|
|
| مدينة فاس .. تبدو منسجمة بتراثها مع موسيقى العالم الروحانية
|
وسط ضجيج عالمنا.. وخروجا من مستنقع الصراع الدائر هنا وهناك تحتضن مدينة فاس مهرجانا للموسيقى الروحية العالمية العريقة، بما بات تقليدًّا سنويًّا ضروريًّا لا تحيد عنه جمعية "فاس سايس" النواة المنظمة للمهرجان سعيًا منها للرقي بالروح الإنسانية إلى مدارج الصفاء والنقاء.
ومهرجان فاس يعمل في دورته الثامنة لهذه السنة -كما عمل في دوراته السابقة- على عرض وإثراء الثقافة الموسيقية العالمية العريقة، إضافة إلى كونه يهدف إلى تدوين هذا الموروث الشفوي الإنساني.
وليس غريبًا على مدينة فاس، العاصمة العلمية والدينية للمملكة المغربية، أن تحمل على عاتقها مسؤولية التذكير والحفاظ على التراث الموسيقى الإنساني العريق، فهي المدينة المغربية التراثية بامتياز، حيث لا زالت تحافظ على طابعها التقليدي الصامد المتمثل في قصورها وأسوارها وأسواقها وحواريها وبيوتها بل وحتى منتوجها المحلي، فاليوم وفي الوقت الذي يزداد فيه القلق والتشنج من مظاهر العولمة، ويحتد فيه النقاش الاقتصادي والسياسي والأيديولوجي مع مطلع الألفية الثالثة، يعمل مهرجان فاس على تقوية الحوار لإبراز القيم الروحية وتسليط الأضواء عليه وإعادته إلى الواجهة.
في هذا الإطار تأتي مشاركة فرق موسيقية من مختلف دول العالم منها: أيرلندا - فرنسا - أمريكا - البرتغال - السويد - سوريا - لبنان - أفغانستان - الشيشان - موريتانيا - بلغاريا - تركيا والمغرب.
الطوائف الصوفية.. فنون السماع
|
واش قلي مني
|
أنا ملي فياش
|
|
والخالق يرزقني
|
نقلق من رزقي حاش
|
|
يكاد الرضيع لها يشيب
|
وكم ليلة بت في كربة
|
|
من الله نصر وفتح قريب
|
فما أصبح الصبح حتى أتى
|
|
فهو المعطي المانع
|
يا قلبي ثق بالله
|
|
إنك له راجع
|
وارض بقضاء الله
|
|
الخير في الواقع
|
م دام في علم الله
|
|
أين تدبيرك تعنى
|
تدبيرك ما يسواش
|
|
|
الزوايا والأضرحة التي تنتشر بفاس عكست حضورا قويا للطوائف الصوفية
|
هذه بعض أبيات قصائد "الفياشية" وهي تأتي مع قصيدتي "البردة" و"الهمزية" من قصائد في مدح الرسول -عليه الصلاة والسلام- ضمن ما قدمته فرقة "أهل فاس للمديح والسماع" في مهرجان فاس للموسيقى العريقة بفضاء باب بوجلود من أناشيد وموسيقى صوفية تذكر بماضٍ أندلسي عريق.
كما كان لجمهور مهرجان فاس موعد بفضاء متحف البطحاء مع فن الطرب الأندلسي والفنان سعد تمسماني المنتمي للزاوية الكتانية بمدينة طنجة.. وحتى ينجح المداح في تبليغ رسالته وكسب سامعيه لا بد أن تتوفر فيه شروط يعينها أحد المداحين المشاركين بالمهرجان:
* أن يمتاز المداح بالصوت الحسن.
* أن يتقن مخارج الحروف.
* أن يكون مدحه نابعا من القلب.
ومن الطوائف الصوفية المغربية المشاركة أيضا بالمهرجان نجد الطائفة اليسارية المنتسبة إلى الشيخ الهادي بن عيسى الذي يوجد ضريحه بمدينة مكناس، ففي الهواء الطلق وبفضاء مدينة وليلي الأثرية، أحيت هذه الطائفة حفلا دينيا تخللته رقصات لأعضاء الطائفة والتي تعتمد القفز الخفيف المائل إلى الأمام والإيماءات بالرأس لترتفع سرعة الحركات كلما ارتفع إيقاع العزف الذي يعتمد آلاف تقليدية "كالبندير" أي الدف و"النفار" ويعني آل نفير كبرى.
