English

 

الثلاثاء. يوليو. 24, 2007

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » تركيا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

ثورة الاعتدال الصامتة تهزم العلمانية الصاخبة في تركيا

عبد الحليم غزالي

Image
دينيز بايكال وتراجع مضطرد لحزب الشعب الجمهوري
تبدو نتائج الانتخابات البرلمانية التركية الأخيرة معبأة بالدلالات العميقة. وأول هذه الدلالات انتصار الثورة البيضاء أو الصامتة التي بدأها الإسلاميون الجدد المعتدلون في عام 2002 على العلمانية الإقصائية المتطرفة.. هذا الانتصار الذي يتكرر للمرة الثانية خلال أقل من خمس سنوات يعني أن تحول المزاج الشعبي تجاه الاعتدال والوسطية في مواجهة أقلية متسلطة لا تمتلك مشروعا قابلا للحياة في المستقبل هو أمر جدي وليس فورة احتجاجية عابرة.

ويصعب على المعارضة العلمانية بعد هذه الموقعة الحديث بلغة الجماهير والمظاهرات ما دام حزب العدالة والتنمية الحاكم قد نال هذا التفويض الشعبي الكاسح بحصوله على ما يعادل كل ما نالته أحزاب المعارضة مجتمعة، بل وحصل الحزب على أكثر من ضعف ما حازه حزب الشعب الجمهوري قائد المعارضة من أصوات رغم كل ما فعله في معركة الانتخابات الرئاسية من تحريض ضد حزب العدالة والتنمية بحجة أنه يحمل أجندة إسلامية خفية تهدد أسس الجمهورية الأتاتوركية.

انتصار تاريخي

إننا بكل المعايير أمام انتصار تاريخي، لكن لا يمكن القول بأنه حاسم لأن الطرف الآخر وهو المعارضة ومن ورائه المؤسسة العسكرية لم يعترفا بالهزيمة. ونظن أن المعارضة تبيت النية لمواجهات أخرى، ربما لمعركة رئاسة جديدة بعدما أعلن حزب العدالة والتنمية أن نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية عبد الله جول لا يزال مرشحه المفضل لمنصب الرئيس سواء أجريت الانتخابات الرئاسية وفقا للنظام القديم بواسطة البرلمان، أو بالاقتراع الحر المباشر بعد الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي أقرها البرلمان المنقضية ولايته.

إنها المرة الأولى التي يزيد فيها حزب حاكم من شعبيته في تركيا منذ انتخابات عام 1969
حيث رفع غلته من أصوات الناخبين إلى 46.66% بما يزيد على 12% عن انتخابات عام 2002، وهي نسبة  تعكس نجاحا كبيرا في إدارة المعركة الانتخابية التي كان الصراع الأيديولوجي والحضاري جوهرها رغم أنه لم يكن القضية الطافية على السطح في هذه المعركة، حيث كانت قضايا مثل الاقتصاد والمشكلة الكردية والمشروع الأوروبي والحجاب هي المهيمنة. ولابد من الإشارة إلى المجهود الذي بذله حزب العدالة والتنمية في الحملة الانتخابية والعمل المدروس الذي قام به، فقد طرح الاستقرار شعارا في مواجهة التغيير السلبي الهوجائي وفقا للصورة التي أشاعتها دعوات المعارضة للحلول مكانه في السلطة.

ومن المؤكد أن الحزب استفاد من صورة الضحية بتدخل الجيش وانحياز القضاء للمعارضة في معركة انتخابات الرئاسة التي أرغم فيها على سحب جول من السباق، رغم أهليته لمنصب الرئيس وفقا لقواعد لعبة الديمقراطية التي انقلب عليها العلمانيون بحكم قضائي غير عادل للمحكمة الدستورية، حسب آراء جل الخبراء القانونيين الموثوق بحيادهم في تركيا. كما استفاد أيضا من صورة المتعقل برفض الانجرار إلى حرب مظاهرات في الشارع ضد المعارضة التي سيرت مظاهرات شارك فيها مئات الآلاف. ويبدو أن هذه المعارضة بدت كمن كذب على نفسه وصدق الكذبة باعتبار هذه المظاهرات تعبيرا عن شعبية جارفة. وقد كان ملفتا توصيف السفير أونور أويمن نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري لنتيجة الانتخابات بأنها غير عقلانية أو غير منطقية، وهو تعبير عن الفشل حتى في تبرير العجز. ومن الطبيعي أن يمارس زعيم الحزب دينيز بايكال فعل الصمت بعد الهزيمة رغم الخطب التحريضية ضد حزب العدالة والتنمية منذ ما يقرب من عام ونصف العام.

