|
| غلاف كتاب "حماس.. دليل أولي" |
صدم فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأوساط السياسية والثقافية في الغرب. وساهم فوزها في زيادة عدد الأقلام الغربية التي تكتب عنها. ولكن بدت كمحاولة لإعادة إنتاج مقاربات سابقة قدمتها كحركة "إرهابية" تتلمذ على "قتل المدنيين". وهي غير ديمقراطية، ولا سامية، ومعادية للسلام، وجزء من تنظيم جهادي عالمي يسعى للانقضاض على الغرب.
ومع ذلك فقد أُعدّت دراسات متحررة من وطأة المقاربات الأمنية والسياسية التي حكمت النتاج الفكري الغربي حول حركة حماس. وخرجت أصوات متّزنة تنادي بضرورة إعادة النظر في الصورة النمطية المشوهة وغير الحيادية والمأزومة التي قدمتها الدراسات الغربية حول حركة حماس، وتدعو إلى تبيان الصورة الحقيقية عنها بحلوها ومرها بكل تجرد وحيادية وموضوعية ونزاهة.
وما احتضان مؤسسة "بلوتو برس" لكتاب خالد الحروب "حماس.. دليل المبتدئ" (بالإنجليزية)، برغم كونه كاتبا "شرقيًّا يكتب من الغرب"، إلا تعبيرًا عن حالة "نضالية" في المشهد الثقافي الغربي تكافح من أجل الانعتاق من الأحكام المسبقة والمختزلة، والكتابة المدفوعة بنوايا مبيتة معادية لكل ما هو إسلامي، وتسعى لتحليل الوقائع كما هي، لا كما يتمنّاها هذا الطرف أو ذاك.
جاء كتاب الحروب "حماس.. دليل المبتدئ" الصادر في لندن 2006، كسباحة عكس التيار. ففي خضم بحر من الأدبيات الغربية المعادية للحالة الإسلامية في فلسطين، قدّم المؤلف قراءة مغايرة. وبرغم علمه بأنّ ما أقدم عليه كان وما زال إلى حدٍّ ما يعدّ انتحارًا فكريًّا، ومبررًا للطرد من رحمة "آلهة الفكر والثقافة" في الغرب، لكنه قرر المضي قدمًا في نحت تصوراته عن حركة حماس، مستعيناً بستة عشر عاما قضاها في رصد الجوانب المختلفة المتعلقة بالحركة. فقد كتب لسنوات في أصولها الفكرية وأجندتها السياسية والاجتماعية ونشاطها العسكري، وراجع أدبياتها ورصد وثائقها وأجرى مقابلات مع قادتها. وإذا كان من سند آخر فهو ما يطرحه من رؤية نقدية متجردة، تقيه الانزلاق إلى هاوية التنظير السياسي. فهو كما قدّم نفسه في التصدير ليس "مع أو ضد حركة حماس". لكنه يكتب عن "حماس الحقيقية" كما هي على الأرض، محاولا تزويد القارئ الغربي بالمعلومات الأساسية عن الحركة عبر دليل "موضوعي وموجز".
على مدار مائة وسبعين صفحة وبالاعتماد على التحقيبين الزمني والموضوعي يجيب الحروب عن أكثر من ثلاثة وستين سؤالا حول حركة حماس، ابتداءً من نشأتها ومراحل تطورها، مرورا بأهدافها وإستراتيجيتها ومواقفها من مختلف القضايا السياسية والفكرية والاجتماعية وممارساتها العملية وعلاقاتها المحلية والإقليمية والدولية وأبرز قادتها، وانتهاءً بتربعها على رأس الهرم السياسي وظهور ما يعّرفه الحروب بأنه "حماس الجديدة".
حماس كما يراها خالد الحروب
يضع الحروب بين يدي القارئ خلاصة ما يعتقده حول حركة حماس تاركا
|
| خالد الحروب |
له حرية الحكم عليها. وفي هذا الصدد يمكن ملاحظة الآتي:
1- قدّم المؤلف حماس باعتبارها حركة تحرر وطني حصرت نضالها جغرافيا بما بات يعرف بفلسطين التاريخية. وهي تكافح من أجل التخلص من الاحتلال وإقامة الدولة الوطنية. ويرى أنّها "تطور طبيعي لظروف احتلالية وحشية وغير طبيعية. ويجب النظر لتشدد حماس على أنه نتيجة لاستمرار المشروع الإسرائيلي الكولونيالي على فلسطين" (صix ). ويؤكد أن حماس لا تضع الغرب في نفس السلة مع الاحتلال الذي تعتبره عدوها الوحيد. لكنها تحمّله، وتحديدًا بريطانيا ومن بعدها الولايات المتحدة، مسؤولية ما جرى على أرض فلسطين. ويشير إلى أن حماس أصبحت مع مرور الوقت أكثر قدرة على فهم العلاقات الدولية ومواقف الدول المختلفة من القضية الفلسطينية، وهي تحاول جاهدة استغلال التناقضات الدولية في ما يخدم مصلحة القضية الفلسطينية.