الفرق الأجنبية.. موزاييك الروحانيات
مدينة فاس التي احتضنت عبر التاريخ حضارات مختلفة، فتحت في هذا المهرجان ذراعيها لثقافات مختلفة عبر مشاركة فرق أجنبية لتقريب الرؤى وتكسير الحواجز، وهكذا تعاقبت على أخشاب "باب المكينة" و"متحف البطحاء" فرق أجنبية منها:
الفرقة التركية بقيادة Kudsi Erguner فعلى إيقاع نغمات هادئة، وفي رحاب الكلمة الصوفية، افتتحت المجموعة التركية للأناشيد الصوفية مهرجان فاس للموسيقى العريقة... نغمات تركية أبحرت بالجمهور في أعماق التراث الإسلامي العثماني، الفرقة التركية بقيادة العازف Kudsi Erguner -الذي شرب الفن من والده- قدمت طائفة من الأناشيد الدينية إحياء لذكرى الشيخ جلال الدين الرومي واعتمادها نصوصا مستوحاة من التراث الموسيقي للقرنين 17، 18.
|
|
مغنيات فرقة أنونا الأيرلندية أدين بدون مكبرات
|
أما فرقة "ANVNa" "أنونا" الأيرلندية فبعد مشاركتها سنة 1998 تشارك مرة أخرى في الدورة الثامنة لمهرجان فاس للموسيقى العريقة، وهي فرقة قادمة من بلفاست BELFASTE الأيرلندية لتطرب جمهور فاس بأغانٍ عريقة موغلة في القدم تعود إلى مئات السنين للتغني بالسلم والجمال المستوحى من الطبيعة الخلابة الأيرلندية وأراضيها الشاسعة، واسم "أنونا" مشتق من كلمة "أوشن" UAITHNE التي تختصر الأنواع الثلاث الموسيقية الأيرلندية، وقد تخصصت الفرقة في التنقيب على قصائد شعرية تؤرخ لأبهى مراحل الحضارة الأيرلندية.. والمجموعة عادة ما تعتمد الموسيقى الهادئة فأنامل أفرادها ينتجون نغمات تحاول محاكاة الطبيعة والإنسان في عمقه الروحي، وتُعطى الأولوية لنغمات الناي التي تحتكر الفضاء وتغطي على باقي الآلات الموسيقية الأخرى، وقد حافظت فرقة "أنونا" على عراقة التاريخ من خلال اعتمادها على طبقات الصوت، وحناجر المغنيات اللواتي لم يعتمدن مكبرات الصوت في أداءهن للعرض.
"فريدة مهواش" ومجموعة كابول/أفغانستان، وهي تتكون من المنشد والمغني الأفغاني حسين أرمن الذي دفعته الأوضاع السيئة ببلده إلى الهجرة قبل سنوات مع حفاظه على الفن والموسيقي الأفغاني، وتُعرف الموسيقى الأفغانية بتنوع ألوانها الراجع إلى تنوع قبائلها وأجناسها، وهو ما تمثله مجموعة كابول حيث تأخذ من مزار الشريف بشمال البلاد أنغاما، ومن سلالات الطاجيك وفن حبراة القريبة من إيران، ومن "جلال آباد" أنغاما من الأعياد الصاخبة، ومن كابول العاصمة إيقاعات شعبية.. ومما يميز مجموعة كابول أنها تغني بالباشتونية والطاجيكية والفارسية، وإيقاعات عازفيها على الطبلة، حيث تكون نبراتهم المختلفة بالشعبية والروحية وغير الروحية جوا من التأمل في معاني الحياة وعلاقة الإنسان بخالقه.
|
|
منشدات أزناش نقلن التراث الموسيقي الشيشاني
|
بينما تتكون فرقة AZNACH "أزناش" الشيشانية من خمس نساء عازفات ومنشدات، تأسست سنة 1995. تأخذ مجموعة "أزناش" النسوية على عاتقها الحفاظ والتعريف بالموسيقى الشيشانية مستخدمة من القصائد الدينية والشعبية المستوحاة من التراث العربي التي تعد مادتها الأساسية في الإنشاد. وقد تفوق بعض أبياتها القصائد المغناة من طرف المجموعة ألف بيت، وقد تمكنت المجموعة أثناء عرضها بفضاء "متحف البطحاء" من تقريب الحاضرين بثقافة الشعب الشيشاني.
ومن النجوم العرب الذين حضروا المهرجان وشارك الفنان اللبناني وديع الصافي الذي لم تخل سنواته الثمانون من التواصل الوجداني مع جمهور "باب المكينة" عبر أغانٍ ومواويل دينية أنتجها خصيصا لهذه المناسبة، كما حضر مهرجان فاس المطرب السوري "صباح فخري" الذي تميز في مشواره الفني بقصائد الموشحات الدينية.
