، وبعيدًا عن قصور الملوك والأمراء التي لم يكن من السهل على الطبقات الصاعدة الوصول إليها، ومشاركة السادة النبلاء في مجتمعهم وحفلاتهم.
هذا التحول الاجتماعي الكبير أفسح المجال لاتجاهات جديدة في التأليف الموسيقي يعكس الأحداث الاجتماعية؛ حيث اتجه تفكير مؤلفي الموسيقى نحو إيجاد ألوان وأساليب تناسب درجة ثقافة الطبقة الوسطى التي لم تكن تستطيع استساغة وتذوق التركيبات الموسيقية المعقدة التي سادت العصر الباروكي.
وبدأ الاتجاه الجديد في الكتابة الموسيقية يظهر تدريجيًا في صورة زخارف لحنية منمقة وفي رقة الخطوط اللحنية، واتسم هذا الاتجاه الجديد بالرشاقة في التعبير حتى عُرف في عالم الموسيقى "بالأسلوب المتأنق".
وبوجه عام، فإن المؤلفات الموسيقية التي تم كتابتها بعد عام 1750 هي مؤلفات الفترة الانتقالية بين العصر الباروكي والعصر الكلاسيكي، والتي أطلق عليها اسم: "أسلوب الروكوكو" نسبة إلى أشغال الإبرة والتطريز التي كانت شائعة في ذلك الوقت، والتي كانت تتميز بالزخارف والحليات الكثيرة وبالمبالغة في تنميقها.
ومن العوامل التي كان لها دور في ترسيخ الاتجاه الجديد وانتشاره في مختلف أنحاء أوروبا هو بلوغ صناعة آلة البيانو درجة الكمال، وهو ما أثار اهتمام المؤلفين ودفعهم إلى إبراز إمكانيات تلك الآلة اللانهائية في مؤلفاتهم.
البداية
|
|
فرقة موسيقية تقوم بالتدريب
|
ومنذ بداية العصر الكلاسيكي تركز اهتمام المؤلفين على قالب "السوناتا" التي استطاعت أن تزحزح "الفوجة" عن عرشها التقليدي في العصر الباروكي، وأصبحت "السوناتا" هي القالب الأساسي في العصر الكلاسيكي كله، حتى قيل عنه "عصر السوناتا".
ولم يقتصر اهتمام مؤلفي العصر الكلاسيكي على الكتابة للبيانو، بل كتبوا الكثير من المؤلفات للفرق الموسيقية والأوركسترا على الرغم من أن هذه المجاميع من العازفين كانت في ذلك العصر ملحقة بقصور النبلاء، ينفقون عليها من مالهم الخاص، ويتباهون فيما بينهم بكثرة عدد العازفين واكتمال نوعياتهم، ويفاخرون بإلحاق هذا وذاك من كبار المؤلفين في خدمتهم.
ولقد تم كتابة معظم مؤلفات ذلك العصر في مناسبات الاحتفالات الخاصة بهؤلاء الأمراء، كأعياد ميلادهم أو زواجهم أو الاستقبالات التي كانوا يقيمونها للمرح واللهو.
الشكل الأخير للأوركسترا
في هذه الفترة أيضًا ظهرت العصا في يد قائد الأوركسترا، وتم إرساء أصول الحركات والإشارات التي يؤيدها القائد لإرشاد العازفين إلى ما يتطلبه الأداء من وسائل التعبير.
في هذا العصر أيضًا ساعد تقدم الصناعة على تطوير الآلات الموسيقية الخشبية والنحاسية حتى استقرت على أشكالها المعروفة حاليًا، وكذلك تحدد تقريبًا عدد العازفين ونوعيات الآلات التي يتكون منها الأوركسترا السيمفوني.
ولم تتخذ السيمفونية شكلها التقليدي إلا في أواسط العصر الكلاسيكي، فقبل ذلك كان اسم سيمفونية يُطلق على أي عمل مكتوب للأوركسترا بدون الالتزام بقالب "السوناتا" أو غيره.