وبالمقابل أثبت غريمه رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان أنه الرجل الأكثر شعبية في البلاد، وهو أمر تحقق بالجهد الهائل الذي بذله الرجل بالذهاب إلى المواطنين في القرى والبلدات والمدن النائية سعيا للإقناع المباشر بمشروع حزبه الاعتدالي الوسطي الواقعي، فضلا عن كاريزميته الصارخة.

ومما لا يمكن تجاهله في تفسير فوز حزب العدالة الكاسح وقوف طبقة رجال الأعمال بكافة فئاتهم بجانب الحزب الذي حقق الاستقرار الاقتصادي في البلاد، ونجح في الوصول إلى إنجازات ملموسة في هذا المجال على الرغم من أن رجل الشارع لم يشعر بها كثيرا، لكنه أدرك ملامحها في تقييمات المؤسسات الاقتصادية الدولية. ويبدو أن عوام الأتراك اقتنعوا بمنهج الإثمار الأكثر المتأخر بدلا من المكاسب السريعة التي قد تقود إلى أزمات وكوارث.

استخلاصات هامة

وثمة استخلاصات مهمة من نتائج الانتخابات التركية تتمثل في الآتي:

أولا: أن شعبية حزب العدالة والتنمية توزع بين كافة المناطق الجغرافية وكل الفئات التعليمية  والعمرية حيث حقق فوزه في 69 محافظة من محافظات تركيا الـ 81، في حين فاز حزب الشعب الجمهوري في خمس محافظات غربي البلاد، وحزب الحركة القومية في محافظتين والمرشحون المستقلون ومعظمهم من الأكراد في خمس محافظات.

ثانيا: أن عودة الأكراد للبرلمان تزامنت مع عودة مماثلة لحزب الحركة القومية، مما يؤكد تصاعد المد والاستقطاب القومي في البلاد في ظل تفاقم المشكلة الكردية وتفجر مظاهرها من عنف مسلح وفقر وحرمان وتخلف في مناطق جنوب شرقي البلاد، وهذه العودة بشقيها التركي والكردي تجعل هذه المشكلة حاضرة بقوة في جدول أعمال البرلمان الجديد.

ثالثا: البرلمان الجديد أكثر تعددية في التوجهات بالقياس للبرلمان القديم، بدخول القوميين الأتراك والأكراد أروقته، مما يثري الحياة السياسية في البلاد ويضفي عليها أجواء من الإثارة. في حين كان البرلمان القديم ثنائيا، إلى أن تشكلت ثلاث مجموعات برلمانية كلها كانت تنتمي ليمين الوسط في نهاية عام 2005، وذلك نتيجة لانشقاقات عن حزبي العدالة والتنمية والشعب الجمهوري.

رابعا: قضت هذه الانتخابات تقريبا على أحزاب يمين الوسط التي ظلت لسنوات طويلة مهيمنة على الحياة السياسية في البلاد في عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، حيث تعرض الحزب الديمقراطي وريث حزب الطريق القويم لهزيمة مذلة بحصوله على 5.41% من أصوات الناخبين بالقياس لأكثر من 9.5% في انتخابات عام 2002، مما اضطر زعيم
الحزب "محمد أغار" للاستقالة ليلقى مصير سلفه تانسو تشيللر التي دفعت ثمن الهزيمة السابقة. وبالنسبة لحزب الوطن الأم فقد كشف امتناعه عن خوض الانتخابات اعترافه بالعجز عن عدم قدرته على تخطي حاجز الـ 10 % من أصوات الناخبين المطلوبة لنيل التمثيل البرلماني، وبالتالي فإن حزب العدالة قد قضم جزءا كبيرا من شعبية تيار يمين الوسط الذي أصبح بلا لون مميز وسط حالة الاستقطاب الأيديولوجي والسياسي الحاد في البلاد بين حزب العدالة والتنمية من جهة والتيارين العلماني والقومي اللذين يتسمان بالتشدد من جهة أخرى. أما عودة رئيس الوزراء الأسبق والزعيم السابق لحزب لوطن الأم للبرلمان بعد فوزه مستقلا فلا تعكس أكثر من حالة فردية. وفي كل الأحوال يصعب عودة أحزاب يمين الوسط لمواقف مؤثرة في الحياة السياسية التركية على الأقل في المستقبل القريب.

خامسا: تراجع شعبية حزب السعادة ممثل التيار الإسلامي المحافظ في هذه الانتخابات يثبت فشل هذا التيار في إقناع الشعب التركي بمبادئ وأفكار تبدو غير مقبولة في المجتمع التركي مثل الفكرة القومية الإسلامية والأمم المتحدة الإسلامية وحلف الناتو الإسلامي. ويكفي أن الحزب لم يحصل سوى على 2.34% من أصوات الناخبين رغم الهجوم الحاد الذي شنه قادته على حزب العدالة واتهامه ببيع البلاد لأوروبا والولايات المتحدة والتبعية لإسرائيل.

سادسا: أن حزب العدالة والتنمية ذاته قد أظهر تغيرا في هذه الانتخابات بضخ دماء جديدة، حيث قام بتغيير ما يقرب من نصف نوابه في البرلمان، ورشح وجوها معروفة بتاريخها العلماني لتأكيد أنه حزب الجميع. وهذا يعكس ذكاءً سياسياً وثقةً في دور الحزب حيث كانت هوية الحزب تسبق شخصية المرشح، الأمر الذي لم ينطبق على الأحزاب الأخرى.

سابعا: أثبت حزب الشباب ذا الميول القومية أنه أكثر الأحزاب شخصنة في تركيا، فقد صعد في انتخابات عام 2002 على كتف زعيمه الملياردير "جيم أوزان" الذي كان وقتها يمتلك إمبراطورية إعلامية تشمل قنوات تليفزيونية وصحفا وإذاعات، وحصل الحزب وقتها على

ما يقرب من 7.5% من أصوات الناخبين رغم أنه لم يكن قد مضى على تأسيسه سوى شهور، فاقت شعبيته ما حققته أحزاب عريقة مثل اليسار الديمقراطي والوطن الأم، وكانت شخصية أوزان ووسائله الإعلامية وأمواله وراء هذه النتيجة المفاجئة، لكن أوزان الذي وصف في مرحلة ما بعد انتخابات 2002 بأنه أخطر شخص على أردوغان سياسيا تعرض لحملة تصفية طالت شركاته ومؤسساته وإمبراطوريته الإعلامية، بسبب ممارسات فساد ومخالفات نسبت له، في حين أنه ادعى أنه جرى استهدافه لأسباب سياسية، وكان هذا هو تفسير تراجع نسبة حزبه في الانتخابات الأخيرة إلى حوالي 3% فقط من أصوات الناخبين.

ثامنا: أظهرت هذه الانتخابات أن وسائل الإعلام الجماهيرية ليس بإمكانها تغيير توجهات ومزاج الجماهير، فقد انحاز أغلب هذه الوسائل للمعارضة العلمانية والجيش في معاركه مع حزب العدالة والتنمية، لكن الحزب حقق مزيدا من الشعبية، مما يثبت مقولة أن اللعب بالصورة قد يهزمه ثبات الأصل والجوهر، كما أن الاتصال المباشر وجها لوجه أكثر تأثيرا من وسائل الاتصال الجماهيري، حيث اعتمد حزب العدالة على اللقاءات والتجمعات الجماهيرية وزيارة الناخبين في منازلهم.

تاسعا: رغم أن الجيش يتمتع بشعبية كبيرة بين مؤسسات الدولة ويحتل المرتبة الأولي، إلا أن هذه الشعبية لم تمنع المعجبين به من التصويت لحزب العدالة والتنمية رغم الصراع الأيديولوجي بينهما ودخولهما في مواجهات مباشرة، وهذا يعكس نضج الناخب التركي الذي يميز بين تقدير الجيش الوطني للبلاد والتعبير عن موقفه السياسي والأيديولوجي حتى لو كان مخالفا للجيش.

عاشرا: أثرت استطلاعات الرأي على نسبة لا بأس بها من الناخبين المترددين تزيد على 4% حيث يعتقد أنهم صوتوا لحزب العدالة والتنمية حسب المراقبين. وهنا لابد من الإشارة إلى اهتمام الحزب بالاستطلاعات وإجراء العديد منها سرا وعلنا لمعرفة موقعه من الناخبين حتى قبل بدء الحملة الانتخابية.

يبقى أن التفويض الشعبي الذي حصل عليه حزب العدالة والتنمية سيجعله أكثر قوة في معاركه المقبلة، ولكن احتشاد المهزومين ضده ليس مستبعدا، فالأمر يعتمد على أرضية الملعب واللعبة وقوة كل طرف في المنازلة المقبلة!!


كاتب متخصص في الشأن التركي.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات