|
أحاول ما استطعت أن أنزع عن هذا اللقاء صفة الحدث؛ إذ إن من الطبيعي أن يلتقي المرء بماضيه الحاضر، وبأهله، ومشهده الطبيعي وعناصر تكوينه الأول. ولكن ليس من الطبيعي -إلا في غير حياتنا الطبيعية- أن يصبح هذا اللقاء شأنًا عامًّا احتفالي المظهر. وليس من الطبيعي أيضًا أن أسأل: ألا تخشى على حياتك من زيارة الكرمل؟ وأنا أجيب: لا أتمنى نهاية أعلى، وأجمل، وأكمل.
هكذا عبر الشاعر الفلسطيني محمود درويش عن شعوره وهو يقف على مسرح قاعة "الأوديتوريوم" في مدينة حيفا الفلسطينية المحتلة عام 1948 ليلة الخامس عشر من يوليو الماضي، وسط حضور الفلسطينيين من داخل الأراضي المحتلة عام 1948، وبعد 35 عاماً من هجرته من المدينة التي احتضنته وليداً.
أثارت هذه العودة للشاعر درويش إلي مدينته التي تئن تحت غطرسة الاحتلال الإسرائيلي الكثير من الجدل في الأوساط الثقافية والسياسية خاصة أن الدعوة للزيارة كانت من قبل الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، وهي هيئة شيوعية وعليها الكثير من علامات الاستفهام، ومجلة "مشارف".
في مستهل الحفل خاطب المحامي أيمن عودة من الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، المنظمة للحفل درويش قائلاً "يا محمود نحن على الكرمل ضيوفك، والكرمل فينا فلا تكلف في البيت ولا تكلف بين رفاقك ومحبيك".
في حين تصف المغنية أمل مرقص مقدمة الأمسية بالقول: "إنها ليلة أجمل حب يمكن أن يمنحه شعب لابنه محمود درويش لعودته المؤقتة المؤثرة بين أحضان أهله مثبتين أنه هناك بيننا في وطنه".
وأضافت أمل: "لقد قطعنا التذاكر بلهفة حتى نحظى بحب الوطن ولهفة نشحن فيها نفسياتنا ليزهر كل ما هو طيب وجميل فيه".
كانت تسمى فلسطين
|
|
لحظة توحد مع القصيدة
|
استهل درويش الاحتفالية بإلقاء عددًا من قصائد شعره وسط تأثر كبير من الجمهور الحاضر والذي عبَّر عنه بالتصفيق الحار أثناء اللقاء والتي في غالبها تعبر عن حبّه لفلسطين الأرض والإنسان. وسطع صوت درويش بقوله:
"على هذه الأرض ما يستحق الحياة
تردد إبريل رائحة الخبز في الفجر
تعليلة امرأة للرجال
أول الحب وشم على حجر
وخوف الغزاة من الذكريات ساعة الشمس في السجن
هتافات شعب لمن يصعدون إلى حتفهم باسلين".
"على هذه الأرض ما يستحق الحياة
على هذه الأرض سيدة الأرض أم البدايات أم النهايات
كانت تسمى فلسطين صارت تسمى فلسطين".
وواصل درويش قصيدتيه بالقول:
"سيدتي لأنك سيدتي أستحق الحياة
ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا
ونسرق من دودة القز خيطا لنبني سماء لنا ونسيج الحديقة
ونزرع حيث أقمنا نباتا سريع النمو
وندفن حيث أقمنا قتيلا
ونرسم فوق الممر صهيلا
ونكتب أسماءنا حجرًا حجرا".
"سأقطع هذا الطريق الطويل.. الطويل إلى آخره
وإلى آخر القلب أقطع هذا الطريق الطويل
ولم أعد أخسر سوى الغبار
وما مات مني فلتخرجوا من رحيلكم لتدخلوا في رحيلي".
بين فتح وحماس
وألقى محمود درويش قصيدته المشهورة "أنا يوسف يا أبي"، ولم يغب عن درويش التطرق في أمسيته لأحداث غزة الأخيرة وعبر عن ألمه بقوله: "إلى أن صحوت من الغيبوبة على علم بلون واحد يسحق علمًا بأربعة ألوان، على أسرى بلباس عسكري يسوقون أسرى عراة، فيا لنا من ضحايا في زي جلادين".
كانت هذه التصريحات سبباً في إثارة العديد من الاعتراضات على موقفه الذي اعتبر انحيازًا لطرف الرئيس الفلسطيني محمود عباس وهجومًا على حركة حماس، حينما عبّر في إحدى لقاءاته مع الصحافة عن خشيته من سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، وقال فيها: "يخيفني هذا من الجهة السياسية "حماس" هذا مخيف من الجهة الثقافية. يميلون إلى فرض مبادئهم على الجميع. وهم يؤمنون بالديمقراطية لمرة واحدة وذلك من أجل الوصول إلى صناديق الاقتراع والحكم فقط. لهذا فإنهم كارثة على الديمقراطية. هذه ديمقراطية مناقضة للديمقراطية".
