|
يؤكد تعيين توني بلير موفدا لما يسمى "اللجنة الرباعية للشرق الأوسط" أمرين:
أولهما أن صانعي القرار الدولي المتحكّم في القضية المحورية لبلادنا يتخذون قراراتهم بمعزل عن إرادة شعوبنا التي لا يخفى رفض غالبيتها العظمى له بسبب تاريخه القريب، وبمعزل عن حكومات بلادنا أيضا، التي وإن كانت لا تجد حرجا في التعامل مع بلير فربّما حسبت حساب المعارضة الشعبية له لو جرت مشاورتها قبل اتخاذ قرار تعيينه.
والأمر الثاني أنّ القوى الدولية التي تفرض نفسها على صناعة القرار في قضية فلسطين، لم تغيّر النهج الذي تتبعه، بل تصرّ على التمسّك به إلى درجة الاستهانة المطلقة بالشعوب والحكومات المعنية، التي تعاني من سياسات وممارسات عدوانية تدفع ثمنها دماءُ فلسطين والعراق وأفغانستان وسواها، ومسؤوليةُ بلير عن ذلك أسقطتْه، إذ لم يعد "شعب بلده" يحتمل النتائج، فكيف "يُفرض" دوره الجديد على شعوب البلدان المستهدفة؟
الحرب بين سقوط بلير وتكريمه
هل سقط توني بلير سياسيا أم ترك منصبه طواعية في إطار مجرى تبدّل السلطات التقليدي في بريطانيا؟.. سؤال من المفروض ألاّ يُطرح، فجوابه معروف. منذ وضع بلير نفسه وبلده في موقع الحليف الأشبه بالتابع، لواشنطون في حملة عسكرة الهيمنة بدءا بأفغانستان، وصولا إلى العراق، لم ينقطع انحدار مستوى شعبيته، وضمور حجم تأييد حزبه، عاما بعد عام، إلى أن وصلت المعارضة إلى داخل الحزب نفسه، وفتحت أبواب تفضيل غريمه القديم براون ليحلّ مكانه.
ولو أنّ عُشر معشار حصيلة الضحايا في أفغانستان والعراق لتلك المغامرات العسكرية، كان من نصيب بلد غربي، وليس في بلدان إسلامية، لسقط بلير في فترة سابقة، وربّما وصل الأمر إلى محاكمته بصورة أخزى ممّا صُنع مع سلوبودان ميلوسوفيتش أو صدام حسين.
إنّما لا تكفي العبارة التعميمية القائلة إنّ الحرب في أفغانستان والعراق قد أسقطت بلير، ففيها لَبْس كبير، من بين وجوهه الظنّ أنّ ما وقع من المآسي قتلا وتشريدا وتدميرا هو سبب سقوطه، والأصحّ أنّ التجاوب الشعبي الإنساني الكبير في بريطانيا ودول غربية أخرى مع ما يجري في البلدان الإسلامية في ظلّ الهجمة الجديدة للهيمنة -بما في ذلك فلسطين كما تؤكّد حملات المقاطعة الشعبية البريطانية للإسرائيليين- يقابله في الحياة الحزبية السياسية البريطانية السؤال عن الإخفاق من زاوية أخرى، فلو حققت الحرب أهدافها هيمنة وسيطرة، بهذا الثمن أو أكثر، لساهمت في تعزيز موقف بلير سياسيا وحزبيا وليس في إسقاطه. وقد ظهر قبل عامين على الأقلّ أنّ الإخفاق واقع لا محالة، وبقيت اللعبة السياسية والحزبية جاريةً في بريطانيا، تواكب محاولات البحث عن مخرج "مشرّف" أو الوصول ولو إلى بعض أهداف الحرب.
إنّ استيعاب طريقة التفكير الغربية الرسمية على صعيد المسؤولية عن أحداث تجري خارج الحدود الغربية، يتطلّب دوما التمييز بين منظوري الفاعل والضحية، منظور صانع القرار في الغرب، ومنظور الضحايا أو المستهدفين بمجرى الأحداث، بما في ذلك الحروب.
لو شملت جوائز نوبل "جائزة حرب" بدلا من جائزة سلام، لكان بلير جديرا بها، ولا يخرج ذلك عن طريقة التفكير الغربية، وهو ما يؤكّده منح بلير في عام الحرب الأطلسية تحت عنوان تحرير كوسوفا، جائزة "كارل" أو "شارلمان" التي تُخصص في مدينة آخن، عاصمة شارلمان التاريخية، لمن يقدّم "إنجازا كبيرا" على الصعيد الأوروبي.
ليست الحرب بحدّ ذاتها هي المرفوضة أوروبيا، على المستويات الرسمية والحزبية، بل المرفوض أن تكون حربا خاسرة، فكسبها يحقق التكريم، وخسارتها تؤدّي إلى السقوط، وإن سبقه التكريم، أمّا ضحاياها وحصيلتها على حساب شعوب وبلدان أخرى، فليست معيارا لهذا أو ذاك.
الوساطة الملغومة
من يتحدّث من الغربيين عن بلير وحياته السياسية بعد سقوطه، يبرز عادة دوره في تحويل مسيرة الحرب في أيرلندا الشمالية على امتداد بضعة وعشرين عاما، إلى اتجاه قد يفضي إلى تثبيت دعائم السلام. ومن يتحّدث عن توقعات إيجابية ما من دور بلير الجديد موفدا دوليا في قضية فلسطين، أي ما يسمّونه "أزمة الشرق الأوسط"، يستشهد أوّل ما يستشهد ببراعة بلير في تسيير المفاوضات، بدليل ما حققه على جبهة أيرلندا الشمالية.
إلاّ أنّ من يطلب استشرافا منهجيا لِما يمكن أن يوصل إليه تحريك بلير دوليا على الساحة الفلسطينية والعربية، لا ينبغي أن يكتفي بتعداد الفروق بين حرب أيرلندا الشمالية وقضية فلسطين، بل ينبغي أن يضيف إلى ذلك الفروق بين طريقة التفكير الغربية تجاه حدث يجري على الأرض الغربية، أطرافه غربيون، وحدث يجري على أرض خارج حدودها، لا سيّما عندما يكون أحد الأطراف بلدا إسلاميا أو من بلد إسلامي.
دون الدخول في التفاصيل يمكن التنويه بأمرين اثنين:
الأمر الأول: إنّ الدخول في عملية "سلام" في أيرلندا الشمالية اقترن بالتعامل المباشر مع الطرف المتهم بالإرهاب فيها، أي بالاعتراف به أو بمن يمثله سياسيا، والدخول معه في مفاوضات سياسية، ولم يكن شرط هذا الاعتراف وتلك المفاوضات أن ينزع نفسه من جلده، أي أن يعلن تخليه مسبقا عن ثوابته ومطالبه وأهدافه، ولا كانت الوسيلة إلى ذلك حصارا دوليا شاملا للشعب، ولا مطالبة بوقف إطلاق النار من جانب واحد يعيش تحت القصف الإجرامي المتواصل، ولا بالاعتراف المسبق بوضع قائم هو بالنسبة إلى أيرلندا الشمالية الوجود البريطاني المهيمن عسكريا وسياسيا منذ أكثر من 400 عام، فهل يمكن انتظار أي خطوة من هذا القبيل من جانب الموفد الدولي الجديد، أو الوسيط النزيه الجديد، في قضية فلسطين، تجاه شعبها ومقاومتها المسلّحة، علما بأنّ بلير كان طرفا في سلوك الطريق الآخر المناقض جملة وتفصيلا، لسائر ما مارسه هو في مسألة أيرلندا الشمالية، وهو ما يسري على فلسطين وسواها.
الأمر الثاني: إنّ مشكلة أيرلندا الشمالية أصبحت في مسيرة أوروبا سياسيا من المشكلات التي وصل استخدام العنف والعنف المضاد فيها إلى أقصاه -كمشكلة الباسك في أسبانيا- فبقيت من مخلفات عهود الحروب الأوروبية القديمة المتطاولة، وتناقض استمرارُها أوروبيا مع جميع ما يسري الالتزام به منذ الخروج من أتّون الحروب المحلية عقب الحرب العالمية الثانية.
أما قضية فلسطين، فلا يصحّ ذكرها في مقارنة مع قضية أيرلندا الشمالية، لأسباب عديدة، أهمّها في سياق الدور الممنوح لبلير، أنّ قضية فلسطين لم تنشأ في حدود ما يشمله إرث الحروب الأوروبي المحلي، وبالتالي لا علاقة لها بما تشمله حديثاً إرادة السلام المحلي الأوروبي، بل نشأت في دائرة الحدث العالمي، وترتبط تاريخيا بمرحلة ما بعد الاستعمار التقليدي الأوروبي، وانتقلت لاحقا إلى مرحلة ترسيخ الهيمنة الغربية منذ الحرب العالمية الثانية. هي إذن من القضايا العالمية "التاريخية-المستقبلية" بامتياز، أي من القضايا التي لا يرتبط مستقبل تعامل بريطانيا معها بوجود بلير وعدم وجوده في السلطة، كما أنّ مستقبل تعامل القوى الدولية معها، بما في ذلك ما يسمّى اللجنة الرباعية، يبقى من قبل تعيين بلير موفدا لها ومن بعد، مرتبطا بتثبيت دعائم الهيمنة الأجنبية، ولا يمكن أن يتحوّل هذا التعامل إلى هدف إزالة الهيمنة الأجنبية، فلن تتناقض القوى الدولية مع ذاتها، إلاّ إذا "أكرهت" على ذلك.
هنا أحد مكامن الخلل في ربط ما قد يصنعه بلير في قضية فلسطين بخبرة قديمة ما، أيا كانت، باستثناء خبرته مع المنطقة المعنية، أي مع البلدان العربية والإسلامية، كما هو الحال مع أفغانستان والعراق وفلسطين نفسها، وليس مع أيرلندا الشمالية وسواها.
ومن هنا، ومع مراعاة فروق المنظور الغربي إلى ما يجري داخل الحدود الغربية وخارجها، لا يمكن موضوعيا أن يُنتظر من بلير دور وسيط نزيه في قضية فلسطين، بأي معيار من المعايير، إلاّ إذا انقلب الرجل على نفسه وخرج من جلده وتاريخه السياسي والعسكري، على غرار ما نشهده جزئيا من جانب الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، بعد أن تطاولت الفترة الزمنية الفاصلة بينه مؤلّفا ومحاضرا، وبين ما كان عليه في منصب اتخاذ القرار السياسي، وهذا أمر مستبعد على بلير، في المستقبل المنظور على الأقلّ.
بلير ومنجزاته
يغلب على من يتحدّث في موضوع بلير ودوره الجديد، مرحّبا أو ناقدا ورافضا، أن يقف وقفة ما عند بوائق ما صنع في العراق وأفغانستان، ولكن للتسليم فيما عدا ذلك بأنّه صاحب منجزات كبيرة في ميادين أخرى، مع التنويه إلى جانب أيرلندا الشمالية، بمؤشرات معينة، على الصعيد البريطاني الداخلي مثل تحقيق الفوز لحزبه العمالي ثلاث مرات متوالية، أو على الصعيد الأوروبي مثل حفاظه على "شعرة معاوية" مع البلدان الأوروبية الأخرى رغم ارتباطه "المصيري" بالولايات المتحدة الأمريكية، وما شابه ذلك. هل يمكن التسليم بمقولة المنجزات الكبيرة على هذين الصعيدين فعلا؟.. يمكن الاكتفاء إيجازا بما صنع بلير لشعبه.
أنتوني تشارلس لينتون بلير المولود عام 1953م، تحرّك في حزب العمال البريطاني عام 1983م، ووصل إلى الصف الأوّل في الحزب بعد بضع سنوات، واستلم رئاسته عام 1994م عقب وفاة رئيسه جون سميث، وكان إنجازه الأول والأكبر فوز حزبه بعد ثلاثة أعوام فوزا "ساحقا" في الانتخابات النيابية. وكما هو الحال مع معظم الحكومات الغربية، يبقى العنصر الحاسم في الفوز الانتخابي عنصرا داخليا، لا سيما في الميدان الاقتصادي والمعيشي. وكان العنصر المميز لبلير هو ما سمّي الطريق الثالث في أوروبا ما بعد الحرب الباردة، فتحت هذا العنوان تحرّك مع قادة أوروبيين آخرين لأحزاب يسارية، لينتقل بتلك الأحزاب إلى ما سمّي "يسار الوسط" أو الطريق الثالث، الذي جمع ما بين الحدّ الضروري من "بقايا" ضمانات اجتماعية، وأقصى ما يمكن أخذه من السياسات الاقتصادية الرأسمالية لأحزاب اليمين.
ويشير معارضو مقولة نجاح بلير اقتصاديا بالمقارنة مع دول أوروبية أخرى، إلى أنّ الآخرين، مثل جيرهارد شرودر في ألمانيا، واجهوا صعوبات كبيرة، بسبب وجود شبكة ضمانات اجتماعية واسعة النطاق، وحركة نقابية عمالية قوية في بلدانهم، أمّا بلير فوجد الطريق ممهّدا أمام تحقيق هدفه، نتيجة ما صنعه حزب المحافظين بزعامة مارغريت تاتشر من قبل، أي القضاء على الضمانات الاجتماعية وتقويض أسس الحركة النقابية، مقابل ترسيخ أقدام ما بات يعرف بالرأسمالية المتشدّدة.
هذا المنطلق جعل القليل الذي قدّمه بلير من الضائع سابقا، إنجازا كبيرا في نظر أنصاره. إنّ الأرضية الرأسمالية المتشدّدة على حساب الفئات الأضعف اجتماعيا، جعلتها تؤيّد أيّ إنجاز يحقّقه حزب العمال بزعامة بلير، مهما كان محدودا، خشية من "الأسوأ" اجتماعيا المتمثل في حزب المحافظين، وهم من أوجدوا تلك الأرضية، التي لم يقض بلير عليها ولا حاول ذلك أصلا.
وما وصفه بعض الصحف البريطانية بأنّه أطول وداعٍ سياسي، أي طول فترة بقائه بعد ظهور حتمية رحيله، يعني واقعيا أنّ استمرار وجود بلير على رأس حزبه وحكومته بات منذ زمن طويل عبئا كبيرا بسبب الحرب، ولكن لم يوجد تبدّل يستحق الذكر في الموقف الشعبي من السياسات الاقتصادية والداخلية والأوربية، فقاوم بلير السقوط حتى اللحظة الأخيرة، حتى إذا حانت تلك اللحظة، جاءت مساعي بوش الابن لإعطائه دورا جديدا، تعبيرا عن الشكر على التحالف الدامي، من جانب مَن لا يختلف وضعه الداخلي كثيرا عن وضع بلير، وكان احتمال سقوطه أكبر بكثير لو كان النظام الحزبي والسياسي في الولايات المتحدة الأمريكية شبيها بما هو عليه في بريطانيا.
كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.
|