|
فوجئت ذات يوم من عام 1995م بزوجتي التركية وهى تطلب مني السماح لها وللأولاد بالذهاب إلى السينما، وأضافت لي قائلة: ولا مانع أن تأتي معنا أنت أيضاً، حين سمعت عبارة السينما من زوجتي المتدينة المحافظة، لم أصدق مسمعي، فقلت لها: لماذا غيَّرتِ رأيك فجأة في السينما التركية وترغبين في الذهاب إليها اليوم أنت وأولادك؟! قالت لي والسرور يعلو وجهها: إنه فيلم نظيف وأخلاقي، إنه فيلم: "لست وحدك" هل سمعت عنه؟ قلت:نعم. على هذا الشكل كانت هذه هي المرة الأولى التي تذهب فيها زوجتي للسينما التركية وهي الفتاة الأناضولية المحافظة التي تزوجتني قبل أكثر من عقد من الزمان، وتعيش في إستانبول حاضرة الأتراك، منذ أكثر من 14 سنة تقريبًا، ولم تكن تحتمل – ولازالت – رؤية أو مشاهدة أفلام السينما التركية التي تعرضها المحطات التلفزيونية الخاصة والكثيرة. نعم لقد دخل في السينما التركية مع مطلع التسعينات تيار جديد محافظ يمكن أن نسميه بـ "تيار العثمانية". أصبح يخاطب قطاعًا واسعًا من الشعب التركي، كان قد فقد الأمل في السينما وعزف عن مشاهدة أفلامها التي تميل دائمًا لعرض الأفكار المادية والعنف والجنس.
في هذا التقرير نحاول - قدر المتاح - أن نستعرض أو نلقي الضوء على نماذج من الأفلام السينمائية المعبرة عن هذا التيار الجديد الذي بدا واضحًا في السنوات الأخيرة في السينما والتلفزيون التركي أيضًا.
شركات إنتاج سينمائي ودور عرض
لم يكن ممكناً بأي حال أن يقوم التيار العلماني اللاديني بتناول موضوعات أخلاقية إسلامية أو الدعوة للفكرة الإسلامية في السينما التركية، وهو التيار الذي درج على تعزيز وترسيخ مفاهيم الثورة الجنسية والتمرّد على نظام الأسرة الإسلامية، والدعوة للتحرر من كل القيم والتقاليد والعادات الموروثة من فترات الحكم العثماني الإسلامي، ومن ثم لجأ أصحاب التوّجه الجديد في السينما التركية في مطلع التسعينيات لتحوّيل إحدى دور العرض السينمائي الواقعة في شارع "إدرنه أسفلتى" بحي الفاتح "بإستانبول الأوروبية، من دور تعرض أفلامًا غربية وتركية مثيرة، إلى دور عرض تتبع شركة "فزا:FEZA Film Sti"، تعرض فقط الأفلام السينمائية المنتجة من قبل الشركة السينمائية الجديدة والتي اشترت دور العرض المذكورة.
ورغم أن مدينة إستانبول ممتلئة بدور العرض السينمائي سواء في طرفها الأوروبي أو الطرف الآسيوي، إلا أن اختيار دور العرض السينمائي المذكورة لكي تكون متخصصة في عرض الأفلام الجديدة والمحافظة أو قل المعبرة عن التيار الجديد في تركيا، يبدو أنه لم يكن قرارًا عشوائيًّا من الشركة السينمائية الجديدة، فدور العرض المذكورة تقع في حي "الفاتح" أحد أهم أحياء المدينة وأقدمها، علاوة على كونه يضم جوامع: "الفاتح" - بناه السلطان محمد الفاتح في القرن الخامس عشر بعد فتح وتحويل القسطنطينية إلى أرض إسلامية - و"إسكندر باشا"، و"الخِرْقة الشريفة" - نسبة لوجود خرقة الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا الجامع - وغيرهم من الجوامع والمساجد القديمة ذات المعنى والأثر عند الأتراك، مما دفع قطاعًا واسعًا من المسلمين والعلماء الأتراك بالإقامة في هذا الحي - سكن فيه الشاعر التركي الكبير الراحل محمد عاكف والشيخ الجليل الراحل /علي يعقوب، ويعيش فيه اليوم الشيخ / أمين سراج الدين وغيره - الذي يعتبره الأتراك المسلمون قلعة الإسلام في إستانبول، إذًا فاختيار دور العرض المشار إليها كان مقصودًا، لما للحي المذكور من تأثير إيجابي على القطاع المسلم والمحافظ من ناحية، ناهيك عن توسُّط موقع السينما بالنسبة للعديد من أحياء القطاع الأوروبي للمدينة، قامت الشركة الجديدة بإنتاج مجموعة من الأفلام الهادفة التي حققت نجاحًا كبيرًا وجذبت جموعًا كبيرة من الأتراك ( الرجال والسيدات والأطفال) الذين كانوا قد هجروا السينما التركية السافرة والمقلّدة للعالم الغربي، فشركة "فَزا للسينما" عبارة عن شركة مساهمة أسستها مجموعة من رجال الأعمال المسلمين، قامت بإنتاج أفلام مثل: "سرجون :SURGUN "1996 وفيلم "قرا أوغلان (فيلم كرتون للأطفال)، أمّا شركة "Atlas Nehir Iletisim Sti" فقد إنشئت في عام 1992م وقامت بإنتاج فيلم "لست وحدك: Yalniz Degilsiniz"، وأيضًا موّلت هيئة الشؤون الدينية التركية - لأول مرة في تاريخ تركيا وفى تاريخ هذه الهيئة الرسمية - فيلم "عبدالله المنياوى: Minyeli Abdullah" الذي أخرج في عام 1995م
نماذج من الأفلام العثمانية أو الموجة الجديدة
(1) فيلم عبدالله المنياوى: Minyali Abdullah:
يروى هذا الفيلم حكاية لأحد الشبان الذي تعرض للحبس والاعتقال على يد الشرطة والأمن المصري - لعلّ اختيار "مصر" كمكان لوقوع أحداث الرواية بدلاً من أرض تركيا يرجع لوجود رغبة عند شركة إنتاج الفيلم في الهروب من الرقابة التي تمنع الانتقاد العلني لمبدأ العلمانية اللادينية المنصوص عليه في الدستور -وقوات الاحتلال الإنجليزي في عصر الملك فاروق، بسبب دعوته للالتزام بمنهج الإسلام والرسول (عليه الصلاة والسلام) في الحياة وشؤون الحكم، وهو من الناس الذين كانوا يعيشون أصلاً في مدينة "المنيا" بجنوب مصر، هجرها للقاهرة للبحث عن العمل والعلم في فترة الحكم الملكي، كما تعرّض للسجن والاعتقال أيضاً في العصر الجمهوري (1952م)، وبعد أن بلغ منصب رئيس مباحث القاهرة - بتكليف وإلحاح من ضباط الثورة أنفسهم -، ولكنه يترك المنصب والكرسي ويفضل العمل كحمّال في الشوارع في سبيل عدم التراجع عن الدعوة للحق، خاصة وأنه قد اكتشف عدم وجود تغيّر حقيقي في منهج الحكم بين العصر الملكي والعصر الجمهوري بشأن الفكرة الإسلامية. لقد جاء سيناريو الفيلم ليروى الوقائع بشكل سلس ومتزن وهادئ بعيد كل البعد عن بهارات السينما التركية المعروفة (كازينوهات وراقصات وقبلات ومايوهات….إلخ)، وفى نفس الوقت يقدم قصة كفاح شاب وقف ضد الاحتلال الإنجليزي لمصر، وضد السلوك المنحرف للحكم الملكي أو الجمهوري، وكان يدعو لتطبيق الشريعة الإسلامية وترك تقليد العالم الغربي. والفيلم أيضًا يركز على الجوانب الأخلاقية في حياة الإنسان المسلم مثل: معاملة طيبة مع الناس، قول الحق، الالتزام بالصلاة، الجودِ بالمال رغم الفقر، الرفق بالصغير واحترام الكبير، وفى جانب الجهاد يقدم البطل "عبد الله" شخصًا مُصِرًّا على الدعوة بالحق والصبر في المحنة والشِدَّة دون اللجوء للعنف أو الرّد بالمثل على التصرّفات السلّبية للسٌلطات الحاكمة. أيضاً نجد عبدالله المنياوي - بطل الرواية - لا يشرب الخمر أو يصاحب الساقطات - كعادة السينما التركية في تقديم البطل -، ولكنه يعمل بشرف حتى لو كان حمَّالاً في الشوارع، ويرتدي الجلباب المصري والطربوش ويؤدى الصلاة في بيته وفى المساجد، وحتى في وقت محاكمته يطلب من القاضي الإذن له للصلاة، وفي داخل السجن كان يؤدى العبادات، ويدعو المساجين للهداية وطريق الحق. وقف ثائرًا بالكلمة مع إخوانه المصريين ضد قوات الاحتلال الإنجليزي، رغم أنه كان يعيش في مدينة مصرية تقع بعيدًا عن القاهرة بأكثر من 180 كيلو متراً، بل أنه ترك "المنيا" وذهب للقاهرة خصيصًا للمشاركة في الدعوة لطرد الإنجليز وإقامة الدولة الإسلامية. باختصار هذا الفيلم يعرض حكاية وقعت في فترة امتداد الحكم العثماني لمصر، ومن ثَمَّ فهو يعبر عن روح العثمانية -(التعبير المستخدم في تركيا اليوم بدلاً من كلمة الإسلام أو الشريعة المجرَّمة في القانون الوضعي) - التي بدت تصحو من غفوتها الطويلة داخل المجتمع التركي.
(2) فيلم لست وحدك: Yalniz Degilsiniz :
هذا الفيلم الذي أنتج في بين عامي 1994 - 1995 يروي مشكلة اغتصاب حق المرأة المسلمة في ارتداء الحجاب الديني والشرعي على يد النظام العلماني اللاديني في تركيا. وحكاية فتاة - سَرّبيل - هذا الفيلم لا تختلف كثيرًا عن حكاية ملايين من الفتيات والسيدات التركيات اللاتي يعانين من نفس المشكلة مع السلطات الحاكمة بتركيا منذ عشرات السنين وحتى اليوم. الجديد في هذا الفيلم أنه وضع المشكلة في إطار اجتماعي مضاعف، حيث كانت الفتاة ترتدي الملابس المكشوفة وتعيش وسط عائلة متحررة الأب مشغول بنزواته الخاصة والأم تنطلق بين صديقاتها لترقص وتشرب الخمر، ولكنها أي "سربيل" قد صحوت من غفوتها أثناء احتضار جدتها لأمها التي كانت سيدة فاضلة تعرف الحلال والحرام، تعود الفتاة الجامعية التي تدرس الطب إلى نفسها وأصلها المسلم وبمحض إرادتها، فلم تواجه الفتاة فقط مشكلة مع سلطات الجامعة أو جهات العمل التي تمنع المحجبات، ولكنها عاشت مأساة إنسانية أخرى، حين فرضت أسرتها عليها حصارًا لكي تجبرها على خلع الحجاب. وبالرغم من تعرُّضِها للضغوط على يد والدتها ووالدها إلاّ أنها أَبَت الرجوع أو خلع حجابها، وقبلت إجبارها على دخول مستشفى المجانين عن الرجوع لحياتها القديمة، ولأن موضوع الفيلم أصاب قطاعًا كبيرًا من المرأة التركية خاصة والعائلة التركية عامة، فقد استمر عرضه أسابيع طويلة في دار العرض المشار إليها آنفًا، ووزعت منه ألوف النسخ على شرائط فيديو كاسيت.
الخلاصة:
الحقيقة أن التوجُّه الجديد للسينما التركية مدعاة للبحث والدراسة، خاصة عندما نطالع أو نشاهد جملة الأفلام التي تبثها المحطات التلفزيونية التركية الخاصة والتي تبث برامجها على القمر الصناعي، فشتَّان بين تلك الموضوعات الموجودة في الأفلام التركية المنتجة حتى أواخر الثمانينيات، وبين أفلام المَوْجَة الجديدة التي تبلورت في التسعينيات، صحيح أن المحطات التلفزيونية الفضائية قد وجهت ضربات موجعة لفن السينما بتركيا، بتراجع الناس عن الذهاب للسينما والاكتفاء بما يعرض مجانًا من أفلام على الشاشة الصغيرة. ولكن الشيء الملفت للنظر أن أفلام المَوْجَة الجديدة قد بعثت روحًا جديدة في السينما عندما تجد مثل هذه الأفلام الجادة والواقعية القبول والإقدام على مشاهدتها حتى في موسم الشتاء المميَّز بهطول الأمطار ونزول الثلوج. هذا القبول أو الذهاب للسينما جاء هذه المرَّة من القطاع الشعبي الذي كان منصرفًا أساسًا عن فن السينما عامة. وهذا الذي يؤهلنا بلا شك في القول بأن أفلام المَوْجَة الجديدة قد تمكنت من وضع قدمها على الطريق، عبر تناولها موضوعات مجتمعية ملحة وواقعية وفى إطار أخلاقي ومحافظ على القيم والمبادئ الشرقية المستندة أساسًا من الفكرة الإسلامية، ودون تقليد السينما الغربية كما هي العادة في السينما التركية منذ ظهورها.
اقرأ حول الموضوع:
- تركيا السينما حتى الموت
|