English

 

الخميس. يوليو. 5, 2007

الإسلاميون » عمل مسلح

أرسل لصديق  
   
روابط من إسلام أون لاين
روابط خارجية

المراجعات .. من الجماعة الإسلامية إلى الجهاد

إعداد - يسري العزباوي

الشعار الجديد للجماعة الإسلامية
الشعار الجديد للجماعة الإسلامية

عشر سنوات مرت، منذ أن أصدر ستة من القيادات التاريخية للجماعة الإسلامية المصرية، في الخامس من يوليو 1997، بيانا قصيرا أعلنوا فيه دعوتهم إلى وقف كافة الأعمال القتالية داخل البلاد وخارجها.

قد عرف هذا البيان بعد ذلك بـ "مبادرة وقف العنف"، وكان إيذانا بإحداث تغيرات كثيرة على المشهد المصري، لسببين:

أولاً- لأن الجماعة كانت مسئولة عن أكثر من 95% من عمليات العنف في فترة التسعينيات.

ثانيا- لأنه قد فتح المجال أمام ظهور عملية "المراجعات الفقهية"، والتي ارتبطت مصطلحا ومضمونا بتلك العملية الفكرية المعقدة والطويلة التي قامت بها الجماعة الإسلامية، وامتدت بعد ذلك بعشرة أعوام إلى الجماعة الإسلامية الثانية الأكبر في مصر، وهي تنظيم "جماعة الجهاد"، الأمر الذي يؤكد أن ثمة تحولات على الحالة الإسلامية في مصر.

من ملف المراجعات:

حول هذه المراجعات وطبيعتها ودلالاتها وإشكاليات ومعوقات هذا التحول وتأثير هذه المراجعات على الحركات الإسلامية في مصر والسيناريوهات المتوقعة للعلاقة بين الدولة والحركات الإسلامية بعد إتمام هذه المراجعات، عقد مركز الدراسات السياسية والإستراتجية بالأهرام ندوة يوم 30 يونيو 2007، تحت عنوان: "المراجعات.. من الجماعة الإسلامية إلى الجهاد". وضمت الندوة عددا من الخبراء والمتخصصين في شئون الحركات الإسلامية لمناقشة هذه المحاور والوقوف على الأبعاد المتعددة لظاهرة المراجعات نظريا وعمليا.

اقرأ في هذا الموضوع:

أولا: جماعات العنف وسياق المراجعات

ضياء رشوان

يستلزم الحديث المدقق عن المراجعات تحديد معناها من الناحية النظرية ومضمونها في حالتها التطبيقية لدى الجماعتين الإسلاميتين المصريتين. هذا ما يؤكد عليه الأستاذ ضياء رشوان الخبير في الجماعات الإسلامية ورئيس تحرير "دليل الحركات الإسلامية في العالم" الصادر عن مركز الدراسات السياسية بالأهرام. ويرى رشوان أن الأقرب للدقة هو أن المراجعات التي قامت بها الجماعة الإسلامية وتشرع حاليا جماعة الجهاد في الانتهاء منها ينصرف معناها إلى إعادة قراءة مزدوجة قامت بها الجماعة الأولى وتستكملها الثانية حاليا.

القراءة الأولى للأفكار التي كانت الجماعتان تتبنيانها في الماضي، والقراءة الثانية لهذا الماضي نفسه وما قامتا به من أعمال وممارسات صارت اليوم جزءا من التاريخ. هذه القراءة المزدوجة تضمنت بداخلها عمليتين سارتا بشكل متواز ومتداخل وكانت حصيلتهما هي ما صرنا نطلق عليه "المراجعات": الأولى هي النقد العميق والجذري لأفكار الماضي وممارساته، والثانية هي صياغة نسق فكري وأيديولوجي جديد منقطع الصلة بالقديم تبنته الجماعتان وصار هو المحدد لحركتهما في الحاضر والمستقبل.

أما مضمون المراجعات فهو في الحالتين قيام كل من قيادات وأعضاء الجماعتين بتحويل الموقف المبدئي الذي اتخذتاه منذ عام 1997 بوقف اللجوء إلى العنف إلى موقف فكري يستند على أسس شرعية ونظرية تتوج هذا القرار وتحوله من مجرد قرار حركي إلى نهج فكري وعملي تتحول بموجبه الجماعتان من فئة إلى أخرى من فئات الحركات الإسلامية.

فالجماعتان كانتا منذ تأسيسهما وحتى قرار وقف العنف تنتميان إلى ما يطلق عليه "الجماعات الإسلامية الدينية الجهادية المحلية" التي كانت تعتقد أن الخلل الحقيقي يقع في عقائد المسلمين نظما ومجتمعات وأفرادا، وأن تصحيح تلك العقائد هو المهمة الأولى التي لا يمكن إنجازها سوى باللجوء إلى العنف والقتال الذي اصطلحوا على تسميته "جهادا"، والذي يفتح الطريق حسب تصورهم أمام إعادة أسلمة المجتمع والدولة وتأسيسهما من جديد على قواعد الإسلام الصحيح.

وباتخاذ قرار وقف العنف وإتمام المراجعات الفكرية من جانب الجماعة الإسلامية ودخولها للمراحل الأخيرة من جانب جماعة الجهاد، تنتقل الجماعتان إلى فئة الجماعات الإسلامية السياسية - الاجتماعية السلمية الوسطية التي لا ترى خللا في عقائد المسلمين أفرادا ودولا ومجتمعات ولا تبيح ممارسة العنف بأي صورة ضدهم، بينما تضع في مقدمة أولوياتها إعادة تنظيم أوضاعهم الدنيوية وفقا لما ترى أنه قواعد الشريعة الإسلامية التي لا يمكن تطبيقها سوى بالوسائل السلمية. وبالتالي فما يحدث هو انتقال من ساحة جماعات الغلو والتشدد الضيقة والمحدودة سواء في التاريخ أو الواقع الإسلامي، إلى ساحة الجماعات الوسطية المعتدلة الواسعة والتي تمثل صلب التاريخ والواقع الإسلامي.

هذا الجوهر للتحول الكبير للجماعة الإسلامية أولا ثم لجماعة الجهاد حاليا يعد الأبرز والأكبر من نوعه الذي يجري في العالم كله خلال العصر الحديث. فالجماعتان من حيث الحجم تعتبران من الجماعات الكبيرة حيث تضمان آلافا عدة من الأعضاء، وهما من حيث ممارسة العنف كانتا الأكثر لجوءا إليه خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي والمسئولتان عن كافة عمليات العنف والإرهاب التي عرفتها مصر خلال تلك الفترة.

ورغم اتفاق سياق المراجعات في الحالتين في عديد من العناصر، فمن الأهمية القول أن سياق مراجعات الجماعة الإسلامية بدا مختلفا إلى حد ما عن ذلك الذي أحاط بمراجعات جماعة الجهاد. ففي داخل مصر وبالنسبة للجماعة الإسلامية، كان عام 1997 الذي أصدرت في منتصفه مبادرتها لوقف العنف يمثل العام الخامس من العنف الديني المتواصل الذي تقوم به في مختلف مناطق مصر وبخاصة في محافظات الجنوب، والذي أوقع آلاف الضحايا القتلى والجرحى في صفوف رجال الأمن وأعضاء الجماعة والمواطنين والسائحين الأبرياء العزل. في نفس الوقت وعلى الصعيد الإقليمي ومع مطلع عام 1996 كانت الأوضاع في الأراضي الفلسطينية وإسرائيل تتخذ مسارا تصادميا واسعا نتج عن أمرين رئيسيين: أولهما هو الصعود الكبير في شعبية أحزاب اليمين الإسرائيلي المتشدد، والثاني هو بدء حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وفصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى الوطنية والإسلامية القيام بعمليات نوعية ضد أهداف إسرائيلية.

وضمن هذا السياق بدا واضحا أن هناك ثلاثة عوامل رئيسية قد دفعت الجماعة الإسلامية لكي تعلن مبادرتها وتبدأ عملية المراجعة الكبيرة. العامل الأول الرئيسي يتعلق أكثر بالسياق الإقليمي، حيث ظلت الجماعة الإسلامية ترى منذ قيامها، في أفكارها وسلوكها، أن العدو الرئيسي لها هو الدولة المصرية بمنطق أن "العدو القريب أولى بالمواجهة والقتال من العدو البعيد"، ذلك على الرغم من استمرار أدبياتها النظرية في الحديث عن الدول العبرية باعتبارها العدو البعيد.

أما العامل الثاني الرئيسي الذي أحاط بتحول الجماعة الإسلامية فقد مثلته النجاحات النسبية التي حققتها تجاهها السياسة الأمنية الحكومية والتي أوصلتها إلى الاعتراف بما أسمته قياداتها حينئذ "الهزيمة العسكرية". ولا شك أن تلك السياسة الأمنية الصارمة قد خلخلت صفوف الجماعة الإسلامية بصورة راحت تهتز معها محاولة التماسك الذي لم تجده سوى بإعادة النظر في مفاهيمها وأفعالها ومراجعتها جذريا، تمهيدا للتحول لجماعة إسلامية سياسية - اجتماعية سلمية. وقد غيرت أجهزة الأمن المصرية من إستراتيجيتها مع الجماعة الإسلامية بعد إعلانها مبادرة وقف العنف نتيجة اقتناع بعض مسئوليها بصدق المبادرة ورغبة قيادات الجماعة الحقيقية في المراجعة الشاملة الجذرية لأفكارهم ومواقفهم العملية.

أما العامل الثالث الرئيسي وراء التحول، فقد نبع من داخل الجماعة نفسها، ويتعلق بالخبرة الطويلة التي اكتسبها القادة التاريخيون المؤسسون لها عبر بقاءهم في السجون المصرية منذ عام 1981 وحتى إعلان مبادرة وقف العنف عام 1997، حيث انتقلوا من مرحلة الشباب المبكر بكل ما فيها من حماس ونزق إلى مرحلة الكهولة التي توجب طريقة أكثر حكمة ورصانة في النظر والرؤية. كذلك فقد أتاحت تلك الفترة الطويلة من العزلة الإجبارية عن التفاعلات اليومية الكثير من الوقت لتلك القيادات لكي يطلعوا على المدارس الأخرى في الفكر الإسلامي وبخاصة مدارس "الإسلام التاريخي" التي لم تتح لهم فترة النشاط العملي الكثيف والاستغراق في الفكرة الجهادية العنيفة الإطلاع عليها قبل دخولهم السجن.

أما بالنسبة للسياق الذي أحاط - ولا يزال - بمراجعات جماعة الجهاد فهو مختلف قليلا عن ذلك الذي أحاط بمراجعات الجماعة الإٍسلامية. فمن ناحية النشأة التاريخية، لم تتشكل جماعة الجهاد ككيان موحد سوى في نهاية عام 1980 وبداية عام 1981، عندما قام مؤلف كتاب "الفريضة الغائبة" محمد عبد السلام فرج بتوحيد عدة مجموعات صغيرة سبق لها التشكل والتواجد في مصر منذ نهاية الستينيات ضمن جماعة واحدة حملت اسم "الجهاد" وعلى أرضية فكرية واحدة مثلها ذلك الكتاب الشهير. كذلك فمن المعروف أن الجماعتين، أي الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد، كانتا تتبنيان رؤية فكرية وحركية واحدة فيما يخص أهداف عنفهما تلخصها مقولة فرج في كتابه بأن "العدو القريب أولى بالقتال من العدو البعيد". وتعني تلك المقولة من الناحية العملية أن الجماعتين كانتا تجدان في الحكومة المصرية "العدو القريب" والوحيد الذي يجب أن يتوجه إليه عنفهما سعيا إلى الإطاحة بها والاستيلاء على السلطة بدلا منها ومن ثم تأسيس دولة إسلامية وإعادة أسلمة المجتمع المصري كله. أما "العدو البعيد" أو الخارجي، سواء كان الدولة العبرية أو الولايات المتحدة أو غيرهما، فلم يكن من الوارد وفقا لتلك الرؤية النظرية أن تبادر أيا من الجماعتين إلى التصدي لقتاله قبل الانتهاء من المهمة الرئيسية الأولى، أي الإطاحة بالحكم المصري وتأسيس آخر إسلامي محله يكون هو أداة مواجهة ذلك العدو البعيد.