الموسيقى.. لغة تفرض نفسها
"أعتقد أن لغة الحوار الموسيقي الراقي الذي يخاطب الروح هي اليوم تفرض نفسها أكثر من أي وقت مضى، فاللغة الموسيقية هي لغة إنسانية بامتياز، خاصة إذا كانت هذه الموسيقى ترتكز على النمط الروحي، فهي تبحث عن كل ما هو فريد في الإنسان، ويساعد على تقارب المجموعات البشرية للوصول إلى الله".
هذا ما قاله السيد "أحمد بلحاج" أحد المتتبعين لمهرجان فاس السنوي، ويضيف متحدثا عن المدينة: مدينة فاس هي مدينة تفوح بعبق التاريخ الإسلامي، حيث إن الأماكن داخل فاس العتيقة لها قداستها وروحانيتها، ففي كل درب من الدروب يصادفك مسجد أو زاوية من الزوايا أو ضريح من الأضرحة يحيلك على طرق صوفية تحمل في طياتها كلمة التوحيد والخضوع لله.
ويقول السيد إبراهيم فدادي أستاذ بجامعة الحسن الثاني: استقطبت مدينة فاس منذ القدم وعلى مر الدول الحاكمة، علماء ومتصوفة من بلاد المشرق وبلاد الأندلس تاركين بصمات واضحة في العادات والتقاليد.. ولعل تعدد الزوايا بالمغرب من قادرية وشاذلية وعراقية وغيرها شاهد على هذا النموذج الحضاري الذي شهدته الحقب التاريخية، وقد عُرف عن هذه الزوايا تنظيمها لحلقات ذكر يناجون فيها الله -عز وجل- ويتغنون بمدح الحبيب المصطفى -عليه السلام- تطورت اليوم لفن المديح والسماع.
أما الدكتور سعد الدين العثماني أستاذ في علم النفس فيقول: "الظاهرة العالمية اليوم هي الأغنية الدينية التي أصبحت تفرض ذاتها في خضم الحياة المعاصرة التي يحكمها الصراع المادي والتي انتفى فيها كل ما من شأنه أن يغذي الروح... والجمهور اليوم يقبل على الأغنية الدينية أكثر من أي وقت مضى لأنه متعطش لشيء اسمه السلام وصفاء الروح والذات.. فالأغنية الدينية تضع الإنسان في موقعه الحقيقي .
انفتح عالميا.. والآن محليًّا!!
أمر جديد تميزت به الدورة الثامنة لمهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة، وذلك بفتحها فضاءات جديدة مجانية خصصت لأبناء مدينة فاس الذين حرموا طيلة الدورات السبع السابقة من الاستمتاع ببعض فقرات مهرجان فاس.
للإشارة فالمهرجان في عمقه يتوجه إلى الطبقة الراقية وإلى النخبة، إذ إن قيمة التذكرة تتراوح ما بين 20 و50 دولارا، وقد يرتفع ثمن التذكرة حسب المجموعة أو المغني المستضاف، الأمر الذي يتعذر على معظم المواطنين المغاربة، ويكون فقط في متناول الأجانب الذين يحضرون خصيصا وبكثافة لمهرجان فاس.
وعن التقليد الجديد الذي اتخذه منظمو الدورة الثامنة يقول محمد العلمي مساعد المدير العام للمهرجان مساعد المدير العام للمهرجان: بالفعل انتبهنا هذه السنة لضرورة توفير فضاء مجاني خاص بأبناء مدينة فاس حتى يستمتعوا هم كذلك بفعاليات مهرجان فاس، والغريب في الأمر مدى تجاوب الجماهير الشعبية مع هذه الأنواع من الموسيقى التراثية، إذ يفوق عدد المتفرجين بفضاء باب بوجلود الستة آلاف متفرج، وهذا من شأنه أن يحفزنا نحن المنظمون للتفكير أكثر بهذه الطبقات في الدورات القادمة.
وعن هذا التقليد تعلق الشابة سعيدة المغراوي إحدى المستفيدات من عروض فضاء باب بوجلود قائلة: في الحقيقة هي التفاتة كريمة من المنظمين لمهرجان فاس لهذه السنة، حيث لم تتح لنا الفرصة في الدورات السابقة بالتعرف عن قرب على تراث بعض المناطق المغربية وأيضا الأجنبية، لكنني آخذ على المسئولين عن المهرجان إتحافنا فقط بفرق دون غيرها.
وهكذا وعبْر هذه المشاركات المختلفة للفرق الموسيقية العالمية، يبعث مهرجان فاس برسالة سلام وتآخٍ وتعايش للعالم بأسره، مستخدما من الموسيقى الروحية نافذة للتعريف بالتراث الإنساني العريق.
|