2- ناقش الكاتب جدلية الديني والسياسي في الفكر والممارسة عند الحركة، مشيرا إلى أن خصوصيتها تتجلى في تمكنها من نسف نظرية "التعاقب" بين الأسلمة والتحرير، والاستعاضة عنها بنظرية "التزامن". فقد كان من "العبث محاولة تحرير فلسطين بدون الوصول إلى درجة مرضية من الأسلمة للمجتمع الفلسطيني... وما فعلته حماس داخل هذا الفكر التقليدي هو كسر تخيل التعاقب والبرهان على أنه بالإمكان النضال من أجل تحقيق العمليتين معا" (ص28).
3- ولكن لمن تبدو الغلبة داخل حماس؟ هل هي للديني أم للسياسي؟ على الرغم من الجذور الدينية للحركة، فإن السياسي يتغلب على الديني داخلها، فهي تتبنى المفاهيم الغربية في خطابها السياسي وتحديد أولوياتها الوطنية وعملها التنظيمي والإداري وممارستها السياسية. كما أنها حركة عصرية تدير شؤونها الداخلية بديمقراطية، و"تختار قادتها بطريقة ديمقراطية... ولا يوجد نظام تسلطي داخلها" (ص64). وهي متصالحة مع المفاهيم المعاصرة كحقوق الإنسان والمواطنة وسيادة القانون وحكم الأغلبية والمساءلة.
4- ترتكز حركة حماس على براغماتية سياسية تؤهلها لاتخاذ قرارات إستراتيجية تقترب فيها من مفهوم ومعايير المجتمع الدولي الخاصة بحل القضية الفلسطينية، ولا يستبعد الحروب اعتراف حماس بإسرائيل وقبولها بفكرة الدولتين (ص40).
5- ميّز الحروب بين حماس وحركات الإسلام الجهادي وعلى رأسها القاعدة. مؤكداً وجود "اختلافات كبيرة بين الحركتين من حيث الأهداف والوسائل ومساحة المعركة وأيضا في طبيعة كل منهما..." (ص101).
6- يرى الحروب أنّ الانتخابات التشريعية وما أفرزته من نتائج يشكل انعطافة تاريخية نقلت حماس من موقعها التقليدي كمعارضة إلى مربع الحكم والسلطة. ويعتبر أن البرنامج الانتخابي لكتلة التغيير والإصلاح والبيان الوزاري الأول الذي تلاه رئيس الوزراء إسماعيل هنية حدّدا حدود التجدد في الفكر الحمساوي (139). وحسب الحروب فإنّ البرنامج الانتخابي قد جّسد "التغييرات والتجارب التي بلورت طبيعة الحركة على مدار السنوات السابقة، وبّين كيف طورت الحركة من وعيها وخطابها وأولوياتها... لقد أسس برنامج التغيير والإصلاح لحماس جديدة" (ص139). واعتبر الحروب أنّ البيان الوزاري على درجة عالية من الأهمية، إذ قدّم حماس للعالم بلغة جديدة تميزت بالبراعة والحذر" (ص145).
7- قدّم الكاتب مجموعة من الملاحظات النقدية حول عدد من الإستراتيجيات والمواقف التي تبنتها الحركة وكان لها نتائج سلبية على القضية الفلسطينية. وقبل عرض بعضها لا بدّ من الإشارة إلى أن الكتاب موجّه للقارئ الغربي مما قد يقلل من حدّة النقد الموجه للحركة، الأمر الذي يمكن ملاحظته فيما يكتبه الحروب بالعربية، فعلى سبيل المثال هاجم عمليات حماس داخل الخط الأخضر ومنحها أقبح الأوصاف، فهي "شريرة وليس لها أي سند أخلاقي... وأضرت بسمعة حماس والفلسطينيين". ( صxvii )، لكنه أسهم في شرح مبررات حماس للقيام بهذه العمليات. كما قدّم عرضا نقديا واضحا لمواد الميثاق لكنه بدا أقرب إلى التحليل الاعتذاري، فقد خطّ الميثاق "فرد وعمّم دون مشورة أو إجماع أو تنقيح. لقد كان معدّ الميثاق من الحرس القديم في حركة الإخوان المسلمين في قطاع غزة، وهو من المنقطعين كليةً عن العالم الخارجي". (ص33) وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن الكاتب قدم في مقالات أخرى بالعربية نقدا شديدا للميثاق معتبراً إياه عبئا على المشروع الوطني (الحياة اللندنية 9\5\2007).
الكتاب في عيون ناقديه
أثار الكتاب سجالاً فكريًّا في الأوساط الثقافية الغربية والإسرائيلية على حد سواء. وانقسمت المراجعات النقدية للكتاب بين مؤيد ومعارض. فعلى سبيل المثال أعرب البعض عن إعجابه بمساهمة الحروب. فكان حسب رون جاكوب/ موقع ذي نت في 3/3/2007".. من أفضل ما كُتب بالإنجليزية حول حركة حماس، فهو بعيد عن التحيز ومتوازن ويخلو من الدعاية..". وقد أيّده في ذلك موقع سوشال رفيو الذي أشار في مراجعته المنشورة في يناير 2007 إلى أن الكتاب "مهم وجاء في وقته المناسب.. وهو ضروري للذين يريدون تكوين صورة عن حماس بعيداً عن وجهة نظر الإمبرياليين وحلفائهم".
أما موقع كابو فقد أكد في مراجعته المنشورة بتاريخ 30/10/2006 أن الكتاب يزوّد القارئ بجملة حقائق مهمة حول حركة حماس ويعطيه تصورا واضحا عن تاريخها ومعتقداتها وأجندتها السياسية.
وقد وجه العديد من الكتاب انتقادات حادة للكتاب، إذ اعتبر بروس وايتز من في مراجعته المنشورة في صحيفة هاآرتس بتاريخ 11/12/2006، أن الكتاب "يحمل رؤية وردية لحركة حماس، وهو متحيز وغير موضوعي، ويهدف إلى تسويق حركة إرهابية في الأوساط الغربية". وقد شاطره الرأي ذاته بيتر بيرنت في مراجعته في أسكتلاند أون سندي، والمؤرخة في 8/10/2006. في حين أعرب نهاد إسماعيل عن شكّه من أن حماس قد تجاوزت تصلبها، وأشار في موقع بلوتو بوكس بتاريخ 24/11/2006 إلى أن الحركة عاجزة عن استيعاب مختلف أطياف الشعب الفلسطيني. وهنا لا بد من الملاحظة أن الهجوم على الكتاب ينبع من خشية بعض الكتّاب الغربيين الموالين للاحتلال الإسرائيلي من أن يساهم مع غيره من الإبداعات في تغيير الصورة السلبية التي رسموها للحركة في ذهن القارئ الغربي، وما لذلك من تداعيات سياسية مختلفة على مواقف الدول الغربية من القضية الفلسطينية والحركات الفلسطينية المقاومة.
وبرغم ما للكتاب من أهمية بوصفه مساهمة عربية تقدم الذات للآخر بحيادية وبعلمية نادرة وعبر قلم متجرد، فإنه واجه مصير الكثير من الإبداعات العربية التي تبقى حبيسة النخب ورفوف المكتبات. ومع هذا، هل كل ما قاله الحروب عن حماس هو عين الحقيقة؟
لقد غفل الحروب عن الإشارة إلى تأثير نجاح الثورة الإيرانية ومقاومة الأفغان للغزو السوفياتي في التسريع في ولادة حركة حماس. كما أنه ردّد دون تمحيص ما اعتقده بعض المحللين، من أن حماس تفاجأت من فوزها الساحق، ولم يعر اهتماماً للتقارير الصحفية التي أشارت إلى أن الحركة خططت لهذا الفوز، كما أنه لم يواكب ما كان يقوله قادة الحركة قبل بدء المعركة الانتخابية من أنهم مستعدون لتشكيل الحكومة وتسلم الوزارات (هذا ما كان يصرّح به على سبيل المثال الدكتور الزهار لأتباع حماس في سجن النقب قبل الانتخابات بأشهر).
كرّس الحروب الفصل التاسع للحديث عن نماذج من قادة الحركة في غزة والضفة والخارج. وباعتقادي لا يوجد ما يبرر تجنبه الحديث عن أي من القيادات النسوية الحمساوية ذات التأثير، وهنّ متواجدات في غالبية قطاعات الحركة، والاكتفاء بما أورده عن الدكتورة مريم صالح (ص78) وهو لا يتعدّى بضعة أسطر.
ونريد أن ننوّه إلى أن الكاتب أحسن في اختيار الغلاف بما يحوي من إيحاءاتٍ ودلالاتٍ نراها ماثلةً في الصورة والألوان. وفي النهاية أدعو دور النشر لترجمة الكتاب للعربية حتى تعمّ الفائدة، وأنصح القارئ ألاّ يفوّت الفرصة لقراءة كتابٍ سيجد فيه الفائدة والمتعة.
باحث فلسطيني، حاصل على ماجستير العلوم السياسية من جامعة بيرزيت.
|