تصريحات درويش ضد حماس انعكس صداها على الزيارة وعلى ردود الفعل تجاه الزيارة، وتباينت الآراء بين مؤيد ومعارض، ووصل الأمر بالمعارضين لحد إصدار بيان أعلنوا فيه موقفهم ضد الشاعر، وتبنى البيان شعار "سجل أنا عربي، وسعر بطاقتي خمسون شيكلا"، في إشارة إلى ثمن بطاقة الدخول بالعملة الإسرائيلية، وهي جزء من قصيدة درويش "بطاقة هوية"، والتي صدرت في ديوانه الأول "عاشق من فلسطين"، ويستهلها بقوله "سجل أنا عربي ورقم بطاقتي خمسون ألفا".
درويش تنازل
|
|
عرب 48 في إسرائيل استمعو لدرويش
|
يرى عبد الحكيم مفيد أن الشاعر الفلسطيني محمود درويش لا يستطيع أن يتنصل من زيارته بمفهومها الرمزي، حتى لو ادعى أنه "ليس رمزًا وليس بطلاً، بل هو شاعر عادي"، كما قال لصحيفة "هاآرتس" الإسرائيلية في ملحقها نهاية الأسبوع الماضي.
ويضيف: إن زيارة محمود درويش إلى حيفا ليست قصة مناكفة بين طرفين، ولا سباق على أخذ الصدارة في "شرف استضافة الشاعر الكبير"، ولا قصائد في مديح الظل العالي التي تتحدث عن درويش بقداسة تفوق قداسة الحديث عن "أصحاب النصوص المقدسة".
ويؤكد مفيد أن الشاعر درويش لا يستطيع التنصل من حقيقة حصوله على تأشيرة دخول من الاحتلال الإسرائيلي للدخول إلى البلاد في وقت يقع شعبه تحت الحصار، ولا يستطيع هو الإجابة متهربًا بالقول "إنه ليس ذاهبًا لزيارة الكنيست"، فلم يسأله أحد عن زيارته للكنيست، بل عن حقيقة حصوله على تأشيرة من الاحتلال لزيارة حيفا في وقت يخضع شعبه كله للحصار.
ويبين أن زيارة درويش لحيفا ليس في كونها مجرد "أمسية شعرية"، ولكن لتوقيتها السيئ للغاية والذي لا يبرئ درويش من أنه يقف في مكان كان من المفروض أن لا يكون به، كان بإمكان درويش أن يعتذر عن زيارة حيفا حاليًّا، وكان بإمكان درويش أن يبدي قلقه من "الأصولية الإسلامية"، لكن كان عليه أن لا يخفي تخوفه مما يفعله وفعله أنصار "الشرعية"، في فلسطين وهو يعرفهم جيدًا، كان بذلك سيكون أكثر "رمزية"، لكن درويش مثل غيره اختار أن يكون في المكان الذي يريد هو، وهذا خياره.
جدير بالذكر أنه تم نشر بيان حمل انتقادات للأمسية، جاء فيه أن المشكلة في التوقيت، وفي شكل الدعوة، حيث سيدخل درويش إلى مناطق الـ48 بإذن عسكري من جيش الاحتلال، فيما "آلاف العائلات الفلسطينية الممزقة بين أشلاء الوطن، غير قادرة على لمِّ شملها منذ سنوات".
واستغرب البيان قبول درويش "دعوة جهة سياسية عليها اليوم كثير من المآخذ"، وهي "الجبهة" الشيوعية التي يقودها عضو الكنيست محمد بركة الذي "طالب بمحاكمة عزمي بشارة؛ لأنه زار الضاحية الجنوبية لبيروت بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان في يوليو/ تموز من العام الماضي 2006".
الجميع يتحرك بإذن إسرائيل
يعبر الكاتب الفلسطيني عباس بيضون عن استغرابه من الجدل حول حضور درويش لحيفا بقوله: "يفاجئني أن يكون السبب فيما يقال أن الانتقال إلى حيفا هو بإذن إسرائيلي ولا يغيب عن أحد أن الدخول إلى رام الله أيضًا بإذن إسرائيلي، وأن المتجمعين بالآلاف على معبر رفح ينتظرون إذنًا إسرائيليًّا، وأن الانتقال إلى القدس العربية يحتاج إلى إذن إسرائيلي، لا لشيء إلا لأن فلسطين محتلة والتنقل فيها بإذن المحتل".