وكلمة "سيمفونية" يونانية الأصل، معناها "تآلف الأصوات"، وهي الاسم الذي يطلق على "السوناتا" المكتوبة للأوركسترا الكاملة التكوين، أي التي يحل فيها أداء الجماعة محل الأداء الفردي.
والسيمفونية هي قمة التعبير الموسيقي الذي يرتفع فيه مستوى التعبير إلى مستوى فلسفي، يعتمد على تجسيد أصوات الآلات الموسيقية المختلفة، وإعطائها شخصيات وأدوارًا كأنها تؤدي حوار الممثلين في مسرحية.
وكلمة "كلاسيكي" منسوبة إلى كلمة "Class" أي فصل مدرسي، ولقد أطلق اسم الموسيقى الكلاسيكية على مؤلفات ذلك العصر؛ لأنها أصبحت أساس تعليم العزف والتعبير والعلوم الموسيقية بوجه عام لما بلغته من درجات الكمال والجمال.
وقد كانت "فيينا" هي مركز الإشعاع الفني طوال العصر الكلاسيكي.
وفي النمسا لم يكن الأمر مقصورًا على قيام البلاط الإمبراطوري بمناصرة الفن والفنانين عامة، فقد كانت هناك أوركسترات خاصة في قصور الأمراء والنبلاء والعائلات الأرستقراطية وذوي الجاه من الأثرياء، ولقد كان لبعض منها دور للأوبرا داخل قصورها، ولم يكن مستغربًا أن يجيد كل رئيس خدم أو حتى بعض الخدم العاديين العزف على آلة من آلات الأوركسترا.
ولقد أدت عدة عوامل مجتمعة، مثل: وفرة المواهب الموسيقية، وافتتان الطبقات العليا من المجتمع النمساوي وتحمسها للموسيقى مع ثراء الأمراء الطائل - إلى توطيد أركان الفنون الموسيقية وزيادة فهمها والبراعة في عزفها.
ومن خصائص العصر الكلاسيكي في التأليف الموسيقي الالتزام الصارم بتكوين القالب، وهو ما كان يقيد انطلاق المؤلف في حرية التعبير، بل يلزمه بالموضوعية المطلقة والسيطرة الكاملة على انفعالاته النفسية.
وأهم قطبين في موسيقى العصر الكلاسيكي هما:
1 - فرانز جوزيف هايدن 1732-1809.
2 - ولفجانج أماديوس موتسارت 1756-1791.
فرانز جوزيف هايدن:
وُلد في النمسا من عائلة متوسطة الحال، وظهرت عليه ميوله الموسيقية مبكرًا، وهو ما لفت نظر أحد أقاربه حضر لزيارة عائلته من مدينة مجاورة، فاصطحب الطفل معه ليتعلم العزف على آلة "الفولينة"، ويتدرب على الغناء في فرقة كورال الكنيسة هناك.
ومكث الطفل هايدن في مدينة "هاينبورج" حتى صقلت موهبته، ثم تصادف مرور رئيس فرقة كورال كاتدرائية فيينا من تلك المدينة؛ فأعجب به، واستدعاه للعمل معه في فيينا، حيث استكمل تعلم العزف والغناء حتى بلغ سن الرشد، فاخشن صوته وتفرغ للتأليف معتمدًا على مورده من بعض الدروس الخصوصية.
ولما كان المؤلفون في ذلك العصر يعتمدون في معيشتهم على رعاية الأمراء والنبلاء لهم، فقد التحق هايدن بخدمة بعض النبلاء، وعمل تارة قائدًا لأوركسترا بلاط أحدهم، وتارة مديرًا للموسيقى في بلاط الآخر، وكانت شهرته كمؤلف تزداد يومًا بعد يوم إلا أنه أسرع أو تسرع في هذه الفترة بالزواج من ابنة أحد صناع الباروكات، وندم على ذلك كثيرًا، فقد كانت سليطة اللسان.
ثم انتقل هايدن بعد ذلك إلى خدمة الأمير "إستر هازي"؛ حيث كان عليه أن يقود أوركسترا البلاط ليس فقط في الحفلات الرسمية والمناسبات بل وفي الكنيسة والأوبرا الخاصة، كما كان عليه أن يدرِّب أصوات فريق الكورال والمغنيين المنفردين، وهكذا أتيحت له فرصة عزف مؤلفاته بمجرد الانتهاء من كتابتها، فاكتسب خبرة كبيرة حتى أنه عندما بلغ الأربعين كان قد اشتهر في معظم عواصم أوروبا.
ولما توفي الأمير "إستر هازي" جاءته عروض مغرية للعمل في لندن، فقبلها، وتم استقباله هناك استقبالاً رائعًا من الجماهير والنقاد على السواء، ثم أحب أرملة إنجليزية جميلة، ولولا ابنة صانع الباروكات لتزوجها.
وتكررت زياراته للندن، وكان في كل مرة يكتب سيموفنيات جديدة ليقدمها في لندن للمرة الأولى مع مؤلفاته الأخرى.
وعلى الرغم من احتلال نابليون لفيينا، وعلى الرغم من إصابته بأمراض الشيخوخة، فقد استمر "هايدن" يكتب ويعزف حتى مات.
موتسارت الطفل المعجزة:
ولد في سالزبورج بالنمسا وكان والده مؤلفًا موسيقيًا وعازفًا ماهرًا فتنبه إلى ما ظهر على الطفل من معالم الموهبة الكبيرة فأخذ يعلمه العزف، وفي السادسة بدأ الطفل يكتب أعمالاً صغيرة كان يعزفها في الحفلات التي يصطحبه والده إليها حتى لُقب "بالطفل المعجزة"، وذاعت شهرته في النمسا وخارجها.
ولما بلغ الثامنة اصطحبه والده في رحلة فنية إلى فيينا وميونيخ وباريس ولندن؛ حيث لاقى نجاحًا منقطع النظير واستقبله الملوك والأمراء بإعجاب بالغ، واستمرت هذه الرحلات الفنية إلى عواصم أوروبا حتى بلغ الثانية والعشرين، وتُوفيت والدته بينما كانت تصاحبه في رحلة إلى باريس؛ فحزن حزنًا شديدًا.
وعاد إلى النمسا واستقر في مدينة سالزبورج؛ حيث عمل في بلاط أحد الأساقفة الأثرياء، وكانت تقاليد ذلك العصر تضع الموسيقيين في مرتبة الخدم، وكان على الشاب موتسارت أن يأكل معهم وعلى مائدتهم بعد أن كان في حداثته يعزف في بلاطات الملوك والأمراء ويتلقى منهم المنح والهدايا.
وكان يحز في نفسه كثيرًا سوء معاملة الأسقف له، بينما يطلب منه أن يبدع في الحفلات ويتلألأ، وانتهى الأمر بأن طرده من خدمته إلا أن مؤلفاته وخاصة الأوبرات التي كتبها كانت قد عادت عليه بالشهرة وبعطف القيصر وكثير من النبلاء.
في هذا الوقت تقريبًا تعرف موتسارت على هايدن واستفاد كثيرًا من خبرته، خاصة في بلورة قالب "السوناتا" و"السيمفونية"؛ لأنه كان سابقًا عليه بحوالي 25 سنة.
وشهد هايدن بعبقرية موتسارت وأعلن لوالده أنه لم يعرف في حياته مؤلفًا موهوبًا مثله.
وتزوج موتسارت من سيدة عطوفة وموسيقية إلا أن نفقاتها المتزايدة كانت تخلق له المتاعب وتذيقه مرارة الحياة.. وفي سن الخامسة والثلاثين أصيب موتسارت بمرض "التيفود" ومات.
|