English

 

السبت. يوليو. 7, 2007

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » تركيا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

الانتخابات البرلمانية التركية ومصير الثورة الصامتة

عبد الحليم غزالي

الانتخابات المقبلة بين مستقبل تركيا وماضيها
الانتخابات المقبلة بين مستقبل تركيا وماضيها
مع اقتراب موعد إجراء الانتخابات البرلمانية التركية في 22 يوليو الجاري، يشتد الصراع بين القوى السياسية والأحزاب المشاركة في هذه الانتخابات التي ستكون محصلتها النهائية أحد اتجاهين: الأول استمرار ما يمكن تسميته بالثورة الصامتة التي ولدت مع تولي حزب العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامية السلطة بعد الفوز الساحق الذي حققه في انتخابات نوفمبر 2002، وذلك إذا ما نجح الحزب في البقاء في الحكم بمفرده.

والاتجاه الثاني سقوط هذه الثورة جزئيا أو كليا بفشل الحزب في الفوز بالأغلبية المطلقة الني تمكنه من تشكيل حكومة مرة أخرى دون شركاء مناقضين في الفكر والتوجهات؛ فالعنوان الرئيسي للانتخابات هو مصير الحزب الحاكم وثورته التي تبدت في إنهاء احتكار النخبة العلمانية للسلطة والذي تواصل منذ تأسيس الجمهورية التركية عام 1924، ربما باستثناء مشاركة حزب الرفاه الإسلامي في الحكم لفترة قصيرة خلال حقبة التسعينيات من القرن الماضي.

أجواء انتخابية مغايرة

ولا بد من التأكيد على أن أجواء الحملة الانتخابية مختلفة بشكل كبير عما كان عليه الأمر قبل الانتخابات البرلمانية السابقة؛ فأطراف الصراع السياسي تبدلت أدوار معظمهم، والقضايا المطروحة مغايرة لما هيمن على الحملة الانتخابية السابقة، كما أن تركيا بأكملها شهدت تغيرات كبيرة في اتجاهات عدة وعلى صعد مختلفة. وبإمكاننا رصد الفروقات بين الحدثين في الآتي:

أولا: حزب العدالة والتنمية يخوض الانتخابات كحكومة وليس كمعارضة، وبالتالي يتعرض للمحاسبة عن سجله في السلطة بما فيه من إيجابيات وسلبيات. وفي المقابل فإن أحزابا كانت في الحكم قبل الانتخابات السابقة هي في المعارضة الآن مثل حزب الحركة القومية بزعامة دولت بهشلي، وحزب اليسار الديمقراطي الذي انضم لحزب الشعب الجمهوري، غير أن الأخير كان في المعارضة في المرة السابقة وهو الآن يلعب نفس الدور ومثله الحزب الديمقراطي فهو وريث حزب الطريق القويم الذي كان معارضا أيضا، ومعه أحزب أصغر وأقل أهمية مثل حزب الشعب بزعامة جيم أوزان، وحزب السعادة الإسلامي بزعامة رجائي قوطان، في حين يقاطع حزب الوطن الأم هذه الانتخابات بعد الفشل في الاندماج مع الطريق القويم في الحزب الديمقراطي المشكل حديثا.

ثانيا: رجب طيب أردوغان زعيم حزب العدالة والتنمية يخوض الانتخابات هذه المرة بصفته رئيسا للوزراء وليس سياسيا معارضا مطاردا مهددا بالنبذ والإقصاء من الساحة السياسية، بما للحالتين من مزايا وعيوب.

ثالثا: القضايا الرئيسة للانتخابات السابقة مغايرة لمثيلاتها حاليا تماما؛ فالانتخابات السابقة هيمنت عليها الأزمة الاقتصادية التي ضربت البلاد في فبراير 2001، وفساد النخبة العلمانية الحاكمة ورموزها، والصراع بين الأحزاب الكبرى الممثلة لهذه النخبة. وكان ذلك كله من عوامل قوة حزب العدالة والتنمية الذي لم يكن مر على تأسيسه أكثر من عام وشهور قليلة.

أما القضايا المهيمنة على الحملة الانتخابية الحالية فهي الأوضاع الاقتصادية ولكن بدون مفهوم الأزمة. فمثلا الحزب الحاكم يتحدث عن إنجازاته الاقتصادية التي حازت شهادات من المؤسسات المالية الدولية، مثل الانخفاض الهائل في نسبة التضخم من حوالي 70% عام 2001 إلى 9.5% نهاية العام الماضي، كما زاد حجم الاقتصاد التركي بنسبة 30%، والناتج القومي الإجمالي بنسبة الثلث تقريبا، فضلا عن الارتفاع الكبير في سعر الليرة أمام العملات الأجنبية الرئيسية بنسبة تصل إلى 25%، كما نما الاقتصاد التركي بنسبة تزيد عن 7% في السنوات الأربع الأخيرة. غير أن أحزاب المعارضة تراهن على عدم تحسن حياة الأتراك كأفراد بشكل ملحوظ، بمعنى أن هناك نسبة بطالة كبيرة في البلاد تزيد عن 10%، وهناك شعور بالغلاء في الأسواق رغم انخفاض نسبة التضخم، ولنأخذ مثالا سعر البنزين يقترب من الدولارين وهو معدل مرتفع للغاية بالقياس لدخول الأفراد، لدرجة أن أبناء الطبقة الوسطى ممن يستطيعون الاقتراض والتوفير يركبون سياراتهم الخاصة في العطلات الأسبوعية والسنوية فقط لعدم قدرتهم على دفع ثمن البنزين.

وبالمناسبة فإن أحزاب المعارضة دخلت في مزايدة وعود انتخابية بخفض أسعار الوقود بما في ذلك البنزين، برغم أن الحكومة -أي حكومة- لا تستطيع أن تفعل ذلك نظرا للارتفاع العالمي في أسعار الطاقة، ولكون تركيا دولة غير منتجة للنفط أو الغاز بل على العكس هي من إحدى الدول المستهلكة بكثرة في العالم.

أبرز القضايا الانتخابية

وهناك قضية أخرى ضاغطة في الحملة الانتخابية الحالية تتمثل في مسألة الموقف الواجب اتخاذه تجاه متمردي حزب العمال الكردستاني المتمركزين في جبال شمال العراق. فأحزاب المعارضة تتهم حزب العدالة والتنمية بالتخاذل تجاههم، وعدم امتلاك القدرة السياسية على تحمل عواقب قرار غزو شمال العراق لمحاربة هؤلاء المتمردين والإجهاز عليهم. في حين تخشى الحكومة عواقب مثل هذا القرار وتداعياته الدولية والإقليمية في ظل المعارضة الأمريكية له وكذلك رفض أكراد العراق وحكومته وأطراف عراقية أخرى له، واحتمال تأثر العلاقات الجيدة مع العالم العربي بمثل هذه الخطوة. وتحاول الحكومة تجنب فخ المزايدة في هذه المسألة الخطيرة لكنها تحاول أن توحي بأن خيار التدخل في شمال العراق مطروح.

والمذهل في هذا السياق هو كشف الصحف التركية عما وصف بالسيناريو الكارثة الذي نوقش في اجتماع عقد أخيرا في معهد هاديسون الأمريكي الذي ترأسه الخبيرة في الشأن التركي زينو بوران، وحضره ممثلون عن الجيش ومسئولون في وزارتي الدفاع والخارجية الأمريكيتين، وقوباد نجل الرئيس العراقي جلال طالباني.

وملخص هذا السيناريو هو تدبير تفجير في شارع الاستقلال المزدحم في إستانبول بهدف إيقاع خمسين قتيلا على الأقل واغتيال طولاي طوغجو الرئيسة السابقة للمحكمة الدستورية التي انتهت فترة عملها الشهر الماضي، والمسارعة بإلصاق المسئولية عن الحادثين بحزب العمال الكردستاني، يلي ذلك مباشرة إقدام الجيش بموافقة الحكومة أو دون ذلك على غزو شمال العراق بخمسين ألف جندي، والهدف من هذا السيناريو إعفاء الإدارة الأمريكية من مسئولية منع تركيا من التدخل في العراق، حيث ستكون هناك مبررات أقوى من الممانعة الأمريكية، وإن كانت واشنطن ستعلن الرفض اللفظي للتدخل التركي من باب رفع العتب لا أكثر.