ورفض الكاتب والمثقف أنطون شلحت رئيس تحرير مجلة "مشارف" أن يتم تحذير درويش من المشاركة في أمسية حيفا؟ بسبب "الخشية" من اختراق مقاطعة "الدولة السبارطية" أولاً ودائمًا.
ويتساءل شلحت: من الذي سيحضر هذه الأمسية؟ إنها الجماهير الفلسطينية الباقية في الوطن، ما هو الذنب الذي اقترفته تلك الجماهير، لكي يحاذر الشاعر المجيء إليها؟ هل هو "ذنب" البقاء في الوطن، أو "ذنب" الألم والدموع عند لقاء أحبّة غابوا وظلّوا ملء السمع والبصر.
لماذا يصر بعض الإخوة العرب على تقنين التواصل الثقافيّ، وعلى تحميله أكثر مما يحتمل.
قيثارة درويش المكسورة
|
|
درويش يحيي الجمهور
|
في حين شنّ د. أسامة الأشقر مدير مؤسسة فلسطين للثقافة هجومًا على درويش بالقول له: "لم تَعُد قيثارتك المكسورة تطربني أيها الشاعر العجيب؟ لأنني لم أعد أصدقك، أنت خنتني وكذبتَ عليّ وغدرت بي يوم أن اغتلت حلمي الكبير وجعلتني بلا رمز ولا كلمة ولا صدق".
ويعلل الأشقر هجومه على أمسية درويش بالقول: إنها لا تتعلق بمضمون شعره الذي قاله في حيفا بقدر انحيازه الأخير لأحد الأطراف الفلسطينية وتخليه عن انحيازه المعهود.
وواصل الأشقر رفضه لأمسية درويش بالقول "أنت لم تَعُد منا لتهجونا أو تمدحنا أو ترثينا؛ لأنك جزء من الكارثة الأهلية التي حلت بنا، لقد أصبحتَ فنانًا عالميًّا، وقريبًا سوف تنال (نوبل) فأنت تحسن امتطاء الفنون، وتحسن تلوين أوراق الأيام البيضاء بألوان تريح هذا الآخر، ورموزك السحرية العجيبة قادرة على الطيران والغوص والجري في غير بحرنا وسمائنا وأرضنا.
وفيما يتعلق برد الشاعر محمود درويش على معارضي هذه الأمسية، فقد رد عليهم بالقول: إن هذه الحملة تصدر عن "صبية" و"أولاد صغار" و"أنصاف مثقفين يملؤهم الغيظ والغيرة".
وقال في تصريحات صحفية: "لا أفهم هذا اللغط الذي تثيره مجموعة من الصبية؛ لأنني ذاهب إلى بلدي وليس إلى الكنيست".
ويضيف: "إنني ذاهب لأقرأ الشعر لجمهوري العربي في حيفا التي لم أزرها منذ 40 عامًا. وليست هذه المرة الأولى التي أزور فيها بلدي وألتقي شعبي، فقد سبق أن شاركت في تأبين الكاتب الراحل إميل حبيبي، كما زرت الناصرة في عام 2000 وقمت قبل نحو 4 سنوات بزيارة بلدة (كفرياسيف)، وفي كل مرة كنت أحصل على تصريح لمدة يومين من الحاكم الإسرائيلي بوساطة وتدخل من النواب العرب في الكنيست، فلماذا تثار كل هذه الضجة على زيارتي لحيفا؟".
ولد محمود درويش عام 1941 في قرية البروة المدمرة اليوم في الجليل، ونشأ وترعرع هناك واعتقل أكثر من مرة من قبل السلطات الإسرائيلية، وفي عام 1972 توجه إلى موسكو ومنها إلى القاهرة، وانتقل بعدها إلى لبنان حيث ترأس مركز الأبحاث الفلسطينية وشغل منصب رئيس تحرير مجلة شئون فلسطينية.
وقد استقال درويش من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير احتجاجًا على اتفاق أوسلو عام 1993، وسمحت له السلطات بالدخول إلى الأراضي الفلسطينية عام 1996 حيث أقام في رام الله.
نشر الشاعر محمود درويش آخر قصائده في 17 حزيران/ يونيو الماضي بعد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة تحت عنوان "أنت منذ الآن غيرك" انتقد فيها التقاتل الفلسطيني.
مهما يكن من اختلاف الآراء فقد تحقق هدف المنظمين والضيف في حضور حاشد للمواطنين العرب في حيفا، واستمتع درويش في إلقاء قصائده في مكانه الأول، حيث الولادة الأدبية الأولى ووسط جمهوره المفضل كما يقول.
صحفي فلسطيني
|