|
| جوناثان باريس |
يقدم الكاتب "جوناثان باريس" في هذا المقال رؤية تبدو متطرفة بعض الشيء لكيفية قيام الحكومات الأوروبية بدمج الجاليات المسلمة داخل المجتمع الأوروبي؛ إذ يربط ذلك بداية بالجمع بين هذا الدمج ومواجهة الإسلاميين "الراديكاليين".
وينطلق "باريس" في مقدمة دراسته التي جاءت تحت عنوان: "إطار لفهم تحدي الإسلام الراديكالي للحكومات الأوروبية" من أن المسلمين يمثلون خطرًا ديمجرافيا، وبأن الأجيال الحديثة من مسلمي أوروبا هم في غالبيتهم "راديكاليون" بسبب الدعاية الإسلامية في الغرب وتأثير الأئمة، واستدراجهم من قبل بعض الحكومات الإسلامية "الراديكالية" أو من لدن تنظيمات جهادية كالقاعدة.
وعلى عكس الآراء الأخرى التي تسود أوروبا الآن، والتي تقول بأنه يمكن الاعتماد على الإسلاميين المعتدلين لتعزيز اندماج المسلمين أوروبيا، فإن "باريس" يرى ضرورة أن يكون الشخص مسلمًا "عقيدة فقط" وأوروبيا في كافة الأمور الأخرى، ويقصد بذلك ألا يؤثر كون الشخص مسلمًا على رؤيته لهويته الأوروبية وما يستتبعها من نسق معين للقيم والمبادئ الاجتماعية والسياسية وغيرها. وبالتالي يكاد "باريس" لا يفرق بين أنواع الجماعات الإسلامية، فيضع الإخوان المسلمين على مقربة من الراديكاليين، ولا يكاد يفرق بين جماعات دعوية وأخرى سياسية؛ وهو ما يؤثر على كيفية تعاطي الحكومات الأوروبية مع الجاليات المسلمة بوجه عام.
وتكمن أهمية دراسة "باريس" حول الإسلام الراديكالي في أوروبا، في أنها مقدمة بالأساس إلى الحكومة الأمريكية، وفي أنها تمت بدعم من مؤسسة "هادسون" التي تُعنى بالتعاون الأوروأمريكي لمواجهة الإسلام "الراديكالي". ويمكن تقديم عرض مختصر لهذه الدراسة في السطور التالية.
تعريف بالتحديات التي تواجه أوروبا
يعتبر التحدي الديمجرافي واحدًا من الإشكاليات التي تواجه أوروبا اليوم. وينبع هذا التحدي من عاملين، هما: ارتفاع معدل المواليد بين المهاجرين المسلمين في مقابل الانخفاض "المزعج" للمعدل ذاته بين الأوروبيين، وتوقع أن تتحول بعض المدن الأوروبية إلى مدن ذات أغلبية مسلمة ما بين عامي 2020 و2025 نظرًا لتوقع زيادة معدلات الهجرة من البلدان المسلمة بالرغم من القيود التي تفرضها الحكومات الأوروبية للحد من هذه الهجرة.
وعلى سبيل المثال، نجد مدينة مثل "برادفورد" في بريطانيا التي استقبلت إحدى أقدم الهجرات، ألا وهي هجرة الباكستانيين إلى بريطانيا في أثناء الحرب العالمية الثانية، قد ارتفع فيها عدد المسلمين بشكل لافت. فوفقا لبعض الإحصائيات كان عدد المسلمين عام 1991 حوالي 64.000 مسلم، أي ما يقرب من 13% من إجمالي عدد السكان. وفي عام 2001 وصل عدد المسلمين إلى 94.000 نسمة، بنسبة 20% من عدد السكان، ومن المتوقع في عام 2011، أن يبلغ عدد المسلمين بالمدينة نحو 30% من إجمالي سكانها و50% من طلابها.
إن التحدي الذي تواجهه أوروبا أبعد من مجرد البحث عن سياسة دمج ناجحة للجاليات الإسلامية المتنامية الصعود داخل المجتمعات الأوروبية التي يعيشون فيها؛ لأن هذا الأمر يجب أن يصاحبه كيفية مواجهة الحكومات الأوروبية للمسلمين "الراديكاليين"، خاصة مع بروز جيل جديد من الشباب الأوروبيين المسلمين.
وعندما نتحدث عن سياسة ما للاندماج، فإننا نعني بذلك الذهاب إلى ما هو أبعد وأعمق من مجرد تعلم اللغة أو توفير فرص العمل، بل إن الهدف الأساسي والأكثر تأثيرا لتلك السياسة لا بد أن يتضمن العمل على تشبع الجاليات الإسلامية بالهوية والثقافة الأوروبية، لكن ثمة العديد من التحديات التي تواجه سياسة كتلك، أهمها: غياب الهوية الأوروبية وتراجع الشعور بالانتماء داخل الدول الأوروبية؛ فروح الانتماء تكاد تكون ضعيفة، إن لم تكن منعدمة في كثير من الأحيان، خاصة في غرب أوروبا.
وبالتالي فمن غير المتوقع أن تندمج تلك الأقلية الإسلامية داخل أوروبا التي تعاني بدورها من انحصار وتآكل لهويتها ولوطنيتها، خاصة في ظل التصاعد الملحوظ للهوية الإسلامية بين الجاليات المسلمة في أوروبا. ويرجع ذلك إلى الرسائل الموجهة من قبل الأئمة في الداخل والإعلام العربي والإنترنت في الخارج التي لا تستطيع أوروبا العلمانية مواجهتها.
فما تبثه تلك الوسائل ينمي روح الانتماء الإسلامي، وهو ما يتبين في كثير من الأحيان في عدة ظواهر من بينها: تفاعل مراهق في روتردام بصورة كبيرة مع جيرانه من شمال إفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا عن جيرانه غير المسلمين، ثم يتم تشكيله من خلال الأئمة ووسائل الإعلام العربية. وفي المرحلة الأخيرة قد يتطور الأمر عندما يقع هذا الشاب عند بلوغه 19 عاما تحت تأثير كاريزمية أحد رجال الدين في أحد المساجد أو إحدى الجماعات، ثم يبدأ صعود سلم الإسلام الراديكالي.
بالإضافة إلى ذلك فإن السياسة الخارجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط خلقت نوعًا من التعاطف مع الأقليات الإسلامية في أوروبا، وهو ما فسره بعض الإسلاميين المعتدلين في أوروبا بالقول إن المسلمين يعانون من الاضطهاد في كل مكان نتيجة رفض الغرب للإسلام؛ الأمر الذي يزيد من تمسكهم بهويتهم الإسلامية.
ويتبين مما سبق أن مشروع الدمج يفتقد لعناصر نجاحه، والتي من المفترض أن تعمل على جذب الجاليات الإسلامية للهوية الأوروبية لقطع الطريق على الراديكاليين. في حين يتميز المشروع الإسلامي بعوامل ومقومات النجاح التي تمكنه من ترسيخ الانتماء الإسلامي داخل الجاليات الإسلامية في أوروبا.
استجابة الحكومات
لقد حاولت الحكومات الأوروبية خلال السنوات السابقة مواجهة هذه التحديات ولكنها لم تستطع حتى الآن أن تضع خطة طويلة الأمد لمواجهة تصاعد الإسلام "الراديكالي" وتأثيره على المجتمعات الإسلامية التي تعيش في أوروبا. فقد عملت الحكومات الأوروبية في أربعة اتجاهات غير مناسبة، وهي:
أولا: إهمال المحايدين "Fence Sitters": فلم تعط الحكومات الأوروبية الاهتمام لما يسمى بـ"المحايدين" في النطاق الإسلامي بأوروبا الذين يعتبرون عنصرًا مهمًّا يمكن الاعتماد عليه لقطع الطريق على "الراديكاليين" الإسلاميين الذين يسعون إلى استقطاب هؤلاء المحايدين بشتى الوسائل.
ولكن هناك بعض العوامل السلبية التكتيكية التي تحيط بهذه السياسة لعدم رغبة بعضهم في التعامل مع الحكومات الأوروبية ومراوغة بعضهم الآخر من أجل تحقيق مصالحهم. ففي بعض الأحيان نجد منهم من هو هدف إستراتيجي سهل ليتعاون "مخابراتيا" مع دول راديكالية كإيران، أو تنظيمات جهادية كالقاعدة أو غيرها من الجماعات "الراديكالية" الإسلامية. وقد صرح "بيتر كلارك" رئيس مكافحة الإرهاب في بريطانيا في 24 إبريل 2006 أن كثيرين من الذين تمت محاكمتهم بتهمة الإرهاب كانت لهم علاقات مع بعض أجهزة المخابرات الأجنبية.
ثانيا: الوسائل العقابية: خاض الجانب الأوروبي حربًا طويلة للقضاء على الراديكاليين من خلال تجريمهم ومحاكمتهم واستخدام العديد من الوسائل العقابية. في حين يحاول الجانب الآخر صد ما يعتبره هجمة إيديولوجية عليه بشتى الطرق الاجتماعية والقضائية. ويتبع الأئمة وسائل الإقناع والتعبئة الإعلامية؛ وهو ما يؤدي إلى تزايد الراديكالية. وعليه، تصبح قوانين العقوبات والتجريم التي تركز على الجانب العملياتي لا الجانب "التحريضي والإقناعي" غير مجدية لأنها لا تقضي على أسباب وجذور الراديكالية.
ثالثا: الوسائل العسكرية: تسعى الولايات المتحدة إلى استخدام الوسائل العسكرية كحل في هذه الحرب الإيديولوجية، إلا أن هذه الوسائل لم تثبت كفاءتها حتى الآن. ويرجع ذلك إلى أن الوسائل العسكرية تسعى وراء الإرهابيين -الطرف الأخير في مشروع الراديكالية- لا وراء العقل المدبر الذي يحرك ويحرض لمثل تلك العمليات الإرهابية. هذا المعنى ورد في سؤال وجه إلى وزير الدفاع الأمريكي السابق "رامسفيلد" في 16 أكتوبر 2003 بصدد الحرب على أفغانستان، هو "هل علينا التراجع كلما بذلنا جهدا أكبر؟". هذا التساؤل بحد ذاته يؤكد ما سبق ذكره حول تزايد عدد المقاتلين الإرهابيين، وبالتالي يصعب الوصول إلى العقول المدبرة لمثل هذه العمليات.
رابعا: اتجاه الإسلام السياسي: سعت الحكومات الأوروبية إلى التعاون مع تيار الإسلام السياسي كالإخوان المسلمين وغيره من الجماعات من أجل عزل الراديكاليين المتشددين. لكن لم تؤد هذه السياسة إلى النتائج المرجوة لما شابها من غموض وتضليل. فقد جاء الكثير من القادة المسلمين إلى أوروبا وقدموا أنفسهم بمظهر الاعتدال. ولو نظرنا إلى أجندة الإخوان المسلمين فسنجدها غير عنيفة لكنها سياسة ذات خلفية إسلامية لدفع مسلمي أوروبا إلى المشاركة في الحياة السياسية والذهاب لصناديق الاقتراع للوصول يوما ما إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في المسائل المدنية والبلدية؛ وهو ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى القضاء على مبادئ العلمانية والمساواة بين الرجل والمرأة.
وأخيرًا سيرسخ ذلك مفهوم التفرقة بين المسلمين وغير المسلمين في أوروبا؛ وهو ما يدمر صميم سياسة الاندماج. وقد يصل الأمر إلى تحول بعض الضواحي في أوروبا إلى مناطق محرمة على غير المسلمين. وقد بدأ ذلك يتحقق بالفعل في بعض المدن الصغيرة كمدينة "أونتريب" البلجيكية، حيث بدا الإسلاميون أكثر نشاطا وكثافة في الضواحي ذات الأغلبية المغربية، في حين بدأ السكان الأصليون ينزحون من تلك الضواحي إلى مدن أخرى أو دول أخرى.
مقارنة بين الأسلوبين البريطاني والفرنسي
وفي محاولة لتقييم سياسات الحكومات الأوروبية من أجل الوصول لأفضل وسيلة لتحقيق اندماج ناجح للأقليات الإسلامية في أوروبا، نجد أمامنا أسلوبين مهمين، هما البريطاني والفرنسي. وبوجه عام، نجد أن النموذج البريطاني يتعامل مع الأقليات عامة والمسلمين خاصة وفق مبدأ التعددية الثقافية بين الشعوب المختلفة وتوفير الفرص الاقتصادية للمسلمين من أصل بريطاني. وفي المقابل تعاني فرنسا من انعدام فرص العمل للمهاجرين من أصول إفريقية.
ولكن عندما نأتي لمواجهة الراديكاليين، يعمل النموذج الفرنسي العلماني على نشر الثقافة والقيم الفرنسية ومنع وتقييد أي نوع من الشعارات الدينية أو العرقية بين الأقليات المختلفة. وهو النموذج الأشد عنفا وتقييدا من النموذج البريطاني والدول الأوروبية. فالنظام الفرنسي يحظر التصريحات والخطب العدائية ويسمح بالقبض على مثيري الشغب في الشوارع، وهذه المعايير تجعل النظام الفرنسي قادرًا على ضبط الأئمة المتشددين من البداية.
وفي هذا السياق يمكن القول إن النموذج الفرنسي يعمل بشكل جيد. ويرجع الفضل إلى السياسات الرادعة التي تتخذها الحكومة الفرنسية لأي مظهر من مظاهر التشدد، بالإضافة إلى مبادئ العلمانية التي تعتبر نقطة حمراء لا يمكن تخطيها. وبالتالي فإن النظام الفرنسي هو الأكثر فاعلية لاجتثاث جذور الإسلاميين المتشددين. أما النموذج البريطاني فيعطي مساحة كبيرة من الحرية على خلفية التعددية الثقافية، ويسمح بالحوار والنقاش مع بعض المؤسسات الإسلامية الرسمية كالمجلس الإسلامي في بريطانيا. وهذه السياسة لم تشجع الأصوات المعتدلة بين الإسلاميين في بريطانيا، بل أدت في النهاية إلى تمكين بعض القادة الراديكاليين من نشر الفكر المتشدد بين مسلمي بريطانيا.
وفي النهاية هل تواجه أوروبا مشكلة مستعصية على الحل؟ إن مواجهة تنامي السلبيات التي تطرأ على هجين المجتمع الأوروبي ليست بالأمر الهين. فعلى الرغم من أن عملية دعم القيم والمبادئ الأوروبية كانت ولفترة طويلة محور اهتمام الكثير من الحكومات الأوروبية وأهمها بريطانيا، فإن النظام الفرنسي العلماني والذي يعمل على فرض الثقافة الفرنسية يوفر لفرنسا درعا إيديولوجيًا أمام تصاعد الهوية الإسلامية التي تعتبر إحدى خصائص الإسلام السياسي. وفي الوقت ذاته يسعى الرئيس ساركوزي الآن إلى العمل على توفير فرص العمل للعاطلين والمهشمين من الشباب ذوي الأصول الإفريقية.
بالإضافة إلى ذلك فإن الحكومات الأوروبية يجب أن تعمل على تعبئة قيادة إسلامية داخل أوروبا للعمل بشكل فعال في بناء جسور للحوار مع المجتمعات الإسلامية. إن التوازن الحقيقي الناتج عن بناء الجسور قد أسفر في التجارب التاريخية عن نتائج ناجحة مع المهاجرين من مجتمعات مختلفة خاصة في بريطانيا، عندما هاجر الكثير من الهنود من أوغندا بعد نفيهم بأيدي نظام عيدي أمين في السبعينيات، ولقد أصبحوا الآن نموذجًا ناجحًا في المجتمع البريطاني. ولكن أين نحن من دمج وبناء الجسور بين المسلمين والشعوب الأوروبية؟ الأمر يحتاج إلى العديد من العناصر حتى نتمكن من تحقيق النجاح وسط السياسة الخارجية غير العادلة، وثقافة الضحية والشعور بالتهميش والتي تحتاج إلى سياسة اجتماعية واقتصادية.
وبالتالي يمكن اختصار العوامل التي تواجه الحكومات الأوروبية في الآتي: أولا: تعريف العوامل الديمجرافية والتي تؤثر على قدرة الدمج الإيجابي. ثانيا: راديكالية مسلمي أوروبا لا تعتبر جريمة أو مشكلة إرهابية تواجه فقط بالوسائل العقابية. ثالثا: تمكين قياديين داخل التجمعات الإسلامية ممن يتمتعون برؤية عالمية ذات خلفية سياسية لا خلفية دينية. وهنا يجب أن تأخذ الحكومات بعين الاعتبار تجربة المؤتمر الإسلامي الألماني الجديد الذي يضم مجموعة من المسلمين العلمانيين الذين يريدون الحصول على فرص اقتصادية ويعرفون أنفسهم بأنهم أطباء ومعلمون ومهندسون وطلاب، في حين هم مسلمون فقط وفق مفاهيم عقيدتهم. أخيرا أوروبا يجب عليها أن تبدأ في تقوية المبادئ السياسية والاجتماعية التي تقوم عليها القيم الأوروبية، في حين عليها أن تتبع من السياسات داخل المجتمعات المهاجرة "المسلمة"؛ وهو ما يجعل الفرد مسلمًا وأوروبيا في آن واحد.
محلل متخصص في شئون الشرق الأوسط والحركات الإسلامية والإسلام "الراديكالي" في أوروبا بمؤسسة هادسون بواشنطن. عمل محللا في مجلس العلاقات الخارجية بالولايات المتحدة، وقدم بعض الدراسات لوزارة الدفاع الأمريكية، ومعلق وكاتب في عدد من الصحف والفضائيات الأمريكية والبريطانية.
*المقال نشرته مؤسسة هادسون على موقعها الإلكتروني في مايو 2007 تحت عنوان "إطار لفهم تحدي الإسلام الراديكالي للحكومات الأوروبية". وهو موجز لدراسة أعدها المؤلف نهاية عام 2006 حول الإسلام الراديكالي في أوروبا، وقدمت إلى الحكومة الأمريكية.
|