وقد تعرضت تلك الرؤية النظرية والحركية لهزة كبرى مع إعلان مبادرة الجماعة الإسلامية وقرارها بالتوقف عن العنف والتحول لجماعة سياسية - اجتماعية، وبخاصة مع انضمام عدد كبير من قيادات وأعضاء الجهاد الموجودين في السجون إلى مبادرة الجماعة بعد أيام من إعلانها في يوليو 1997. وفي خلال الفترة التالية حتى صدور قرار مجلس شورى الجماعة في مارس 1999 بالوقف النهائي والشامل لكافة عمليات العنف، انضمت أعداد أخرى من قيادات وأعضاء الجهاد إلى موقف الجماعة وبخاصة هؤلاء المقيمون في مصر والدول الأوروبية. وبالتالي كان نجاح مراجعات الجماعة الإسلامية بكل رافقها من كتابات فكرية وخطوات عملية بعدم التورط في أي عمليات للعنف وإفراج الدولة عن قيادات الجماعة وأعضاءها، هما الحافزان لقيادات جماعة الجهاد للبدء جديا في عملية المراجعات الخاصة بهم على النحو الذي تجري عليه الآن.

ثانيا: تنظيم الجهاد.. لماذا التحق بالمراجعات؟

كمال حبيب

ويوضح دكتور كمال حبيب الخبير في شئون الحركات الإسلامية فرقا آخرا بين التنظيمين. فتنظيم الجهاد يمثل التطور الحركي لما عرف باسم "حركة الفنية العسكرية"، وهي عنوان للمحاولة الأولى التي يقوم بها تنظيم إسلامي لتغيير نظام الحكم في بلد مركزي وقوي كمصر، بل هي المحاولة الأولي في كل البلدان العربية والإسلامية. أما الجماعة الإسلامية فكانت تعبيرا عن عمل طلابي مفتوح ذا طابع عاطفي يربط بين القائد والأتباع بدون واسطة مؤسسية، وساعدها على الانتشار والتوسع حاجة الدولة في ذلك الوقت (مطلع السبعينيات) إلى التيار الإسلامي ليوازن التواجد اليساري وليملأ الفراغ الذي تركه اليسار أيضا، وفي نفس الوقت ليستجيب لرغبات الطلاب والجماهير المحمومة للعودة إلى الدين والتدين.

وعلى المستوي الحركي فقد كان المنتمين للجماعة الإسلامية جميعا بما في ذل ك كل قياداتها طلابا، كرم زهدي مثلا كان طالبا بمعهد التعاون الزراعي وعاصم وعصام دربالة كانا طالبين في هندسة المنيا، وطلعت فؤاد قاسم كان طالبا في هندسة المنيا، أما غالب المنتمين لتنظيم الجهاد فقد كانوا تخرجوا من جامعاتهم أو يعملون في وظائف متعددة في الدولة. فمثلا محمد عبد السلام فرج كان يعمل مهندسا في جامعة القاهرة، وعبود الزمر كان ضابطا في المخابرات، وعصام القمري كان مدرسا في كلية القادة والأركان.

وفيما يتعلق بالأسباب والعوامل التي وقفت وراء مراجعات الجهاد، فقد أوضح الدكتور ناجح إبراهيم أحد قادة تنظيم الجهاد في رسالة بعث بها إلى الندوة، أن هذه الدوافع متعددة، ومنها:

أولا: أن الاقتتال كان بين أبناء دين واحد ووطن واحد، وأن الدماء كانت تراق كل يوم بلا سند شرعي، في حين أن الشريعة قد صانت هذه الدماء وحمتها وحفظتها. كما أفضى القتال إلى مفاسد عظيمة مثل توقف الدعوة إلى الله وامتلاء السجون بخيرة شباب هذا البلد، وما نجم عنه من تشريد الأسر وضياع الأبناء، رغم أن الهدف المعلن من هذا القتال هو إخراج المعتقلين من السجون وكانوا يقدرون ـ آنذاك ـ ببضع مئات، فزاد عددهم إلى آلاف عدة.

ثانيا: من الأسباب التي دفعت الجماعة للمبادرة ووقف العنف والاحتراب الداخلي نهائيا هو رغبة إسرائيل في الهيمنة على المنطقة وإضعاف الدولة المصرية وتهميش دورها. ولما كان الاحتراب الداخلي يساعد على ضعف الفريقين، الحركة الإسلامية والدولة معا، فكان وقف العنف نهائيا. وكانت أول خطوة على الحركة الإسلامية أن تقوم بها، ألا تحاول هدم سلطة الدول التي تحيا بها، وعلى الحكومات ألا تحاول هدم الحركات الإسلامية ما دامت لا تحاربها ولا تقاتلها ولا تصارعها، فهدم الفريقين هو بداية الهزيمة، وقوة الفريقين معا هو بداية النصر.

ثالثا: الخطر الناشئ من محاولات بسط نفوذ الحضارة الغربية على حساب الهوية الإسلامية انطلاقا من مقولات: نهاية التاريخ، وصدام الحضارات، وكانت العمليات القتالية بمصر تصب في خانة تقوية قيم الحضارة الغربية على حساب القيم الإسلامية.

رابعا: الخطر الناشئ من بروز سياسة حصار واستئصال الظاهرة الإسلامية، سواء كانت دولة أو حركة أو أقلية، وذلك على مستوى إستراتيجيات القوى الدولية المناهضة للإسلام، وكان استمرار العمليات القتالية يجعل المناخ مهيئا لإتمام هذا الاستئصال أو إحكام الحصار بدعوى مواجهة الإرهاب و الحرب الوقائية ضده.

خامسا: الخطر الناشئ من محاولات بعض دوائر أقباط المهجر لتوظيف الضغوط الدولية ضد مصر لتحقيق مكاسب غير مستحقة أو مشروعة بدعوى أن الأقباط يتعرضون لعمليات تستهدفهم من الجماعات الإسلامية والحكومة تتستر على ذلك، وكان استمرار العمليات التي يستهدف بعضها الأقباط يمثل ذريعة يتذرعون بها لاستمرار الضغط والابتزاز، خاصة مع إحساس هذا النفر من أقباط المهجر ببروز سياسة دولية لتحريض الأقليات ضد الحكومات التي تعيش في كنفها.

سادسا: الخطر الناشئ من احتدام الصراع بين دعاة الفكرة الإسلامية ودعاة الفكرة العلمانية حيث يظهر جليا أن هناك بعض المعارضين للفكرة الإسلامية يوظف العمليات القتالية في مصر لتحريض السلطات على كل ما هو إسلامي لإحراز النصر الحاسم على دعاة الفكرة الإسلامية وكان واجبا علينا أن نحرمهم من هذه الفرصة.

سابعا: الخطر الناشئ من الاضطراب المتزايد في المشهد الاجتماعي بمصر وذلك باستمرار القتال بين أبناء البلد الواحد بما يخلفه من أحقاد وضغائن.

أما الأهمية الإستراتيجية لمبادرة الجماعة الإسلامية، والتي منها استقى تنظيم الجهاد ضرورة أن يبادر بالمراجعات أيضا، فيرى ناجح أنها مبادرة جاءت كسابقة فريدة من نوعها في الحركة الإسلامية عامة وفى الحركات السياسية خاصة وذلك للأسباب الآتية:

  1. أن هذه أول حركة إسلامية تراجع نفسها وتصحح مسيرتها بنفسها.. وتقوم بعملية نقد ذاتي صحيح.. تقر فيه ما كان صحيحا من عملها مثل الدعوة إلى الله وهداية الخلق إلى الإسلام.. وتربية النفوس على الفضيلة والنقاء وترك المنكرات الظاهرة والباطنة.. وتنفى ما كان في مسيرتها من أخطاء ومثالب.. وتعترف بمسئوليتها عن هذه الأخطاء في صراحة كلفتها الكثير في الدنيا.

  2. هذه أول حركة إسلامية تعترف بكل العلميات التي قامت بها فلم تقل أن الدولة هي التي دبرتها من أجل الإيقاع بها، ولم تعترف بنظرية المؤامرة التي تسود على نطاق واسع في الحركات الإسلامية والعربية والقومية، ورسخت بذلك مبدأين للتغيير في الإسلام، ومنافيان لنظرية المؤامرة المعروفة هما:

    (أ) مبدأ التغيير الإيجابي: ودليله قوله تعالى "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

    (ب) مبدأ التغيير السلبي: ودليله قوله تعالى "ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

  3. أن فكرة المبادرة انتشرت في البلاد العربية وتم تقليدها بحذافيرها في بلاد كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر: اليمن، السعودية، الجزائر، المغرب. ونجحت هذه التجربة في هذه البلاد وتم تدريس بعض كتب المبادرة بها.

  4. رغم هجوم كثير من أعضاء تنظيم الجهاد على مبادرة الجماعة الإسلامية في بدايتها دون دراسة كافية لها أو تمحيص حقيقي لمغزاها النبيل، إلا أن هؤلاء عادوا بعد تسع سنوات كاملة ليعلنوا مبادرتهم ويسيروا على هدي المبادرة، وهذا دليل على قوة مبادرة الجماعة الإسلامية وثباتها ورسوخها على الأرض، وكذلك رسوخها في التأصيل الفقهي والشرعي.

  5. تكررت تجربة المبادرة مع أعضاء الجماعة في سيناء، والذين قبض عليهم في قضية تفجيرات طابا وشرم الشيخ حيث قام بعض قادة الجماعة الإسلامية بشرح المضامين الفقهية لكتب المبادرة لهم. وهذا أدى إلى النجاح الباهر لوقف مسلسل العنف في سيناء.

  6. تعد مبادرة الجماعة الإسلامية أول سابقة في تاريخ الحركة الإسلامية منذ مائة عام يترسخ فيها مفهوم المراجعة الشرعية والفقهية، والذي كان موجودا لدى سلف الأمة ثم غاب عن الأمة فترة من الزمان، ثم اندثر اندثارا شبه تام في الحركات الإسلامية الحديثة حتى ارتبط مفهوم المراجعة عند أكثرها بمفاهيم غريبة مثل التخاذل أو التنازل عن الشرع أو مداهنة الحكومة والسير في ركابها أو ضعف الإيمان واليقين.

  7. تم في المبادرة ولأول مرة في تاريخ الحركة الإسلامية حل الجناح العسكري والتنظيم السري للجماعة الإسلامية حلا حقيقيا معلنا مع تسوية مواقف هؤلاء تسوية عادلة دون إخلال بأي من قواعد الشريعة أو القانون أو الإجحاف بحق الدولة أو حق هؤلاء. وقد تحولت الجماعة الإسلامية إلى جماعة علنية دعوية تربوية تنموية إصلاحية تهتم بهذه الأشياء، ليس فيها ما تستتر به أو تخاف من كشفه أو تخشى من ظهوره. وهذا الأمر كان اختبارا صعبا للجماعة الإسلامية اجتازته بنجاح دون أن يحطمها أو يشتت شملها أو يفرق صفها كما حدث مع جماعات أخرى من قبل انشق فيها الجناح العسكري على القيادة وقام بعمليات وضعت قادتها في حرج شديد.

ثالثا: الملامح الفكرية الرئيسية للمراجعات

ناجح إبراهيم

ويوضح ناجح أن أهم الملامح الرئيسية للمراجعات من الناحية الفكرية، تتمثل في عدد من العناصر وردت في كتابات مختلفة عن قيادات الجماعة، أبرزها:

أولا: وجهت الجماعة الأنظار إلى أهمية النظر في المصالح والمفاسد، وما يعرف بفقه المآلات (النتائج) بحيث لا يخوض الشباب غمار صدام عنيف يعود ببالغ الضرر عليه وعلى دينه وعلى وطنه، وأيضا يحاول الشاب أن يقرأ واقعه سواء على المستوى المحلى أو الإقليمي أو الدولي بحيث لا تصبح أفعاله وتصرفاته سببا لإضعاف وطنه وإحداث خلل ينفذ منه الأعداء.

ثانيا: عارضت المراجعات وبشدة ما يقوم به البعض من تفجيرات عشوائية تؤدى إلى إزهاق أرواح الأبرياء المسلمين لأسباب واهية، ولم تكتف الجماعة ببيانات الإدانة فقط بل سارعت إلى إصدار كتابين: (تفجيرات الرياض) من تأليف الدكتور ناجح إبراهيم،  و (إستراتيجية القاعدة) من تأليف د. عصام دربالة. وتناول الكتابان هذه القضية الخطيرة من منظور شرعي وواقعي.

ثالثا: تم إعادة قراءة بعض الفتاوى التي تم تنزيلها على الواقع في الماضي تنزيلا خاطئا مما أفضى إلى مفاسد كفتوى "التترس" وقد تم الخروج بنتيجة هامة، وهي أن الجيوش المعاصرة في الدول الإسلامية تختلف اختلافا جذريا عن جند التتار وبالتالي فقياس هؤلاء على هؤلاء قياس فاسد.

رابعا: تم إعادة قراءة بعض المفاهيم كمفهوم حتمية المواجهة. وثبت أنه لا حتمية إلا لما حتمه الله عز وجل أو حتمه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأكدت الجماعة أيضا أن عدالة القضية لا تعنى حتمية المواجهة، فحتمية المواجهة ليست سنة كونية ولا حكما شرعيا، وإنما هي فتوى قد تصيب وقد تخطئ فضلا عن أنها لا يجوز أن تتعدى لكل واقع وزمان.

خامسا: قضية الحاكمية والعلاقة المفترضة بين الحاكم والمحكوم في ظل تعاليم الإسلام ومبادئه، حيث أكدت الجماعة أن مجرد ترك الحكم بما أنزل الله لا يعد كفرا إلا إذا انضم إليه أمور مثل الجحود أو تفضيل حكم البشر على حكم الله. وكذلك نوهت إلى أهمية ما يمكن تسميته محاكمة البشر، وأثبت للبشر حاكمية، وأن هذه الحاكمية لا تصطدم بحاكمية الله سبحانه إذا عملت في إطارها الصحيح الذي رسمه الإسلام لها، وأن كلا الحاكميتين تكمل بعضها بعضا.

سادسا: أشارت المراجعات إلى فقه الأحكام السيادية مثل إعلان الحرب أو إقامة الحدود والجنايات والأمن الداخلي والخارجي وعقد السلام وما إلى ذلك، كما أشارت الجماعة في كتاب "تطبيق الأحكام من اختصاص الحكام" إلى أن هذه الأحكام السيادية لا يجوز للأفراد ولا الجماعات مهما كان صلاحها أن تقوم بها لأن هذه الأحكام منوطة بالحكام وحدهم مهما كان بعدهم عن الشريعة إذ أنها تتطلب قدرة خاصة لا تتوفر إلا في هؤلاء الحكام، بررة كانوا أم فجارا.

وبرأي ناجح، فإن هذه الأمور السابقة وغيرها تؤكد أن جماعة الجهاد ستترك العنف نهائيا، وهي بهذه المراجعات قد رسخت لدى الحكومات أن الحركة الإسلامية لا تريد القفز في غفلة من الزمن على كراسي الحكام، وأنها تترك للدولة الأمور السيادية المعروفة مقابل أن تترك الدولة للحركات الإسلامية المنضبطة دورها التربوي والإيماني والأخلاقي والاجتماعي والإصلاحي بعيدا عن النزاع الساخن أو البارد على سلطة لن يدركها الإسلاميون، وإذا أدركوها أجبروا على تركها تحت ضغط الموقف الدولي والإقليمي كما حدث مع حماس في فلسطين والمحاكم الإسلامية في الصومال. كما أن الحرب الباردة أو الساخنة التي حدثت بين الحركة الإسلامية وبعض حكومات الدول العربية والتي يرجع بعضها إلى الأربعينيات أضرت بالفريقين وأنهكتهما وعطلت تقدم وتطور ونمو المجتمعات إلى الأفضل ومرجع هذه الحرب الباردة والساخنة في الحقيقة هو صراع الإرادات والسلطات فكل منهما يرى أنه الأجدر بقيادة المجتمع وريادته، وذلك بالرغم من أن الحركة الإسلامية مرت عليها فترات طويلة لم تكن فيها مهيأة للحكم.

منتصر الزيات

وحول آلية المراجعات الفكرية وكيفية حدوثها، أكد الأستاذ منتصر الزيات المحامي السابق للجماعات الإسلامية والخبير في شئون الحركات الإسلامية، على دور النخبة الدينية والثقافية في هذا الشأن. وعلى سبيل المثال، فقد ساهم مجموعة من المثقفين والمفكرين الإسلاميين، منهم الزيات وصلاح هاشم والدكتور توفيق الشاوي والدكتور وحيد عبد المجيد والأستاذ ضياء رشوان والأستاذ ممدوح الشيخ، في إصدار مجلة غير دورة تحت عنوان "المراجعات"، وكانت الهمة تفعيل العمل الإعلامي والمجتمعي لمبادرة وقف العنف الصادرة عن الجماعة الإسلامية، ولما أثمرت هذه المبادرة وأفرج عن بعض قيادات الجماعة الإسلامية تم إصدار عدة كتيبات سطرت مراجعات الجماعة في كافة المسائل الفكرية التي سبق وأن تناولتها في أدبياتها وأبحاثها المنشورة والمخطوطة، وكان للأسماء التي تصدرت هذه الكتب أثرها الفعال في انتشارها وإقناع منتسبي الجماعة بما حوته من فكر. وكان لالتقاء قادة الجماعة وشيوخها بقواعدهم في السجون الأثر الفعال في اقتناع هذه القواعد بما يوافق عليه القادة من مراجعات ومن أسس بنوا عليها هذه المراجعات. وقد نجحت مراجعات الجماعة الإسلامية لكونها متوافقة مع طبيعة نشأة الجماعة الأولى وأيضا حسن التوفيق فيمن قاموا على المراجعات بداية ونهاية.

ويُذكر الزيات في هذا السياق بدور جماعة الإخوان المسلمين في بدء المراجعات الاختيارية كما تمثلت في كتاب "دعاة لا قضاة" للمستشار حسن الهضيبي المرشد الثاني للجماعة، فهذا الكتاب كان ردا على التيار التكفيري الذي أطل على الجماعة في سجن أبى زعبل وكان قطباه الشابين طه السماوي وشكري أحمد مصطفى، واللذين لم يكونا عضوين بجماعة الإخوان، إلا أن أصل الفكرة قد أخذت عن عضو له وزنه بين الإخوان، ونوقش الرجل ورجع عن هذا الفكر على الملأ. وكتب أعضاء الإخوان ممن لهم صلة بالعلم الشرعي أبحاثا عديدة في الرد على الفكر التكفيري، لكن مطرقة التعذيب أفسدت بعض محاولات المراجعات، الأمر الذي أخرج الفكر التكفيري إلى الهواء الطلق بعد ذلك على النحو الذي شاهدناه في الساحة الفكرية والأمنية والقضائية.

ويفرق الزيات بين المراجعات الاختيارية والقسرية للإخوان. فالأولى صدرت عن أعلى مرجعية تنظيمية هو المرشد العام، الأمر الذي أعطاها زخما لازما في حينه ومستمرا حتى هذه اللحظة، وقد زاد مصداقيتها أن المرشد كان مريضا لا يقوى على الحراك ومع ذلك فهو ثابت لا يتنازل ويرفض المساومة، ثم يصدر هذه المراجعات ويقرر أنه منشؤها مما كان له بالغ الأثر عند أتباعه وأثر في عدم انجراف أعضاء جماعة الإخوان وغيرهم من الإسلاميين المعتقلين معهم إلى تيار التكفير. أما الثانية أي القسرية، فقد تمثلت في حلقات يقوم فيها بعض صغار الإخوان بتوجيه الشتائم وفاحش القول إلى القادة تحت رعاية مأمور سجن أبى زعبل - عبد العال سلومة ـ وهذه الطريقة انتهت إلى لا شيء بل ازداد رصيد القادة لدى القاعدة احتراما وتعاطفا.

وينوه الزيات إلى دور النخبة الدينية في هذه المراجعات. بالنسبة للجماعة الإسلامية كانت إرهاصات المراجعات قد بدأت بمبادرة الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله والتي لم يكتب لها النجاح بسبب المعالجات الصحفية الاستئصالية والتي كانت سببا في سنوات عجاف عاشتها مصر ما كان لها أن تراها لو كتب لهذه المبادرة النجاح. ثم كانت مبادرة خالد إبراهيم وهو قيادي الجماعة بأسوان حينما ناشد قادته وقف العمليات المسلحة من جانب واحد, وكان ذلك في أبريل 1996 أثناء محاكمته في إحدى قضايا العنف الديني، ولم يكتب لها النجاح لأمور تنظيمية، إلى أن صدرت المبادرة الكبرى التي وقعّ عليها ستة من قادة الجماعة، على رأسهم محمد أمين، وكتب لهذه الأخيرة النجاح نظرا لصدورها عن كامل قيادة الجماعة بما لهم من حضور في نفوس القواعد، وبسبب تولي الشيخ صلاح هاشم تفعيل هذه المبادرة على المستوى القاعدي والإعلامي.

أما بالنسبة لتنظيم الجهاد، فيرى الزيات أنه نشأ في ستينيات القرن الماضي كنتاج للظروف التي مرت بها الحركة الإسلامية آنذاك وكان سوادهم الأعظم من الأخوان المسلمين، وكانت السلطات في ذلك الوقت تغولت على حريات وحرمات كل العاملين للإسلام تحت أي مسمى ودون النظر لنوعية النشاط بدءً بالإخوان وانتهاء بالتبليغ مرورا بالجمعية الشرعية وأنصار السنة المحمدية، جمدا أو حلا أو اعتقالا. ويستطرد الزيات بالقول إن أولى إرهاصات المراجعات كانت في مبادرة "حسن الهلاوي" التي أطلق عليها آنذاك "التوبة"، وكانت نداء لكافة أبناء الحركة الإسلامية خاصة المعتقلين منهم آنئذ ولم تستثنى أحدا, غير أن أثر تلك المبادرة اقتصر على الإفراج على عدد قليل من الذين تواصلوا معها، ورفضها الغالبية بسبب اسمها "التوبة".

ومع إطلاق مبادرة الجماعة الإسلامية في يوليو 1997 تجاوب معها بعض قيادات الجهاد أبرزهم: أنور عكاشة، وتوقيع عبود الزمر على المبادرة رغم حسابه على الجماعة الإسلامية باعتبار أنه جرى تقديمه آنذاك عضو مجلس شورى الجماعة، وكان لذلك تأثيره الأدبي على فريق من مجموعات الجهاد لا تخطئه العين.

أما مبادرات الجهاد الرئيسية فقد تمثلت في:

  1. مبادرة نبيل نعيم عبد الفتاح وأطلقها باسم جماعة الجهاد والتحقت بها كافة الفصائل الجهادية ثقة منها في مصداقية نبيل نعيم وعدم تأثره بالضغوط، الأمر الذي تشهد به مواقف كثيرة داخل السجون سواء إبان اعتقاله في قضية الجهاد الكبرى ولمدة سبع سنوات من عام 1981 حتى 1988, واعتقاله الأخير الذي استمر من أغسطس 1990 وحتى هذه اللحظة. لكن هذه المبادرة كانت تفتقد إلى الإجماع على خلفيات شخصانية لا مبرر لذكرها.

  2. كانت هناك مبادرة للتنظيم في عام 1995 سبقت مبادرة الجماعة الإسلامية، لكنها فشلت لأسباب عديدة، منها الخلافات الحادة بين أقطاب الجهاد لانتماءاتهم لمناطق وبلاد مختلفة داخل مصر وفى الخارج، وتخلي أيمن الظواهري عن تنظيم الجهاد، وتحالفه مع أسامة بن لادن ثم تكوينهم التنظيم الدولي لمحاربة اليهود والصليبيين في عام 1998، وهو ما أدى إلى خلافات في المواقف داخل لتنظيم، وبعض عناصره جمد نشاطه، أو تحول بعضهم عن التنظيم.

سيد إمام الشريف

مبادرة د. سيد إمام الشريف، والذي يعد النواة الأولى المكونة لجماعة الجهاد, فضلا عن كونه المفكر الأول لجماعة الجهاد والمنظر المنقطع النظير الذي التفت كافة مجموعات الجهاد حول مؤلفاته, فالرجل ليس له خلافات مع أي من المجموعات الجهادية، ولذا كان تبنيه لمبادرة الجهاد أثره الفعال. غير أن الأثر الأهم في تبنى د. سيد إمام لمبادرة الجهاد هو كونه مؤهل بحسب إمكانياته العلمية لتأصيل المراجعات الفقهية لجماعة الجهاد, وكان ذلك بإيجاز غير مخل أزال فيه ما التبس على أعضاء الجهاد من أحكام وعبارات وردت في كتابه "العمدة", الأمر الذي وجد قبولا لدى القطاع الأعرض من أعضاء الجهاد وانضمت الغالبية الساحقة لمجموعات الجهاد للمبادرة وأقرت المراجعات الفكرية وتم التعاطي مع المبادرة أمنيا حيث تم الإفراج عن أعداد كثيرة من أعضاء الجهاد.

رابعا: دلالات وتداعيات عملية المراجعات

تكتسب عملية المراجعات، كما يرى ضياء رشوان، عديدا من الدلالات كما ترتب عليها مجموعة من النتائج الإيجابية سواء بالنسبة لمصر أو العالم العربي والإسلامي عموما. فبالنسبة لمصر، يكتمل التوقف النهائي لظاهرة العنف الديني المنظم بإنهاء جماعة الجهاد مراجعاتها بعد اكتمال مراجعات الجماعة الإسلامية، وهو الأمر الذي جعل منها في السنوات التي تلت هجمات سبتمبر 2001 أقل دول منطقتي الشرق الأوسط والخليج تعرضا للموجة العالمية الجديدة من الإرهاب والعنف الديني. ومن المرجح أن يمتد هذا التأثير الإيجابي مستقبلا، حيث يبدو مستبعدا عودة العنف الديني إلى مصر في المستقبل المنظور، لأنه باكتمال هذه المراجعات تكون كل الجماعات والمجموعات المصرية العنيفة المنظمة التي عرفتها البلاد خلال الأعوام الأربعين الأخيرة قد تحولت لتصبح ذات طابع سياسي - اجتماعي سلمي لتخلو البلاد للمرة الأولى طوال هذه الفترة من تلك النوعية من الجماعات المنظمة ذات الخبرة والتاريخ في مجال العنف ذي الطابع الديني.

أما عن دلالات ونتائج المراجعات خارج مصر فهي عديدة، ومعظمها يتعلق في الوقت الحاضر والمستقبل القريب بمراجعات جماعة الجهاد. والدلالة الرئيسية الأولى لمراجعات جماعة الجهاد تتعلق بمن يقودونها من الرموز التاريخية للحركة الجهادية العالمية، حيث سيؤدي ذلك بدون شك إلى خلخلة عميقة وواسعة لصفوف تلك الحركات، والتي كان لبعض المصريين من أعضاء الجهاد دور بالغ في تأسيسها ونشر فكرها السلفي الجهادي وممارساته عبر العالم، وفي مقدمتها تنظيم القاعدة الذي شاركت عناصر من الجهاد في تأسيسه ويحتل أميره السابق أيمن الظواهري موقع الرجل الثاني فيه.

أما الأستاذ نبيل عبد الفتاح رئيس وحدة الدراسات الاجتماعية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية، ينوه إلى أهمية مبادرات وقف العنف والمراجعات الفقهية والأيديولوجية، التي تتناول المبادئ الشرعية المؤسسة للعنف، تبدو خطوة إيجابية على صعيد الاستقرار السياسي، والأمني، ويمكن أن تشكل بداية لإعادة التفكير في بعض القضايا والإشكاليات الأصولية التي تمس الخطابات الفقهية والدعوية والإفتائية التي تسيطر على السوق الديني السياسي والاجتماعي طيلة العقود الماضية ولا تزال مستمرة، وتعيد إنتاج ومراكمة بعض آثارها السلبية. وفي هذا الإطار تشكل المراجعات الفقهية عموما، ولتنظيم الجهاد على وجه الخصوص، عملا هاما أيا كانت ابتساراته، ومن ثم لابد من وضعها في سياقاتها التاريخية والتنظيمية والأيديولوجية كخطوة في طريق طويل وشاق معرفيا وروحيا وإيمانيا بلا سياجات أو ضفاف أمام تراثنا الفقهي والتفسيري والتأويلي البشرى والمصالح والرؤى والتحيزات، ومن ثم لا قيد أمام حركة المراجعة، وإعادة التفكير، والاجتهاد في إطار أصوله.

بيد أن عبد الفتاح يشير إلى أمر بالغ الأهمية، فتغيير بعض الآراء الفقهية الراديكالية المتشددة - أو المغالية أو الإرهابية في نظر بعضهم - التي سبق أن تبنتها الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد، لا يعنى سوى تغيير جزئي في بنية الأفكار الفقهية، ومصادرها، وأساليب إنزالها على الواقع السياسي والاجتماعي والديني المتغير. ولهذا نحن لسنا إزاء عملية إصلاحية في بنية العقل السياسي والفقهي للجماعتين من حيث المصادر والمرجعية ومناهج التفكير وأساليب استنباط الأحكام التفصيلية من مصادرها الشرعية، أو آليات إنزال الأفكار الفقهية من مظانها التاريخية البشرية والتأويلية على الوقائع المتغيرة. والأحرى القول أن المبادرتين والمراجعات لا يشكلوا حالة يمكن إدراجها في إطار مشروعات التجديد في الفكر الإسلامي على نحو ما تم في عصر النهضة المصرية، على أيدي الشيوخ الكبار محمد عبده، والمراغي، وعبد المتعال الصعيدي، ومحمود بخيت، ومحمود شلتوت.. إلخ.

ويرى عبد الفتاح أن أية مراجعات فقهية، أو إفتائية، أو أيديولوجية لا تتم في إطار مغلق، وإنما هي جزء من عملية جدل داخلي، وجدل خارجي، أي جزء من عملية جدلية وسجالية ديناميكية داخل جماعة دينية، أو سياسية ما، إزاء تحديات فكرية، أو تنظيمية أو سياسية تواجهها، أو نزاعات داخلية حول بعض الأفكار والآراء الفقهية والتفسيرية للنصوص والمتون القديمة. فالجدل حول الأصول والنصوص والواقع الحياتي المتغير لا يتم في أطر داخلية بينية، إنما تدور الجدالات الفقهية - السياسية والأيديولوجية الدينية مع الجماعات الإسلامية السياسية الأخرى، ومع القوى السياسية والفكرية الليبرالية والقومية واليسارية، وذوي الانتماءات الدينية والمذهبية الأخرى.

هذا النمط من الجدالات، يؤدي إلى إعادة تقييم بعض الأفكار المسيطرة داخل الجماعة، أو السعي إلى بناء منظومة للمحاججة الفقهية أو السياسية، أو تطوير واستنبات آراء جديدة، أو السعي إلى اجتهاد يمس بنية المقولات السائدة داخل الجماعة، أو لدى الجماعات الإسلامية السياسية الأخرى، أو داخل السلطة الدينية الرسمية، أو المتصوفة، أو "وعاظ" و"دعاة" و"علماء" الطريق - إذا شئنا استعارة طه حسين - بهدف استنباط وتوليد مناهج في التفسير والتأويل الديني تسمح بإنتاج مستمر في الأفكار الكلية، أو الأحكام والحلول التفصيلية تتضمن وصلا ديناميكا ومستمرا بين النص والعصر، وترفع التناقضات والتوترات بين المسلم المعاصر، وبين أسئلة ومتغيرات مجتمعه وعالمه المعولم الآن وما بعده.

أما منتصر الزيات، يرى أن المراجعات خطوة إيجابية على طريق طويل من الممارسة التنظيرية، والفقهية والإفتائية التي تحتاج إلى الاجتهاد، والتأصيل، والاطلاع على مصادر الفقه والفكر الإسلامي على اختلافها، وعلى تاريخ الإنتاج التجديدي المصري والمقارن، فضلا عن تحولات وانقطاعات الفكر الفلسفي والألسني والسوسيولوجي والسياسي والتشريعي في عالمنا الحديث والمعاصر وما بعدهما.

ويعتقد الزيات أن ثمة مشكلات ستواجه قادة وكوادر تنظيم الجهاد، من بينها مشكلات دمجهم اجتماعيا وسياسيا في المجتمع المصري، وهل يتحول الدمج الاجتماعي إلى إمكانية دمج سياسي في إطار حزبي، أو في إطار جمعيات أهلية... هذه أسئلة مفتوحة على واقع موضوعي مشحون بالتوتر والمشكلات المتراكمة، والأخطر على عقول - في السلطة والمعارضة والمجتمع- يبدو غالبها قد أعد لمواجهة الماضي لا المستقبل كما قال بعضهم ذات مرة.

ويبدو أن أي مسعى فقهي نحو إنتاج اجتهادات عميقة تمس بنية العقل الإسلامي النقلي، وإنتاجه يحتاج إلى إعادة هيكلة سياسية نحو الديمقراطية والتعددية وقيمها السياسية وأيقوناتها الرمزية والفكرية، ومن ثم إلى ضرورة إصلاح التعليم عموما العام والجامعي والتعليم الديني الأزهري، علاوة على المؤسسة الإسلامية الرسمية على نحو يجعلها قادرة على تأسيس انفتاح واطلاع على ثورة المعرفة في الأطر الحديثة كي تدخل طرفا في المعرفة والجدل والحوار الضار الذي يسم عالمنا المعولم.

من جانبه أكد د. وحيد عبد المجيد مساعد مدير مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية على أن التغير الذي حدث في توجهات الجماعة الإسلامية على مدى نحو عقد من الزمن منتجا لجدل ونقاش واسعين. وتناول عبد المجيد السيناريوهات المتوقعة للعلاقة بين الدولة والحركات الإسلامية بعد المراجعات، حيث رأى أن ثمة ثلاثة سيناريوهات متوقعة، هي:

أولا: سيناريو العودة إلى العنف: وفقا لهذا السيناريو، لا تخلو المراجعات من المراوغة والغموض بينما تخلو من الحسم القاطع. ويمكن إدراك أهم ما تم طرحه في هذا المجال فيما يلي: أما مبادرة وقف العنف هي دوران مع شرع الله تعالى وليس مع دنيا زائلة، وأن المزايدة تضيع الممكن في طلب المستحيل، وأن التفكير في المراجعات استغرق سنوات وجاء ثم الجهد علمي كبير، وأن مبادرة عام 1997 كانت ثمرة لمحاولات سابقة.

ثانيا: سيناريو العمل السياسي مستقلا عن الدولة أو متحالفا معها: ينطوي هذا السيناريو على مشاهد مثيرة ولكنها ليست مؤثرة في الواقع في حالة ميل قادة الجماعة إلى بناء علاقة تعاون سياسي مع الدولة.

ثالثا: سيناريو العمل الدعوي: يبدو هذا السيناريو هو الأقرب إلى الطبيعة التنظيمية للتنظيمين في حالتهما الجديدة بعد المراجعات، والتي تعيد الجماعة الإسلامية بصفة خاصة إلى أصلها الأول حين نشأت في الأساس كدعوة إيمانية تربوية إسلامية تهدف إلى دعوة الناس وهداية الخلق إلى الحق.

وحول مستقبل العلاقة بين هاتين الجماعتين الجهاديتين والجماعات الإسلامية السلمية، رأى د. عمرو الشوبكي الخبير في الحركات الإسلامية بمركز الدراسات السياسية بالأهرام، أن أهم ما يمكن النظر إليه في مسألة المراجعات يتعلق بمدى قدرتها على أن تمثل جسرا للتواصل مع الحركات الإسلامية السلمية، فهذا مؤشر هام للنظر لمستقبل المراجعات. وهنا ثمة عدد من الخيارات:

أولا: تأسيس حركة سياسية أكثر أصولية وأكثر تشددا من جماعة الإخوان المسلمين ولكنها ستكون سلمية، وهو الأمر الذي يتطلب نظاما سياسي كفئا وديمقراطيا لدمجها.

وهنا لابد من الإشارة إلى أن الخبرة السياسية وخبرة العمل النقابي التي اكتسبها الإخوان المسلمين منذ عقود من العمل السلمي، تغيب عن العناصر الجهادية، ولذا جاء برنامج حزب الإصلاح الذي طرح على يد مجموعة من الشباب الجهادي في بداية هذه الألفية لا علاقة له في كثير من الجوانب بالبرنامج السياسي وبدا وعظيا وأكثر محافظة.

ثانيا: انضمام بعض العناصر الجهادية إلى جماعة الإخوان المسلمين، وهو أمر عليه محظوران: الأول أمني يتعلق بأن شرط عودة هذه العناصر هو أن تكون فقط عودة للحياة وليس الحياة العامة، والثاني يتعلق بتجاوز هذه العناصر لبعض المبررات القديمة في علاقتهم بالإخوان، والتي اعتبروا أنهم لم يدعموهم ولو إنسانيا ومعنويا بشكل كامل، كما أن الإخوان حاولوا أن يستفيدوا من المواجهات الدموية التي دارت بين شباب الجماعات الجهادية والسلطة بتقديم أنفسهم كبديل يمثل الاعتدال والوسطية حتى لو كان ذلك على دماء الضحايا الذين سقطوا في هذه المواجهات.

ثالثا: أن يقتصر نشاط "العناصر التائبة" على النشاط الدعوي دون أي دور سياسي وحزبي، وهو أمر مرجح لدى أعداد واسعة من هذه العناصر التي "تعبت" من المعتقلات والسجون، وشعرت في النهاية أنها فقدت شبابها في مواجهات خاسرة مع النظام، وربما حان الوقت لكي ترتاح من النشاط السياسي حتى لو أخذ فقط صوره السلمية.

 

ابحث

بحث متقدم