وقد أثار نشر هذا السيناريو ردود فعل واسعة في تركيا، ويبدو أن الحزب الحاكم استغل النشر في تصوير نفسه كحزب نقي بعيد عن ذهنية المؤامرات برغم عدم معارضته لمبدأ غزو العراق.

ولا يمكن تجاهل الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين كقضية انتخابية حتى لو لم تطرح بشكل مباشر لحساسيتها الشديدة. وهنا لا بد من تأمل معركة انتخابات الرئاسة المجهضة في البرلمان والتي انتهت بمنع حزب العدالة والتنمية من الحصول على منصب الرئيس رغم أهليته لذلك، فضلا عن الجدل والأجواء الساخنة التي صاحبتها. وهنا تجدر الإشارة إلى أن حزب العدالة والتنمية استغل المعركة لصالحه ربما أكثر من خصومه العلمانيين بتصوير نفسه على أنه ضحية لتحالف القوى العلمانية التي منعته من نيل حق هو له، حيث كان عبد الله جول نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الرجل الثاني في الحزب على بعد أقدام من المنصب لولا الحملة المنسقة ضده بدعوى منع زوجته المحجبة من دخول منزل وقصر الزعيم مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية على العلمانية كمبدأ أول للحكم يقوم على الفصل الحاد بين الدولة والدين واحتكارها له بفرض أشكال ممارسته ومساحة حضوره في حياة الأتراك العامة والخاصة بشكل لا يوجد له مثيل في أنحاء العالم.

ومن ثم كان لجوء حزب العدالة والتنمية لإجراء تعديل دستوري يقضي بانتخاب الرئيس بالاقتراع الحر المباشر وليس بواسطة البرلمان، بعد أن قضت المحكمة الدستورية بإلغاء جولة الاقتراع الأولى على جول بدعوى عدم توافر نصاب الثلثين؛ وهو ما اعتبر حكما سياسيا بالأساس، بسبب توجهات المحكمة العلمانية. واللافت للنظر أن المحكمة ذاتها وجهت لطمة للرئيس أحمد نجدت سيزار وحزب الشعب الجمهوري الذي يقود المعارضة العلمانية برفض طعنيهما في دستورية التعديل الذي أقره البرلمان ورفضه سيزار بحجة عدم وجود حيثيات مقبولة له، ومن المؤكد أن الحكم ضربة للعلمانيين بكل أطيافهم بعدما أظهروا رغبتهم في مصادرة حق الأغلبية البرلمانية أو الشعبية في اختيار الرئيس.

رابعا: ميل رجال الأعمال ونخبة المشتغلين بالمال والاقتصاد في الحملة الانتخابية الحالية لدعم حزب العدالة والتنمية رغبة في استمرار التقدم الاقتصادي الذي حققته حكومته وخشية زعزعة الاستقرار في حال تشكيل حكومة ائتلافية كما حدث قبل قدوم الحزب للسلطة، وهذا العامل لم يكن موجودًا في الحملة التي سبقت انتخابات عام 2002 وهو عامل مضاف لقوة الحزب وشعبيته.

ووفقا لآخر استطلاعات الرأي فإن حزب العدالة والتنمية مرشح للفوز بما لا يقل عن النسبة التي حصل عليها في الانتخابات السابقة، وهي 34%، لكن في حالة حصول حزبين آخرين على 10% أو أكثر، فإنه قد لا يكون قادرًا على تشكيل حكومة بمفرده؛ لذلك فإن أردوغان ركز على التصدي لحزب الحركة القومية المرشح للانضمام للبرلمان هذه المرة بالإضافة لحزبي العدالة والتنمية والشعب الجمهوري اللذين انفردا بالفوز في الانتخابات السابقة.

وفي كل الأحوال فالانتخابات المقبلة هي معركة مصير للعدالة والتنمية، بل تركيا بأكملها، فإما أن يكون ما بعدها امتدادًا للمرحلة الحالية أي حكم الإسلاميين الجدد المعتدلين، أو الدخول في مرحلة فوضى سياسية سيكون لها أثمانها الباهظة التي سيدفعها الجميع.


كاتب متخصص في الشأن التركي.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات